غواصات أستراليا ليست من أجل الحرب

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

الفرنسيون غاضبون لأن أستراليا ألغت صفقة كانت قد عقدتها معهم لشراء غواصات حربية. الحكومة الاسترالية تقول إن التغيرات فى البيئة الاستراتيجية تجاوزت الغواصات الفرنسية، واستلزمت الحصول على غواصات أمريكية أكثر تقدما. الحكومة الأمريكية تتصرف ببراءة، وتعتبر أن الأمر لا يزيد على اتفاق عقدته مع استراليا، دون أن يكون للأمر صلة بفرنسا أو أى دولة أخرى. يتجنب الأمريكيون والاستراليون التحدث عن السبب الحقيقى للصفقة التى أغضبت الفرنسيين، بينما العالم كله يعرف أن الصين هى العدو الذى شغل أذهان السياسيين والعسكريين الأمريكيين والاستراليين وهم يخططون للصفقة المفاجئة. بدلا من الغواصات الفرنسية التى تعمل بمحركات الديزل، اختارت استراليا شراء غواصات أمريكية تعمل بمحركات…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

الفرنسيون غاضبون لأن أستراليا ألغت صفقة كانت قد عقدتها معهم لشراء غواصات حربية. الحكومة الاسترالية تقول إن التغيرات فى البيئة الاستراتيجية تجاوزت الغواصات الفرنسية، واستلزمت الحصول على غواصات أمريكية أكثر تقدما. الحكومة الأمريكية تتصرف ببراءة، وتعتبر أن الأمر لا يزيد على اتفاق عقدته مع استراليا، دون أن يكون للأمر صلة بفرنسا أو أى دولة أخرى. يتجنب الأمريكيون والاستراليون التحدث عن السبب الحقيقى للصفقة التى أغضبت الفرنسيين، بينما العالم كله يعرف أن الصين هى العدو الذى شغل أذهان السياسيين والعسكريين الأمريكيين والاستراليين وهم يخططون للصفقة المفاجئة.

بدلا من الغواصات الفرنسية التى تعمل بمحركات الديزل، اختارت استراليا شراء غواصات أمريكية تعمل بمحركات نووية.

الغواصات الأمريكية أبعد مدى، وتكاد محركاتها تكون صامتة تماما، فلا يصدر عنها أى ضجيج، بما يسمح لها بالاقتراب من أهدافها دون أن تلاحظها رادارات الأعداء. الغواصات الأمريكية هى بالتأكيد أكثر فعالية وكفاءة فى المنافسة الاستراتيجية الجارية بين الصين والولايات المتحدة، فيما يمكن اعتباره أول تنفيذ لسياسة التمركز شرقا، التى يتحدث عنها الأمريكيون منذ عهد الرئيس أوباما. الإعلان عن صفقة الغواصات الجديدة جاء ضمن الإعلان عن إنشاء تحالف جديد يضم انجترا أيضا، ويبدو أنه بينما خاضت الولايات المتحدة الصراع مع الاتحاد السوفيتى مستعينة بحلف الناتو فى أوروبا، فإنها ستخوض الصراع مع الصين مستعينة بالحلف الجديد «أوكوس» فى المحيط الهادي. صفقة الغواصات الفرنسية لاستراليا كانت صفقة عسكرية كبيرة جدا، بينما صفقة الغواصات الأمريكية لاستراليا هى تحرك استراتيجى مبتكر، خلق واقعا استراتيجيا جديدا بامتياز.

قيمة الصفقة التى خسرها الفرنسيون وربحها الأمريكيون تبلغ أكثر من خمسين مليار دولار، وهو مبلغ كبير جدا يبرر الغضب الفرنسى، كما يبرر الابتهاج الذى يجاهد الأمريكيون لإخفائه لتجنب استفزاز الفرنسيين. لكن بعيدا عن الخسائر والمكاسب الاقتصادية الهائلة، فالمبلغ كبير جدا، لا يمكن فهمه إلا بالإشارة إلى الشعور الشديد بالتهديد السائد فى مناطق المحيط الهادى القريبة من الصين، والتى تبرر لاستراليا إنفاق هذا المبلغ الكبير لتغطية نفقات بند واحد فى ميزانيتها الدفاعية. فالصين تتقدم بسرعة، وهى تلاحق الولايات المتحدة فى كل المجالات، ولديها ثانى أكبر اقتصاد، وثانى أكبر ميزانية دفاع فى العالم، وهى تتصرف بطريقة تنطوى على كثير من التحرش والتخويف لجيرانها فى منطقة بحر الصين والمحيط الهادى، ويخشى هؤلاء من أن يجدوا أنفسهم مضطرين للقبول بهيمنة الصين، والخضوع لرغباتها فى كل ما تعتبره قضايا حيوية، وهى أمور تبدأ بتسليح الجيوش والسياسات التجارية، ولا تنتهى عند ما تنشره الصحف عن شئون الصين والنظام السياسى فيها، وما تدرسه الجامعات لطلابها فى هذا الخصوص.

المفارقة الكبرى هى أن فرص استخدام الغواصات الجديدة فى حرب فعلية ضد الصين لا تزيد كثيرا على الصفر. فمنذ انتهت الحرب العالمية الثانية، خاصة منذ انتهت الحرب الكورية فى النصف الأول من خمسينيات القرن الماضى، لم يشهد العالم حربا بين أى من القوى الكبرى.

فمنذ امتلكت القوى الكبرى ناصية التكنولوجيا والتسلح النووى، أصبحت المواجهة العسكرية بينها محظورة يجب تجنبها بكل الحرص والانتباه، خوفا من تطور المواجهة، التى قد تبدأ صغيرة ومعزولة، فتصل إلى مستوى صدام نووى، كفيل بإنهاء الحياة على ظهر الكوكب.

توازن القوى الدقيق، وقدرة كل طرف على إلحاق أذى لا يحتمل بالطرف الآخر، خلق حالة من التكافؤ الاستراتيجى، كانت سببا فى تحويل الحرب فيما بينهم إلى اختيار لا يمكن الأخذ به؛ يخططون له بكل جدية، لكنهم أبدا لا ينوون خوضه.

لقد تقدمت التكنولوجيا العسكرية بشكل مخيف، وأصبحت شديدة الدقة، وذات قدرة تدميرية عالية جدا، الأمر الذى رفع تكلفة الحرب بشكل غير مسبوق. يسرى هذا على الحروب بالأسلحة غير النووية، مثلما يسرى على الحرب النووية.

هل تذكر آخر حرب شاملة نشبت بين دولتين متكافئتين؟ الحرب العراقية الإيرانية، التى انتهت عام 1988، هى آخر هذه الحروب، فمنذ ذلك الحين لم تنشب حرب شاملة بين دولتين ذات حجم متوسط وجيوش متكافئة.لقد تقدمت وسائل الحرب وتكنولوجيا القتال إلى مستوى غير مسبوق، لا يشبه فى شيء ما كان يجرى حتى الحرب العالمية الثانية، ومع هذا فإنهم مازالوا يعتبرون هذه الحروب، والأسلحة التى تخاض بها «تقليدية»، وهى تسمية مضللة، تخفى التقدم الهائل الحادث فى تكنولوجيا التدمير والحرب، والتكلفة الباهظة للحرب الحديثة، وبما لا يساعد الرأى العام على فهم تعقيدات قضايا الحرب والسلام فى عصر التكنولوجيا العسكرية الفائقة.

صحيح أن الولايات المتحدة قد شنت عدة حروب منذ ذلك الحين، لكن حروب أمريكا كانت ضد قوى أضعف منها بكثير، بحيث إن الولايات المتحدة تمتعت بحصانة كاملة وهى تشن الحرب على صربيا وأفغانستان والعراق. الدرس الرئيسى للحروب الأمريكية هو أنه لا توجد موانع قانونية أو أخلاقية تمنع الحرب، وتحمى الدول الضعيفة من مخاطرها، وأن الدول تمتنع عن الدخول فى الحرب فقط عندما تتأكد أن الطرف الآخر لديه من القوة ما يكفى لتحميلها تكلفة باهظة، أما فى غير هذه الحالة فمغامرات الكبار العسكرية ليست مستبعدة.

لقد أصبحت الحرب الشاملة واقعة شبه مستحيلة الحدوث، فى نفس الوقت الذى وصلت فيه تجارة السلاح إلى مستوى غير مسبوق، فى مفارقة يكمن تفسيرها فى أن السلاح، الذى قد لا يستخدم فى الحرب أبدا، هو الذى يقلل من فرص نشوب الحرب.

نقلا عن جريدة الاهرام الخميس 16 23 سبتمبر 2021

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب