اكتسبت التفاعلات التركية–الصومالية زخمًا متصاعدًا خلال الأسابيع الأخيرة، في ضوء تنامي مكانة الصومال كركيزة رئيسية للنفوذ التركي في القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر، وهي المنطقة التي تزداد أهميتها في الحسابات الاستراتيجية لأنقرة مع التحولات المتسارعة في بنية الأمن البحري وأمن الطاقة في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، برز وصول سفينة التنقيب التركية جاغري باي إلى السواحل الصومالية، بالتوازي مع تعزيز الحضور العسكري التركي في البلاد، كمؤشر واضح على تعزيز الانخراط التركي مع مقديشو. وعليه، تستعرض هذه الورقة مظاهر التفاعلات التركية الصومالية المتزايدة خلال الفترة الأخيرة بالتركيز على الاستعدادات للتنقيب عن الهيدروكربونات، وتناقش الحسابات الاستراتيجية لتركيا ذات الصلة بها، مع توضيح التحديات التي تواجه عمليات التنقيب التركية في الصومال.
تفاعلات متزايدة
شهدت الأسابيع القليلة الماضية مزيدًا من الخطوات في إطار توسيع الحضور التركي متعدد المستويات في قطاعات الدولة الصومالية، وهو ما يُمكن توضيحه على النحو التالي:
• وصول سفينة تنقيب تركية للسواحل الصومالية: دخلت شراكة الطاقة التركية الصومالية التي بدأت بتوقيع اتفاقية تعاون في مجال الهيدروكربونات تغطي استكشاف النفط والغاز في مارس 2024، مرحلة متطورة بوصول سفينة التنقيب التركية من الجيل السابع في المياه العميقة جدًا (Ultra-Deepwater drillship)، جاغري باي (Çağrı Bey) إلى السواحل الصومالية يوم 10 أبريل 2026، بعد رحلة استمرت 53 يومًا بدأت في 15 فبراير من ميناء مرسين التركي على البحر المتوسط. ومن المقرر أن تعمل السفينة في بئر كوراد-1 (CURAD-1)، الواقع ضمن الجرف القاري الصومالي على بُعد 372 كيلومترًا قبالة ساحل مقديشو وعمق 3495 مترًا؛ حيث ستقوم السفينة بالحفر على عمق إجمالي يبلغ 7500 ثم ستواصل الحفر لمسافة 4005 أمتار أخرى من قاع البحر، لتصل إلى إجمالي 11505 أمتار.
وتستمر العملية التي تُمثل أول مهمة تنقيب في الخارج لتركيا لمدة 288 يومًا، بمرافقة سفن الإمداد بالمعدات والموارد ألطان (Altan) وكوركيت (Korkut) وسنجار (Sancar)، إلى جانب سفينة الإنزال البرمائي تي سي جي سنجقدار (TCG Sancaktar)، والفرقاطة متعددة المهام تي سي جي غوكوفا (TCG Gökova)، والسفينة الدورية تي سي جي بافرا (TCG Bafra)، لتأمين منطقة العمليات وضمان سلامة أنشطة الحفر في البيئات البحرية الحساسة، فضلًا عن نشر ما مجموعه 500 من العاملين الميدانيين في نوبات عمل أثناء عمليات الحفر التي ستتم على أساس البيانات التي حصلت عليها سفينة الأبحاث الزلزالية “أوروتش ريس” التي أجرت مسوحات شاملة قبالة سواحل الصومال لمدة 234 يومًا في ثلاث مناطق بحرية منفصلة على مساحة إجمالية قدرها 4464 كيلومترًا.
ويكشف طابع العملية تجاوزها مجرد كونها عملية استكشاف اعتيادية عن الطاقة إلى وسيلة لتموضع تركيا في مشهد الطاقة العالمي وترسيخ حضور مستدام في جنوب البحر الأحمر وباب المندب والتحول إلى جزء من البنية الأمنية لإقليم البحر الأحمر، فهذه هي المرة الأولى التي تجري تركيا فيها عمليات حفر خارج أراضيها، والتي تشهد عمليات حفر في المياه الصومالية، وقد صاحب وصول السفينة مظاهر احتفالية خاصة تضمنت استقبالًا رسميًا وشعبيًا لافتًا بحضور الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء وعدد من الوزراء وأعضاء البرلمان ووزير الطاقة التركي فضلًا عن إطلاق أغاني حماسية.
• تعزيز الحضور العسكري الجوي والبري والبحري في الصومال: تمتلك الصومال حضورًا عسكريًا كثيفًا لتركيا يجعلها نقطة ارتكاز رئيسية في استراتيجية أنقرة العسكرية بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وقد عززتها مؤخرًا بنشر ثلاث مقاتلات من طراز F-16 في مقديشو بحلول 28 يناير 2026، سبقها أعمال تجهيز تضمنت بناء عدة حظائر طائرات جديدة في مطار مقديشو الدولي منذ سبتمبر 2025، ووصول قطع غيار وذخيرة للطائرات خلال الأيام العشرة السابقة على نشرها، وقد شاركت الطائرات الثلاثة في عرض عسكري بسماء العاصمة الصومالية خلال الذكرى الـ 66 لتأسيس الجيش الصومالي في 12 أبريل الجاري. وبالتوازي، نشرت تركيا في فبراير 2026 دبابات القتال الرئيسية من طراز M48 وM60 باتون لحماية المنشآت التركية في منطقة ورشيخ، الواقعة على بُعد حوالي 60 كيلومترًا شمال مقديشو، وبالأخص تأمين إنشاء قاعدة فضائية لإطلاق الصواريخ والأقمار الصناعية جارٍ إنشاؤها.
كذلك نشرت تركيا ثلاث سفن حربية في المياه الصومالية والممرات الاستراتيجية القريبة (خليج عدن – بحر العرب) في فبراير 2026 لتقديم الدعم اللوجستي لقيادة قوة المهام الصومالية التركية وتأمين أنشطة التنقيب المرتقبة عن النفط، هم سفينة الإنزال البرمائي تي سي جي سنجقدار (TCG Sancaktar)، والفرقاطة متعددة المهام تي سي جي غوكوفا (TCG Gökova)، والسفينة الدورية تي سي جي بافرا (TCG Bafra). ويعزز النشر المتزامن للمنظومات الجوية والبرية والبحرية القتالية المتطورة الاندماج التركي في البنية العسكرية الصومالية، كما يُسهم في تشكيل بنية أمنية متعددة الطبقات تجمع بين الردع الجوي والتأمين البحري والحماية البرية لأنشطة الطاقة، بما يقلل من مخاطر التهديدات الأمنية مثل الإرهاب والقرصنة أو محاولات التعطيل والتخريب.
ومع ذلك، فإن حجم الدعم العسكري هذا لا يعني تحولًا نوعيًا في المشهد الأمني الصومالي بقدر ما ينطوي عليه من مدلولات استراتيجية تتعلق بترسيخ أنقرة لدورها كشريك أمني رئيسي في الصومال وبسط نفوذها في منطقة القرن الأفريقي وتحقيق الردع المرتبط بقدرتها على دعم العمليات البرية وتوجيه الضربات الدقيقة والاستجابة السريعة نسبيًا للتهديدات، فعلى سبيل المثال فإن نشر ثلاث مقاتلات F-16 يظل محدودًا من الناحية العملياتية فهم غير قادرين على تحقيق سيطرة جوية مستدامة ارتباطًا بمتطلبات الصيانة والدعم اللوجستي وتناوب أطقهم الطيران؛ حيث تتطلب عمليات التغطية الجوية أعدادًا كبيرة من الأفراد وتأمين إمدادات الوقود وقطع الغيار وتوفير التكاليف المالية للتشغيل.
• تكثيف التفاعلات الدبلوماسية والأكاديمية: تتواصل التفاعلات الدبلوماسية رفيعة المستوى بين المسئولين الأتراك والصوماليين، وكان من بينها اجتماع بين رئيسي البلدين أردوغان وحسن شيخ محمود على هامش حضور الأخير منتدى أنطاليا الدبلوماسي المنعقد في تركيا يومي 18 و19 أبريل 2026، كما التقى وزير الخارجية الصومالي أحمد فقي بعدد من المسئولين الأتراك على رأسهم نظيره هاكان فيدان، وقد ركزت اللقاءات على متابعة ملفات الطاقة وتعزيز التعاون الأمني والعسكري والتنسيق في القضايا الإقليمية، بما يتسق مع مستوى الانخراط التركي في الصومال خلال هذه المرحلة.
وبالتوازي، أبدى المجتمع الأكاديمي اهتمامًا بالعلاقات التركية الصومالية؛ حيث نظم مركز أبحاث الدول المجاورة والمحيطة بجامعة إسطنبول للتجارة، ومركز أبحاث الدراسات الأفريقية بجامعة إسطنبول، ورابطة الباحثين الأفارقة، ندوة في 15 أبريل 2026 بعنوان “العلاقات التركية الصومالية من الماضي إلى الحاضر”، قيّمت بشكل شامل العلاقات بين البلدين من منظور تاريخي وسياسي واستراتيجي، وقد سلطت بعض الشخصيات المشاركة الضوء على مركزية الصومال في الاستراتيجية الخارجية التركية خلال المرحلة الراهنة؛ حيث حضر الأميرال المتقاعد جيهات يايجي، مؤسس عقيدة الوطن الأزرق، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لمكانة الصومال ضمن الحسابات الاستراتيجية البحرية التركية، خاصة في ظل ارتباطها بالممرات البحرية الحيوية وتوجهات أنقرة لتعزيز نفوذها في القرن الأفريقي والمحيط الهندي.
حسابات استراتيجية
ثمة حسابات استراتيجية تحكم المسار المتصاعد للعلاقات التركية الصومالية وصولًا إلى وصول سفينة التنقيب جاغري باي للسواحل الصومالية وتعزيز الوجود البحري والجوي والبري العسكري التركي في البلاد، ومنها التالي:
• تعزيز مكانة تركيا في منظومة الطاقة العالمية: في ظل لحظة تاريخية أظهرت فيها أزمة تعطل الملاحة في مضيق هرمز وتوقف إمدادات الطاقة الخليجية إلى الأسواق العالمية مدى تحول الطاقة إلى ركيزة أساسية في المشهد الجيوسياسي وليست موردًا اقتصاديًا مجردًا، فإن تركيا تسعى إلى تعزيز مكانتها في منظومة الطاقة العالمية، ويأتي انخراطها في التنقيب عن الهيدروكربونات في الصومال ضمن هذا الإطار. فمن ناحية، يمنحها الحضور في قطاع الطاقة الصومالي موطئ قدم في نقطة جغرافية حيوية مجاورة لمضيق باب المندب، بما يتيح لها المساهمة في تشكيل مسارات تصدير بديلة تتجاوز نقاط الاختناق الاستراتيجية التقليدية.
ومن ناحية ثانية، يُمثل هذا التحرك امتدادًا لشبكة أوسع من التحركات التركية في فضاءات طاقة متعددة، مثل بحر قزوين من خلال إنشاء خط أنابيب الغاز العابر لبحر قزوين لربط الغاز التركماني مباشرة بأذربيجان ومنها إلى تركيا، والعراق من خلال تفعيل خط كركوك-جيهان بكامل طاقته وإمكانية مد خط أنابيب يربط البصرة الجنوبية بخط كركوك-جيهان لنقل النفط العراقي عبر ميناء جيهان، وشرق المتوسط، بحيث يُشكل الصومال بُعدًا جنوبيًا لهذا الانتشار، ويخدم ذلك هدفًا أوسع يتمثل في تحويل تركيا إلى نقطة اتصال مركزية تربط بين مناطق الإنتاج ومسارات العبور والأسواق الدولية، بدلًا من الاكتفاء بدور المعبر التقليدي.
كما يعزز العمل في قطاع الطاقة الصومالي مكانة تركيا كفاعل دولي يمتلك قدرات في استكشاف وإنتاج الطاقة على المستوى العالمي، إلى جانب تقليل اعتماد أنقرة على الموارد الأجنبية على المستوى الوطني؛ إذ إن نجاح التنقيب في الصومال يُسهم في إرساء اتفاقيات توريد طويلة الأجل تدعم تنويع مصادر الطاقة.
• تعويض نقص قدرات الإنتاج باستعراض قدرات الاستخراج: إن أحد الأبعاد المُحددة لموقع الدولة في مشهد الطاقة العالمي لا يقتصر على كونها دولة مرور رئيسية للطاقة أو منتجًا محليًا فحسب، بل يمتد إلى قدرتها على المشاركة في عمليات التنقيب في المياه الدولية خارج حدودها. وفي هذا الإطار، طورت تركيا أصولها الاستراتيجية للطاقة خلال السنوات الأخيرة؛ حيث احتلت المرتبة الرابعة عالميًا من حيث امتلاك السفن القادرة على الحفر في المياه العميقة والعميقة جدًا بامتلاكها أربع سفن حفر في المياه العميقة (من 1000 لـ 3000 متر) هم فاتح ويافوز وكانوني وعبد الحميد خان، وسفينتي حفر من الجيل السابع قادرتين على العمل في المياه العميقة جدًا (أكتر من 3000 متر) هما جاغري باي ويلدريم، وتدعم هذه المنظومة سفينتي المسح الزلزالي أوروتش ريس وبربروس خير الدين باشا، بالإضافة إلى أسطول مساند يضم 11 سفينة دعم، وسفينة بناء واحدة، ووحدة إنتاج عائمة واحدة.
ومن ثم، فإن انخراط تركيا في عمليات التنقيب في المياه الصومالية يُمثل اختبارًا عمليًا لقدرة هذا الأسطول على العمل في بيئات بحرية خارجية عالية التعقيد، ويُعزز هدف أنقرة في أن تصبح لاعبًا فاعلًا ليس فقط في بحارها الخاصة ولكن أيضًا على الساحة العالمية للطاقة، كما أن نجاح المهمة سيرسخ مكانة تركيا في مجال استكشاف وإنتاج الطاقة البحرية، وتقديم نموذج لشراكات الطاقة يُمكن تكراره، علاوة على إظهار قدرة كيانات الطاقة الحكومية التركية، وبالأخص شركة النفط (TPAO)، على توفير القدرات التقنية لعمليات الاستكشاف والتنقيب في المياه الخارجية والعميقة جدًا في محاولة لوضع نفسها ضمن صفوف الشركات العالمية العاملة في هذا المجال.
• توسيع النطاق الجغرافي والعملياتي لعقيدة كالوطن الأزرق: تكشف التحركات التركية في المياه الصومالية سواء من خلال اتفاقيات الأمن البحري أو تطوير مصايد الأسماك أو التنقيب عن الهيدروكربونات كيف أُعيدت صياغة عقيدة الوطن الأزرق لتتجاوز حدودها الجغرافية والعسكرية كقعيدة دفاعية بحتة لحماية الولاية البحرية في البحار المجاورة؛ المتوسط والأسود ومرمرة وإيجة، إلى رؤية استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الدبلوماسية البحرية وأمن الطاقة ضمن نطق جغرافي وعملياتي واسع وممتد بين شرق المتوسط شمالًا وصولًا إلى البحر الأحمر وغرب المحيط الهندي جنوبًا؛ مما يعني تضمين الأخيرين ضمن استراتيجيتها البحرية بما يخدم هدف توسيع الوجود البحري التركي العالمي، وتحسين القدرات العملياتية للبحرية التركية خارج البحر المتوسط.
• ترسيخ الحضور التركي في حوض المحيط الهندي: باتت منطقة المحيط الهندي إحدى الساحات المستهدفة لتوسع النفوذ التركي انطلاقًا من انتقال المنافسة الجيوسياسية العالمية إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ “الإندوباسيفيك” ويتكشف ذلك من تسليط وثيقة السياسة الخارجية لعام 2023 التي حملت عنوان “قرن تركيا” الضوء على الأهمية الاستراتيجية للمحيط الهندي باعتبارها ذات أهمية استراتيجية من حيث أمن الطاقة وسلاسل التوريد لتركيا، وسبقتها وثيقة استراتيجية القوات البحرية التركية لعام 2015 التي اعتبرت منطقة المحيط الهندي ذات أهمية استراتيجية، وذكرت أن تركيا تهدف إلى تحسين قابلية التشغيل البيني من خلال الاستحواذ على قواعد لوجستية ومرافق موانئ محلية، وهما ترجمتان عمليتان لوصف رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان -خلال فاعلية عسكرية عام 2011- المصلحة الوطنية لبلاده بأنها “تتمركز في قناة السويس والبحار المجاورة، ومن هناك تمتد إلى المحيط الهندي”.
ومن ثم، فإن ترسيخ الحضور البحري على السواحل الصومالية التي تُعد الجناح الشمالي الغربي لحوض المحيط الهندي، والذي يُشكل التنقيب عن الهيدروكربونات أحد أبعاده، بالتوازي مع تحركات أنقرة لتعزيز علاقاتها وحضورها داخل بلدان منطقة المحيط الهندي، بما في ذلك اليابان ودول جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى، وتعزيز التعاون الأمني والدفاعي مع ماليزيا وبنغلاديش وكوريا الجنوبية والفلبين وباكستان، يمنحها إمكانية أن تصبح قوة غرب المحيط الهندي.
• ترسيخ موقع الصومال كعمق جنوبي للمحور الرباعي: ينطوي الانخراط التركي المتنامي في البنية الأمنية والاقتصادية والطاقية والمؤسسية والسيادية الصومالية على أهداف جيوسياسية تتعلق بتعزيز موقع البلاد كعمق استراتيجي جنوبي للمحور الرباعي؛ المصري-التركي-السعودي-الباكستاني؛ حيث تُشكل مقديشو نقطة ارتكاز للرباعي في القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر تعمل كحاجز لمواجهة تمدد المحور الإسرائيلي–الإماراتي–الهندي المضاد في القرن الأفريقي عبر البوابة الصومالية؛ حيث تتخذ تل أبيب وأبو ظبي ونيوديلهي من إقليم أرض الصومال بوابة لبناء النفوذ في المنطقة.
تحديات قائمة
بالنظر إلى أن وصول سفينة التنقيب جاغري باي إلى السواحل الصومالية كان الحدث الأبرز على صعيد التفاعلات التركية الصومالية مؤخرًا، فإنه تجدر الإشارة إلى وجود تحديات تواجه هذه الخطوة التي تُشكل نقلة نوعية بالنسبة للبلدين؛ حيث من المتوقع أن تواجه عمليات التنقيب التركية تحديات جيولوجية واقتصادية وتشغيلية تتصل بالعمل في المناطق غير المستكشفة مسبقًا بشكل كافي، وهو ما يُمكن تفصيله على النحو التالي:
• عدم اليقين الجيولوجي: هناك حالة لا يقين نتيجة غياب بيانات عن آبار سابقة وهو ما يجعل فهم طبيعة التكوينات الجيولوجية قائمًا بدرجة كبيرة على التقديرات وليس على بيانات مؤكدة، علاوة على عدم وضوح خصائص الصخور المصدرية والمكامن النفطية، وتعقد التراكيب الجيولوجية لقاع البحر بما يعني وجود طيات وفوالق وتشوهات في طبقات الأرض تجعل شكلها غير منتظم، وهو ما يصعِّب تحديد أماكن تجمع النفط أو الغاز بدقة، وبالتالي يتطلب استخدام تقنيات تصوير زلزالي متقدمة لتحليل هذه التكوينات، إلى جانب وجود شكوك بشأن سلامة الأغطية الصخرية وقدرتها على احتجاز الهيدروكربونات؛ مما يرفع احتمالات الفشل الاستكشافي.
• ارتفاع التكاليف الاقتصادية والحاجة لشراكات دولية: تتطلب عمليات تطوير الحقول في المياه العميقة تكاليف مالية باهظة تتراوح بين 150 و250 مليون دولار للبئر الواحد، بحيث تصل لما بين 8 و15 مليار دولار للحقل؛ مما يفرض ضرورة اكتشاف احتياطات كبيرة لا تقل عن ما بين 300 و500 مليون برميل لتبرير الجدوى الاقتصادية، ورغم إفادة تركيا بأن أعمال المسح الزلزالي في المياه الصومالية اكتشفت ما يصل إلى 20 مليار برميل من النفط القابل للاستغلال التجاري، غير أن تلك الأرقام ليست مؤكدة في ظل محدودية عمليات الاستكشاف التاريخية.
• وجود صعوبات تشغيلية وفنية: تظهر عديد من التحديات التشغيلية المرتبطة بغياب منظومة متكاملة قادرة على دعم دورة إنتاج كاملة من البداية حتى التصدير، فعلى المستوى اللوجستي، يفتقر الصومال إلى موانئ مجهزة لاستقبال ودعم سفن الخدمات البحرية المتخصصة، بما في ذلك سفن الإمداد والصيانة، كما لا توجد قواعد تشغيل بحرية قادرة على تخزين المعدات أو تنسيق حركة الإمدادات بين البر والبحر، وهو ما يجعل العمليات تعتمد بشكل شبه كامل على سلاسل إمداد خارجية طويلة ومكلفة. كما تعاني البيئة التشغيلية من نقص في البنية التحتية البشرية والخدمية، مثل مرافق الإقامة للعاملين، وأنظمة النقل الداخلي، ومراكز تنسيق العمليات. كذلك، تغيب منظومة متكاملة للاستجابة للطوارئ، بما في ذلك قدرات الإخلاء الطبي السريع، وأنظمة مكافحة التسربات النفطية، ومعدات حماية البيئة البحرية؛ مما يُشكل تحديًا في بيئة عالية المخاطر بطبيعتها.
وعلى المستوى الصناعي، لا توجد في الصومال حتى الآن بنية تحتية لمعالجة أو نقل أو تصدير الهيدروكربونات، مثل محطات معالجة النفط والغاز أو شبكات الأنابيب أو موانئ التصدير المتخصصة؛ مما يعني أن أي اكتشاف بحري لن يُمكن تحويله مباشرة إلى إنتاج فعلي دون استثمارات ضخمة في البنية التحتية البرية والبحرية، كما أن محدودية القدرات التقنية المحلية، وضعف وجود شركات خدمات نفطية متخصصة داخل البلاد، يزيد من الاعتماد على الشركات الأجنبية في جميع مراحل التشغيل، من الاستكشاف وحتى التطوير.
وفنيًا، يُعد العمل في أعماق بحرية كبيرة قد تصل إلى نحو 3500 متر تحديًا، كونه يتطلب تشغيل السفن والمنصات في بيئة لا يمكن تثبيتها فيها بشكل تقليدي، بل تعتمد على أنظمة تموضع ديناميكي عالية الدقة (أنظمة تقنية تُستخدم على السفن والمنصات البحرية للحفاظ على موقعها ثابتًا في البحر) للحفاظ على موقع السفينة أثناء الحفر رغم حركة الأمواج والتيارات، كما أن زيادة العمق تعني ارتفاع الضغط ودرجات الحرارة في باطن الأرض، وهو ما يستلزم استخدام تقنيات متقدمة للتحكم في الآبار ومنع أي تسربات أو انفجارات محتملة أثناء عمليات الحفر.
• المسار الطويل وصولًا لمرحلة الإنتاج الأولي: اتصالًا بالنقاط السابقة فإن تحويل أي استكشافات إلى إنتاج تجاري سيكون عملية طويلة ومعقدة قد تمتد لسنوات طويلة، وتحتاج إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية الأساسية قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج الفعلي؛ حيث تُشير التقديرات إلى فترة زمنية تتراوح بين 8 إلى 12 عامًا منذ لحظة الاكتشاف حتى تدفق أول كميات بشكل تجاري، ويشمل ذلك عدة مراحل؛ أولها: مرحلة التقييم التي تستغرق عادة من سنتين إلى أربع سنوات، ويتم خلالها تنفيذ عمليات حفر إضافية واختبارات جيولوجية بهدف تحديد حجم الاحتياطيات بدقة وتقليل درجة عدم اليقين حول الجدوى التجارية للاكتشاف.
وثانيها: مرحلة الهندسة والتصميم الأولي التي تمتد من سنتين إلى ثلاث سنوات، وتشمل وضع خطط التطوير التفصيلية، وتصميم البنية التحتية اللازمة للإنتاج، واختيار أنظمة المعالجة والنقل المناسبة للبيئة البحرية العميقة. وثالثها: مرحلة الإنشاء التي قد تستغرق من أربع إلى ست سنوات، وتشمل بناء وتركيب المنشآت البحرية والبرية، ومد خطوط النقل، وتجهيز أنظمة الإنتاج والتصدير، وهي من أكثر المراحل تكلفة وتعقيدًا من الناحية اللوجستية. ورابعها: مرحلة الإنتاج الأولي وتدفق أولى كميات الهيدروكربونات بشكل تجاري. ومن ثم فإنه مسار استثماري طويل الأجل يتطلب استثمارات ضخمة في عمليات الاستكشاف والإنتاج وتأسيس البنية التحتية اللازمة، وإدارة المخاطر المباشرة ذات الصلة بالمشروع وتلك الأمنية المتعلقة بالحالة الصومالية، كما يتطلب وتيرة مستقرة للعلاقات التركية الصومالية.
• استمرار المخاطر الأمنية: تواجه الصومال تحديات أمنية مستمرة ترتبط بنشاط التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيما داعش ولاية الصومال وحركة الشباب، اللذان لا يزالان يُشكلان تهديدًا حقيقيًا رغم جهود المكافحة التي تقودها الحكومة بدعم أمريكي وتركي. إذ تحتفظ حركة الشباب بقدرة عالية على تنفيذ هجمات معقدة تستهدف القوات الحكومية والمدنيين، فضلًا عن استمرار سيطرتها ونفوذها على مناطق ريفية واسعة، بما يزيد من احتمالات تعرض أي بنية تحتية للطاقة يتم إنشاؤها لمخاطر الهجمات الإرهابية، ويزداد هذا التهديد في ظل استمرار حالة الانقسام السياسي والأمني، التي تُسهم في تمكين الجماعات المسلحة من التكيف وإعادة الانتشار، بدلًا من القضاء عليها بشكل نهائي.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن تركيا تمتلك قدرات تقنية معقولة للعمل في مجال التنقيب البحري العميق والعميق جدًا، خاصة مع امتلاكها لأسطول حديث من سفن الحفر المتطورة مثل جاغري باي وفاتح ويافوز وكانوني وعبد الحميد خان، وتشغيل تقنيات مثل أنظمة التموضع الديناميكي والحفر في بيئات عالية الضغط، علاوة على قدر من الخبرة في تحليل البيانات الزلزالية وتفسير التراكيب الجيولوجية، لكنها لا تزال تعتمد في الأحواض الجديدة وغير المستكشفة بشكل كافٍ على خبرات وشركات دولية، خاصة في ما يتعلق بتقليل درجة عدم اليقين في التكوينات الجيولوجية المعقدة وتقييم احتمالات وجود مكامن للهيدروكربونات قابلة للإنتاج، وهو ما يؤهلها لبدء عمليات الاستكشاف في المياه الصومالية، غير أنها سوف تحتاج إلى شراكات دولية واستثمارات أجنبية كبيرة لتمويل كل من عمليات الإنتاج في حال استكشاف احتياطات وبناء بنية تحتية طاقية من موانئ وقواعد بحرية لوجستية وخطوط أنابيب ومحطات معالجة.
ختامًا، يُشكل وصول سفينة التنقيب جاغري باي إلى السواحل الصومالية وتعزيز الانتشار البري والبحري والجوي التركي في البلاد، بالتزامن مع الوتيرة المرتفعة للتفاعلات الدبلوماسية بين البلدين، مزيدًا من الاندماج التركي في البنية الأمنية والاقتصادية والسياسية للصومال بما يرسخ حضورًا استراتيجيًا طويل الأمد في القرن الأفريقي مدفوعًا بمصالح جيوسياسية أوسع، غير أن العمل في قطاع الطاقة الصومالي تحديدًا لا يزال محفوفًا بعدم اليقين ويتطلب مسارًا زمنيًا وفنيًا ممتدًا قبل الحكم على مدى نجاحه.