وحدة الدراسات الأفريقية

تحالف القوميات: التوازنات العسكرية المتغيرة في إثيوبيا

منذ يونيو 2021، تعمل قوات دفاع تيجراي على تكوين تحالف إثني قوي تسعى من خلاله إلى إسقاط سيطرة القوميين الأمهرا على الدولة الإثيوبية، وعودة الفيدرالية الإثنية مرة أخرى. في هذا الإطار، تشكلت تحالفات من عدد من القوميات. وجاءت تلك التحالفات الإثنية في أعقاب تحالف الحكومة الإثيوبية مع كل من إريتريا والصومال للقضاء على أي محاولة من شأنها أن تُسهم في عودة الفيدرالية الإثنية، فضلًا عن مواجهة طموحات جبهة تحرير تيجراي والحد من خطورتها وشل تحركاتها، حيث يدعي كل من الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيجراي أنهما يمثلان الشعب الإثيوبي، بالإضافة إلى إصرارهما بشكل متساوٍ على القتال لتحقيق النصر على الآخر. توازنات…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

منذ يونيو 2021، تعمل قوات دفاع تيجراي على تكوين تحالف إثني قوي تسعى من خلاله إلى إسقاط سيطرة القوميين الأمهرا على الدولة الإثيوبية، وعودة الفيدرالية الإثنية مرة أخرى. في هذا الإطار، تشكلت تحالفات من عدد من القوميات. وجاءت تلك التحالفات الإثنية في أعقاب تحالف الحكومة الإثيوبية مع كل من إريتريا والصومال للقضاء على أي محاولة من شأنها أن تُسهم في عودة الفيدرالية الإثنية، فضلًا عن مواجهة طموحات جبهة تحرير تيجراي والحد من خطورتها وشل تحركاتها، حيث يدعي كل من الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيجراي أنهما يمثلان الشعب الإثيوبي، بالإضافة إلى إصرارهما بشكل متساوٍ على القتال لتحقيق النصر على الآخر.

توازنات الصراع بين تحالف آبي أحمد وتحالف التيجراي

منذ بداية الأزمة في نوفمبر 2020، حصدت الاشتباكات الدموية بين طرفي الصراع الألف من الأرواح، فضلًا عن أنها خلّفت وراءها ملايين من النازحين. وعلى الرغم من ذلك قررت الحكومة الإثيوبية المضيّ قدمًا في التصعيد والحرب بدلًا من التهدئة والسعي إلى تسوية سياسية تحد من الآثار السلبية للحرب بينهما، في الوقت الذي زادت فيه العداوات والكراهية بين قوميتي أمهرا وتيجراي، مما أدى لاتساع وتوسع النزاع وتدخل الفاعلين والحلفاء الإقليميين في الأزمة، مما نتج عنه مزيد من فقدان الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي.

ولكن الانتصارات التي حققتها قوات دفاع تيجراي وحلفائها، وتوغلها في أكثر من إقليم وسيطرتها على بعض المدن، تسببت في انهيار جزء كبير من الجيش الإثيوبي ومليشيات فانو الأمهرية سيئة السمعة، كما بينت تلك الانتصارات التفوق العسكري في مجال التدريب لصالح قوات دفاع تيجراي وحلفائها على الطرف الآخر من جيش الدفاع الوطني الإثيوبي وحلفائه، على الرغم من أن أعداد القوات الحكومية وحلفائها أكبر من تحالف قوات دفاع تيجراي، ولكن العدد من حيث الكم لا يشير إلى أن جميع الجنود متساوون في القدرة أو التدريب. 

تحالف التيجراي والأورومو

على الرغم من أن هناك مؤشرات على أن التحالف الاستراتيجي لقوات دفاع تيجراي الذي تم تشكيله حاليًا قد حقق أكثر بكثير مما يمكن أن يحققه في أي وقت مضى. فالجناح العسكري لجبهة تحرير تيجراي قوات دفاع تيجراي (TDF)، يبدو ملتزمًا بعدم تكرار أخطاء الماضي، وهو ما دفعه للتحالف مع الأورومو.

ففي مقابلة أُجريت في عام 2016، أعرب الجنرال تسادكان جبري تنساي، رئيس الأركان السابق لقوة الدفاع الوطنية والقائد الحالي في القيادة المركزية لقوات دفاع تيجراي، عن أسفه لدور جبهة تحرير تيجراي في الخلاف مع جبهة تحرير الأورومو خلال المراحل الأولى من الحكومة الانتقالية في عام 1991. وأشار إلى أنه خلاف يتعلق بهيكل النظام السياسي العام. وأضاف: فشلنا ولم نتمكن من استيعابهم في الفترة الأولى، ثم اتخذنا المواقف الحاسمة للحكومة الانتقالية، لتكون السلطة تحت قيادة الجبهة الثورية للشعب الإثيوبي كشركاء. وقال: إنه كان يجب التعامل مع الأشخاص الذين يمثلون جبهة تحرير الأورومو، وخلق طريقة لاستيعابهم بدلًا من العداء معهم، كان هذا سيساعد بشكل عام، وهو الحل الذي لم يتم تجربته بعد. ويبدو أن التيجراي بصدد استيعاب هذا الدرس، والعمل على تكوين تحالف مؤثر مع الأورومو.

بالمقابل، فإن الأورومو لديهم التوجه ذاته، وظهر ذلك من خلال التصريحات العلنية الأخيرة من قبل أعضاء مختلفين من جبهة تحرير الأورومو حول مآلات الوضع السياسي الحالي، بعد اعتقال أغلب الرموز والشخصيات الأورومية التي كانت مؤثرة للغاية في الصراع على السلطة بين المركز والأطراف، وتؤكد تلك القيادات أنهم قد يتجاوزون ضغائن الماضي التي يحملونها ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، هم يسعون لإقامة تحالف دائم ومستقبلي مع خصومهم السابقين. وجدير بالذكر أنه منذ اندلاع حرب تيجراي في نوفمبر 2020، وقفت شخصيات أورومية شعبية مثل (أوول ألو – إيزيكيل جيبيسا – تسيجاي أرارسا) إلى جانب شعب تيجراي في إدانة الفظائع والدمار الذي ارتكبته القوات الإثيوبية الإريترية.

ويمكن القول إن التجارب المشتركة للقمع والاضطهاد على أيدي الأباطرة الأمهرا السابقين، قد عزز من التعاطف المتبادل بين شعبي تيجراي والأورومو مجتمعين، وهو الأمر الذي لعب دورًا مهمًا في التحالف التكتيكي الأخير بين الأجنحة العسكرية معًا. ويمكن لهذا التطور أن يقود إلى شراكة استراتيجية مهمة في المستقبل، جنبًا إلى جنب مع بعض العرقيات والقوميات المماثلة التي تعاني من عدم المشاركة في السلطة والتقسيم العادل للثروة، ولكن بشرط حل مشكلة الثقة بينهما، وأن يتم هذا بشكل صحيح، ليقود في النهاية لخدمة المصالح بينهما، ويعزز من مشروع الفيدرالية الإثنية الحقيقية في إثيوبيا.

ويسعى تحالف التيجراي والأورومو للوصول إلى ترتيبات سياسية مستقبلية، كجبهة معارضة قوية، ليس فقط ضد الحكومة الحالية، ولكن ضد أي جهة سياسية تحاول عرقلة مشروع الفيدرالية الإثنية، فضلًا عن أن تشكيل هذا التحالف بينهما بمثابة تهديد خطير ليس فقط لحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، بل سيستمر تأثيره على القوميين الأمهرا. وسيضاعف التحالف بين التيجراي والأورومو من الضغط على الحكومة المركزية في أديس أبابا، لا سيما وأن التحالف لم يقتصر على التيجراي والأورومو فقط، بل امتد إلى مجموعات أخرى في إثيوبيا منخرطة فعلًا في مناقشات مماثلة للانضمام لهذا التحالف بشكل أوسع.

استجابات تحالف الحكومة الفيدرالية والأمهرا

من ناحية أخرى، تبدو الحكومة الإثيوبية قد خطت خطوات كبيرة في تعزيز سلطتها، من خلال تضخيم التهديدات المتصورة بالإشارة إلى مؤامرات تحاك بإثيوبيا من جهات أجنبية، كان الهدف والمقصود منها تعزيز المشاعر القومية، بغض النظر عن حقيقة أن الصراع في تيجراي كان في الأساس حربًا أهلية، أو تطهيرًا عرقيًا، أو حتى منافسة على السلطة بينهما. وقد ذهبت وسائل الإعلام الموالية للحكومة في إثيوبيا إلى أقصى الحدود للترويج لرواية المقاومة الوطنية ضد التدخل الأجنبي على هذه الخلفية، لا سيما فيما يخص الرواية الإثيوبية الرسمية بمحاولة استهداف سد النهضة من قبل قوات دفاع تيجراي وحلفائها، هذه الرواية تبدو واضحة كمحاولة من جانب القوميين الأمهرا في الحكومة الإثيوبية، وهي مواقف اعتادوا ودرجوا على فعلها في مواقف مماثلة كلما وجدوا أنفسهم في ورطة أو مأزق بخصوص الأزمة الداخلية، نتيجة للتقدم الأخير الذي حققته قوات دفاع تيجراي وحلفائهم في عمق إقليمي أمهرا والعفر.

بجانب ذلك، حشدت الحكومة الفيدرالية القوات الخاصة من جميع الولايات الإقليمية تقريبًا ضد تيجراي. حقيقة أن هذا الحدث تم الإعلان عنه عن قصد ورافقته احتفالات ومسيرات تأييد من قبل القوميين الأمهرا، وشارك فيه أيضًا شخصيات مؤثرة من قومية الأمهرا وبعض القوميات الأخرى. ويصر أصحاب هذا المعسكر على إخراج المزيد من الفشل بدلًا من السعي لوضع حلول بعد كثير من الإخفاقات والهزائم المتلاحقة في المعارك التي تدور في ساحات القتال. وختامًا، أصبح الوضع الداخلي في إثيوبيا أكثر تعقيدًا، لا سيما بعد أن دخلت بعض القوميات مرحلة جديدة من تحالفات مع قوات دفاع تيجراي، بعد أن ذهبت نداءات الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار أدراج الرياح. ويهدد بالصراع، الذي امتد إلى منطقة أمهرا والعفر، وأصبح يتوسع إلى منطقة أوروميا، الأكثر اكتظاظًا بالسكان في البلاد. ويعد نجاح قوات دفاع تيجراي في تكوين تحالف أوسع مع جماعات عرقية وإثنية أخرى مكسبًا كبيرًا، في الوقت الذي تحشد فيه الحكومة الإثيوبية للحل العسكري كتكتيك مؤقت، قد يساعد في تأجيج الإثنيات الأخرى في حمل السلاح، وهو الأمر الذي ظهر بوضوح في تحالف بعض المنحدرين من أصول أمهرية وعفرية مع قوات دفاع تيجراي، كما يبدو أن إصرار القوميين الأمهرا على الحسم العسكري، الغرض منه التضحية برئيس الوزراء الإثيوبي، لا سيما أن الدعم العسكري الإريتري والصومالي منذ بداية الأزمة لم يحسم الصراع. فالصراع أصبح يُنذر بعملية استنزاف وانهيار الاقتصاد الإثيوبي، وربما تنزلق إثيوبيا في أتون حرب أهلية.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية