شهدت المواقف من الحرب التي يشنها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو على إيران انقسامًا واضحًا في المعسكر الغربي المساند دائمًا للتحركات الأمريكية والسباق دائمًا لدعم وحماية إسرائيل؛ حتى داخل الولايات المتحدة هناك جدل وانقسام حاد وصل إلى تيار “الماجا” الذي يمثل القاعدة الانتخابية الرئيسية للرئيس الأمريكي، فضلًا عن موقف الحزب الديمقراطي -المعروف دائمًا بمساندته لإسرائيل- حيث جاء الموقف معارضًا تمامًا ويرى أن الحرب غير مبررة. أغلبية المواقف وصفت الحرب بأنها حرب “ترامب ونتنياهو”؛ وأنها اندلعت خارج الشرعية الدولية ودون مبررات ملحة أو منطقية، وأن الانضمام لها محفوف بالمخاطر ولن يحقق أيًا من الأهداف المعلنة قبل شن الهجوم والمتمثلة في تغيير نظام الملالي؛ القضاء على البرنامجين النووي والصاروخي؛ والقضاء على الأذرع والتدخلات والخطر الإيراني في الإقليم.
الحلفاء الأهم في المعسكر الأوروبي (بريطانيا وفرنسا) أعلنا موقفًا معارضًا للحرب، وأنهما لن يشاركا أو ينجرا لمعركة خارج الشرعية الدولية ولم يُعد لها جيدًا؛ فقد أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يوم الاثنين (2 مارس)، أن بلاده لم تكن متورطة في الهجوم الأولي على إيران، مشيرًا إلى أن بريطانيا ستواصل تحركاتها “الدفاعية” في المنطقة لحماية الحلفاء ومصالحها. وقال ستارمر، خلال كلمة أمام مجلس العموم البريطاني، إن شركاء المملكة المتحدة في الخليج طلبوا دعم بريطانيا لمواجهة الهجمات الإيرانية، مشددًا على أن نهج إيران بات أكثر تهورًا، ولا يمكن السماح لنظامها بالحصول على سلاح نووي. وأوضح أن الوضع في المنطقة يتطور بسرعة، معربًا عن اقتناعه بأن قتل المرشد الإيراني علي خامنئي لن يمنع هجمات إيران بل سيزيدها. وشدد رئيس الوزراء البريطاني على أن بلاده ستشارك في جهود الدفاع عن المنطقة دون المشاركة في أي هجمات تشنها إسرائيل أو الولايات المتحدة على إيران”.
بينما أدان الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون كل أطراف الحرب، ووصفها بأنها تتم خارج القانون الدولي حين قال: “تتحمل إيران المسئولية الأولى عن هذا الوضع”، على خلفية برنامجها النووي الخطير، ودعمها “جماعات إرهابية” في لبنان واليمن والعراق، إضافة إلى أوامر إطلاق النار على المتظاهرين، حسبما ذكر ماكرون. إلا أنه أشار إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل قررتا شن عمليات عسكرية تُنفذ “من خارج القانون الدولي، وهذا ما لا يمكن القبول به”.
وجاء الموقف الإسباني صادمًا لترامب رغم التهديدات واللا مبالاة التي حاول إظهارها حين رفضت الحكومة الإسبانية استخدام أراضيها في العمليات الحربية على إيران؛ وأعلن رئيس الوزراء الإسباني الموقف دون مواربة؛ قائلًا: “موقف مدريد هو لا للحرب.. حرب العراق أدت إلى عالم أكثر انعدامًا للأمن.. نحن ضد هذه الكارثة.. الحرب على إيران لن تؤدي إلى نظام دولي أكثر عدلًا ولا إلى رواتب أعلى أو خدمات عامة أفضل أو بيئة أكثر صحة.. سنتعاون مع دول المنطقة الساعية إلى السلام بالإمكانات الدبلوماسية والمادية.. هكذا تبدأ الكوارث الكبرى للبشرية ولا يمكننا التلاعب بمصير الملايين…”.
الانقسامات داخل المعسكر الغربي الواحد تعكس انقسامًا أكبر على المسرح الدولي، والجميع يسوق مسوغات قانونية وأخلاقية وسياسية وأمنية تحول دون الانخراط في مغامرة عسكرية غير محسوبة لها تبعات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية على منطقة الشرق الأوسط والعالم لما تمثله المنطقة من أهمية استراتيجية واقتصادية لجميع دول العالم، وخاصة دول المنطقة؛ تلك المواقف التي بدأت تسأل الأسئلة الصحيحة عن جدوى الحرب وأهدافها ومآلاتها وتعلن دون استشعار الحرج رفضها الانسياق والانخراط.
سير العمليات وتداعياتها
مرت 6 أيام على بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران صباح السبت (28 فبراير 2026)؛ ورغم نجاح الهجوم في استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من المسئولين والقادة الكبار في الجيش والحرس الثوري الإيراني وعدد من مستشاريه وأفراد من عائلته، إلا أن ما كان رهانًا على خروج الشعب الإيراني في مظاهرات حاشدة لإسقاط النظام بالتبعية لم يتحقق بعد؛ وشدد الحرس الثوري وقوات الباسيج سيطرتهم على المشهد الداخلي إلى حين.
اللافت أن العملية العسكرية التي استهدفت المرشد الأعلى هو أنها كانت متوقعة منذ فترة طويلة، ولم تكن مفاجئة، ومنحت الوقت لتسمية البدائل على كل المستويات بداية من شخص المرشد ووظائفه ومهامه مرورًا بكل مستويات القيادة العسكرية والمدنية بحيث تم تحييد كل مشاهد الارتباك والفوضى داخل عملية صناعة القرار وجاهزية الاشتباك مع كل التطورات، بل إن عملية المبادرة والرد على الهجوم كانت أسرع وأكثر دقه وفاعلية مقارنة بجولة الــ 12 يومًا السابقة.
شهد رد الفعل الإيراني استهدافا لكل دول الخليج التي تشاطرها شواطئ الخليج العربي على الجانب الآخر منه بزعم أنها ترد على الهجوم باستهداف القواعد واللوجيستيات والذين يحملون الجنسية الأمريكية في تلك البلدان ولا تنتهك سيادتها على اعتبار أن تلك القواعد واللوجيستيات موجودة بالأساس لمواجهة التهديدات والخطر الإيراني ووفق اتفاقيات دفاعية أبرمتها دول الخليج مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا؛ وهو استهداف تسبب في حالة استنفار خليجي وجعله على وشك التخلي عن حالة الحياد في المعركة والانخراط في هجوم مشترك كبير تستخدم فيه كل القدرات الجوية لدول الخليج وفي مقدمتها سلاح الجو الملكي السعودي وسلاح الجو الإماراتي، إضافة إلى رفع أي حرج عن تلك الدول في السماح للقوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية في استخدام القواعد الموجودة على أراضيها في استكمال الهجوم على إيران بغية تحقيق الهدف الثاني بعد اغتيال المرشد وهو إسقاط النظام وإحلاله بنظام موال للولايات المتحدة وإسرائيل وغير معادٍ للخليج، أو هكذا يتم تسويق أهداف حرب “ترامب ونتنياهو”.
في كل الأحوال فإن قراءة المشهد بعد اغتيال خامنئي تعكس أن من سيحكم إيران بعد لا بد وأن يحظى بمباركة ورضا ودعم الحرس الثوري الإيراني الذي انتقلت له فعليًا مقاليد الحكم والقرار أيًا كانت الوجوه التي كانت تتصدر المشهد وخلفياتها دينية أو مدنية؛ وهو سيناريو يعني ويعكس الفشل التام للهدف الاستراتيجي المعلن للهجوم الأمريكي الإسرائيلي وحذرت منه دوائر الحكم والإعلام الأمريكي؛ بأن الفشل في تحقيق هدف تغيير النظام يسقط إيران بقوة في المزيد من التشدد؛ وأن المعركة ستكون مع الحرس الثوري الذي حتى في حال إسقاط النظام هيكليًا سينشطر إلى جماعات ومجموعات وفرق مسلحة تدير مشهد ومعركة البقاء حيث تتحول المعركة إلى صراع وجودي وحفاظ على وضعية ومكتسبات وهربًا من الملاحقة؛ وهو ما يهدد دولة بحجم إيران ويحولها إلى دولة فاشلة على شواطئ شريان تجاري ونفطي حيوي للعالم بأسره، ويدفعها للسقوط في الفوضى الشاملة ويعمق النعرات القبلية والعرقية والمذهبية.
صراع البقاء الجغرافي
يدرك الخبراء الذين يرون المشهد من خارجه أن الهدف الأكبر من حرب ترامب ونتنياهو هو استكمال مسيرة المشروع الصهيوني الذي يسعى إلى الهيمنة على مقاليد إقليم الشرق الأوسط في مخطط معلن لا يخفيه كلاهما يستهدف السيطرة الكاملة على ثروات المنطقة النفطية، وكذلك التحكم التام في المفاصل الاستراتيجية/الممرات المائية والملاحية، وهو ما يتناقض ويجعل المعادلة صفرية مع فكرة “الدولة الوطنية”، والدول الكبرى والقديمة في الإقليم تدرك مخاطر المضي قدمًا في هذا المشروع؛ كما تدرك أن محدودية عدد سكان دولة إسرائيل وجيشها لن يمكنها من الحكم والتحكم في الإقليم إلا من خلال كيانات صغيرة ودول مفتتة وحدود مخترقة ومليشيات مسلحة بحكم طبيعتها في حاجة دائمة للدعم بالسلاح والمال ووجود راعٍ دائم لها.
لذا فإن السيناريو المعد للعملية العسكرية ليس إعلاء القيم الديمقراطية و”إسقاط نظام وبقاء دولة” وتحرير شعب من الديكتاتورية والفاشية الدينية، بل هو تقطيع أوصال الجغرافيا الإيرانية لـتكون “نموذجًا تجريبيًا” سيتم تعميمه على الجميع لتفتيت القوى الشاملة في المنطقة، وذلك بخلق حالة “سيولة جغرافية” يخرج فيها إقليم تلو الآخر عن سيطرة المركز ليكون الهدف الأهم هو استنزاف الدولة في صراعات داخلية قد تدوم لعقود من الزمان، حتى تتحول إيران إلى “دويلات” متفرقة لكل منها شرعيتها الخاصة، مما ينهي للأبد فكرة “الدولة القوية” في الشرق. ولعل ما يثار إعلاميًا وفي التسريبات عن اتصالات بين ترامب والأكراد في العراق وإيران يعد حلقة صغيرة في تلك الرؤية، حيث ذكرت مصادر فرانس 24 أن واشنطن والأكراد يبحثان شن عملية عسكرية ضد إيران؛ وذكرت ثلاثة مصادر أن جماعات كردية إيرانية مسلحة أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة في الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية في الجزء الغربي من البلاد، وكيفية تنفيذ ذلك. وتدرب تحالف الأكراد الإيرانيين المكون من جماعات متمركزة على الحدود الإيرانية العراقية في منطقة كردستان العراق، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي، على شن مثل هذا الهجوم أملًا في إضعاف جيش البلاد، في الوقت الذي تقصف فيه الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافًا داخل إيران بالقنابل والصواريخ.
بينما قال مسئول كردي إيراني رفيع في صفوف المعارضة لشبكة CNN الأمريكية، إن قوات كردية إيرانية معارضة يُتوقع أن تشارك في عملية برية في غرب إيران خلال الأيام المقبلة، وإن هذه القوات تتوقع دعمًا أمريكيًا وإسرائيليًا، وأن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) تعمل على تسليح قوات كردية بهدف تأجيج انتفاضة شعبية داخل إيران.
وقال مصدران إن الهدف من ذلك هو تمهيد السبيل أمام الإيرانيين المعارضين لنظام الجمهورية الإسلامية لــ”الانتفاض” و”الانقضاض” بعد مقتل خامنئي. المراقبون يرون أن نجاح تجربة “تفكيك إيران” سيكون الضوء الأخضر لـبدء تفتيت بقية القوى الإقليمية، مع الإشارة إلى أن سقوط الأنظمة مع “بقاء الحدود” القائمة لم يعد يخدم المخططات الدولية؛ والمطلوب الآن هو “التصغير الجغرافي” وإضعاف القوة الشاملة للدول الكبرى في المنطقة عبر دعوات براقة مثل “الكونفدرالية” و”اللا مركزية” و”تقرير المصير” و”الحكم الذاتي” هي في جوهرها أدوات لـنزع السيادة المركزية، وتحويل الدول إلى جزر معزولة تدار من الخارج.
وهناك إدراك لدى “بعض” دوائر الحكم في الإقليم بأن ما يحدث في إيران اليوم هو “بروفة” لـمستقبل المنطقة كـكل؛ وأن الخوف ليس من “ولاية الفقيه”، بل من “الفراغ السيادي” الذي سيتبعه تقطيع الأوصال؛ لذا نجد وفقًا لتلك الرؤية أن الـشرق الأوسط أمام خيارين: إما التمسك بـمفهوم الدولة المركزية القوية، أو الاستسلام لـدوامة “الدويلات” التي سـتلتهم الجميع دون استثناء.
الانعكاسات الإقليمية والدولية
- أدى استهداف القواعد واللوجستيات والمصالح الأمريكية في كل دول الخليج إلى حالة من الغضب والاستنفار تحولت إلى ضغوط شعبوية ونخبوية تدعو دول الخليج للانخراط في هجوم كبير ومشترك مع الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل الانتقام ورد الاعتبار بعد ما وصفته بالانتهاكات الإيرانية لسيادة تلك الدول، فضلًا عن تأثر الأنشطة التجارية وتوقف حركة الطيران والملاحة، ووصم مدن تميزت بالأمن والاستقرار مثل دبي بأنها تحت التهديد ومعرضة للتدمير مثلها مثل مدن عديدة في العالم والإقليم ونزعت عنها ما يميزها.
- كما أدى غلق مضيق هرمز إلى التأثير على حركة تصدير النفط والغاز والذي يمثل حوالى 20% من الإنتاج العالمي، بالتوازي مع استهداف الموانئ ومنطقة جبل علي وعدد كبير من المنشآت السياحية واللوجيستية، فضلًا عن فاتورة التصدي للمسيرات والصواريخ الإيرانية بمضادات مرتفعة التكلفة ويصعب تعويضها؛ كما تعاني أوروبا التي تعتمد على الغاز الخليجي وخاصة القطري، وستضطر لشراء النفط والغاز الأمريكي بالأسعار المرتفعة التي تحددها الولايات المتحدة.
- تأكد الجميع من أن الولايات المتحدة كانت تُعد العدة لوجيستيًا من خلال السيطرة على النفط الفنزويلي قبل أن تتخذ قرار الهجوم على إيران وما يتبعه من احتمال قوي بإغلاق مضيق هرمز، حيث أعلن ترامب أن بلاده حصلت الأسبوع الماضي فقط على 50 مليون برميل من النفط يتم تخزينها في الاحتياطي الاستراتيجي؛ وهو ما يترك أوروبا والصين وبقية دول العالم تحت ضغط كبير يهدد استقرارها ومعدلات نموها.
- اغتيال المرشد الأعلى والرمز الشيعي الأكبر يحول الحرب من مجرد صراع على موارد وطموح في التوسع وإزاحة النظام إلى حرب دينية كربلائية ثأرية لدى جموع الشيعة داخل وخارج إيران، وتذهب بها بعيدًا إلى جولات من العنف والاستهداف والثأر حتى مع توقف الجولة الحالية بصورة أو بأخرى، وهو ما يمثل خطرًا دائمًا على أمن منطقة الخليج العربي.
- أكدت الأحداث على ما تأكد في المرات السابقة من أن الصين وروسيا يتجنبان تمامًا التدخل الخشن والمباشر في شئون المنطقة حتى عند تعرض أكبر حلفائهما لعدوان عسكري يهدد نظمها السياسية ووجودها ويسقطها بين أيدي نظام موالٍ لواشنطن وتحت سيطرة تل أبيب وبقية العواصمم الغربية.
- أظهرت الحرب حالة انقسام كبير في الشارع العربي بين متعاطف مع إيران وضد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي من جانب، وبين من يرى في إيران ونظامها شيطانًا يجب اقتلاعه وتغيير النظام فيه وقطع أذرعه المنتشرة في المنطقة جراء تدخلاته وتحكمه في قرار عدد من العواصم، ودعم أنظمة نكلت بشعوبها، والبعض منهم ينتمي إلى الفكر السلفي ويتمنى اختفاء من يصفهم بالرافضة.
- استراتيجيًا يجب الإقرار بأن الولايات المتحدة الأمريكية أضحت القوة العسكرية الأكبر في إقليم الشرق الأوسط وضعًا في الحسابات: عدد القوات المتواجدة والمحمولة – عدد القواعد – عدد ونوعية القطع البحرية – عدد ونوعية الطائرات القاذفة والتانكر – القدرات الصاروخية – القدرات المعلوماتية – القدرات التكنولوجية. فضلًا عن قدرات سيطرة القيادة المركزية الأمريكية على كل أجواء الإقليم سياسيًا وعسكريًا وتؤثر تقديراتها وتقييماتها في قرارات الدعم السياسي والاقتصادي والعكس صحيح، إضافة -كما إشاراتنا الدائمة- للقاعدة العسكرية المتقدمة المتجسدة في إسرائيل وقواعدها القريبة بحكم القدرات الفائقة في أوروبا والمحيط الهندي والاحتياطي الكبير والمشتبك على البر الأمريكي.
