مقال تحليلي

سياسات المياه.. تعزيز الأمن وجودة الحياة في مصر

فرضت قضية الأمن المائي المصري نفسها بقوة على أجندة الدولة المصرية في معركة البناء والتنمية، باعتبارها أبرز ملفات الأمن القومي، ناهيك عن أنها تمثل أحد مداخل تحسين جودة الحياة والتنمية المستدامة. لذا طورت مصر سياسات استغلال الموارد، حيث أعلنت عن خطة قومية لمشروعات المياه في مصر تتضمن مشروعات تحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف الصحي والصرف الصناعي، ومشروعات تبطين الترع والمصارف، وتغيير أنماط الزراعة والري للحفاظ على المياه، وغيرها من السياسات التي تعزز الأمن المائي المصري. مواجهة الفقر المائي (*) تم تصنيف مصر كإحدى الدول التي تعاني فقرًا مائيًّا، حيث تقدر موارد مصر المائية بحوالي 60 مليار متر مكعب سنويًا…

أمل إسماعيل - غادة خديوي

فرضت قضية الأمن المائي المصري نفسها بقوة على أجندة الدولة المصرية في معركة البناء والتنمية، باعتبارها أبرز ملفات الأمن القومي، ناهيك عن أنها تمثل أحد مداخل تحسين جودة الحياة والتنمية المستدامة. لذا طورت مصر سياسات استغلال الموارد، حيث أعلنت عن خطة قومية لمشروعات المياه في مصر تتضمن مشروعات تحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف الصحي والصرف الصناعي، ومشروعات تبطين الترع والمصارف، وتغيير أنماط الزراعة والري للحفاظ على المياه، وغيرها من السياسات التي تعزز الأمن المائي المصري.

مواجهة الفقر المائي

(*) تم تصنيف مصر كإحدى الدول التي تعاني فقرًا مائيًّا، حيث تقدر موارد مصر المائية بحوالي 60 مليار متر مكعب سنويًا من المياه، يأتي معظمها من مياه نهر النيل. في المقابل، يصل إجمالي الاحتياجات المائية في مصر إلى حوالي 114 مليار متر مكعب سنويًا من المياه، فيما تبلغ الزيادة السكانية حوالي 2 مليون نسمة سنويًّا، مما قلص نصيب الفرد من موارد المياه إلى أقل من 600 متر مكعب لكل نسمة في عام 2020، بينما يصل خط الفقر المائي لدى الأمم المتحدة إلى 1000 متر مكعب للفرد من المياه. وتُشير التوقعات إلى استمرار الأزمة على مدار الأعوام القادمة مع استمرار النمو السكاني، إذ من المتوقع أن يهبط نصيب الفرد إلى 400 متر مكعب بحلول عام 2050، مع وصول عدد السكان إلى 150 مليونًا.

(*) منذ 2014، اتجهت الدولة المصرية إلى ترشيد استهلاك الموارد المائية المتاحة، ودشنت مشروعات متعلقة بالبنية التحتية المائية، مثل: تشييد وتطوير القناطر على مجرى نهر النيل، وتأهيل وتبطين الترع الخاصة بالري، بالإضافة إلى تجديد المصارف الزراعية. كما دشنت الدولة برنامجًا لتطوير منظومة مياه الشرب والصرف الصحي، حيث تستهلك تلك المنظومة أكثر من 15% من جملة الموارد المائية المتوفرة لمصر سنويًّا.

(*) تم الانتهاء من تنفيذ 1143 مشروعًا لمياه الشرب والصرف الصحي، لخدمة 60 مليون نسمة بمشروعات المياه، و45 مليون نسمة بمشروعات الصرف، بينما يجري حاليًا تنفيذ 572 مشروعًا لمياه الشرب والصرف الصحي في المدن والريف. وقد أدت النتيجة الإجمالية لتلك المشروعات إلى زيادة مرافق منظومة المياه والصرف بأكثر من 10%، مما ساهم في زيادة القدرة الإنتاجية للمنظومة بأكثر من 27%، وأصبحت نسبة تغطية مياه الشرب حاليًا على مستوى الجمهورية حوالي 98.5%، وتبلغ كمية المياه المنتجة 33.6 مليون م3/يوم، أي ما يعادل 12.2 مليار م3/سنة، وتبلغ أطوال الشبكات 180 ألف كم. في المقابل، كانت نسبة التغطية في عام 2014 حوالي 97%، وكمية المياه المنتجة 24.7 مليون م3/يوم، أي ما يعادل 9 مليارات م3/ سنة.

استراتيجية مائية شاملة

 (*) أعلنت مصر في نهاية 2020 استراتيجية للموارد المائية حتى عام 2050، بتكلفة تصل إلى 900 مليار جنيه، ووضع خطة قومية للموارد المائية حتى عام 2037. وتهدف الاستراتيجية إلى تحقيق الاستخدام الرشيد للمياه الجوفية، وتحسين وتطوير واستخدام نظم الري الحديث في الأراضي الزراعية، وتفعيل روابط مستخدمي المياه، وتعزيز إمكانات مشاركة القطاع الخاص للوزارة في تحمل مسئوليات إدارة وتشغيل وصيانة أجزاء من نظم ومرافق شبكات الري والصرف بشروط محددة. وتعتمد هذه الاستراتيجية على أربعة محاور، على النحو التالي:

– المحور الأول: تحسين نوعية المياه للحفاظ على جودتها، فوفقًا لمؤشرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت جودة المياه في محطات الإنتاج 97.9%، وفي محطات التوزيع 96.3% عام (2018/2019)، في حين وصلت نسبة مياه الصرف الصحي المعالجة بطريقة آمنة إلى 74.3%.

المحور الثاني: ترشيد استخدامات المياه وخاصة في القطاع الزراعي الذي يمثل الجزء الأكبر من استخدامات المياه، حيث بلغ نحو 65،61 مليار متر مكعب من إجمالي الاستخدامات عام (2018/2019) بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وقُدرت احتياجات القطاع الصناعي من المياه بنحو 9.5 مليارات متر مكعب عام (2018/2019)، أما بالنسبة لاستخدامات مياه الشرب والأغراض الصحية فتُقدر بنحو 75.10 مليار متر مكعب بنسبة 4.13% من إجمالي الاستخدامات عام 2018، وفقًا لنشرة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2019. ويُقدر متوسط نسبة الفاقد في مياه الشرب النقية بنحو 9.27% من إجمالي المياه على مستوى الجمهورية في الشبكات المتهالكة والمنازل والمدارس والجهات الحكومية.

– المحور الثالث: تنمية الموارد المائية للتأقلم مع آثار التغيرات المناخية، ويتضمن هذا المحور تنفيذ عدد من مشروعات الحماية والتخفيف من أخطار السيول وتنفيذ منشآت حصاد الأمطار على طول الساحل الشمالي الغربي وسيناء والبحر الأحمر ومحافظات الصعيد، كما تم تنفيذ حزمة مشروعات تستهدف الحماية الشاطئية بأطوال تناهز 120 كم، كما تم إنشاء عدد من محطات الرفع لتتكامل منظومة الحماية من أخطار السيول باستثمارات وصلت إلى 10 مليارات جنيه.

المحور الرابع: تهيئة البيئة الملائمة للعمل، ويستهدف تنفيذ باقي محاور الاستراتيجية من خلال التدريب ورفع القدرات، والتوعية بالتحديات المائية، والتشريعات، والقوانين التي تلزم الجميع بمسئولياتهم نحو الحوكمة الرشيدة في إدارة الموارد المائية، حيث يجري الانتهاء من إعداد اللائحة التنفيذية لقانون الموارد المائية والري الجديد، الذي وافق عليه مجلس النواب. والهدف من مواد قانون الري الجديد هو تيسير تعامل المنتفعين مع أجهزة الوزارة، وتنظيم توزيع المياه، وحماية مجرى نهر النيل وجسوره، وحماية الموارد المائية وشبكة المجاري المائية، وحماية منشآت ومعدات وأملاك الري والصرف، ومخرات السيول ومنشآت الحماية من أخطار السيول وشبكات الصرف المغطى من كافة أشكال التعديات.

مشروعات متعددة

(*) يستهدف المشروع القومي لتبطين الترع والمصارف الحفاظ على كميات المياه التي يتم هدرها بعد تسربها للتربة الطينية والتي تتراوح ما بين 5-10 ملم من عمق المياه كل ساعة. لذا، من المتوقع توفير حوالي 5 مليارات متر مكعب من المياه التي كانت تُهدر بطول مجاري الشبكة المائية في كافة أنحاء الجمهورية. كما تُسهم صيانة الترع وقنوات الري في إطار هذا المشروع في خفض فاقد البخر، وتقليل نسب الشوائب التي تصل إلى نهاية الترع وتقلص من كفاءتها، كما سيقلل تكاليف الصيانة السنوية للمجاري المائية بأنواعها. ومن المستهدف وصول إجمالي أطوال الترع التي سيتم تأهيلها وتبطينها ضمن المشروع القومي لتبطين الترع 8226 كم في إطار المرحلة الأولى التي تنتهي منتصف عام 2022 بتكلفة 18 مليار جنيه، في حوالي 19 محافظة مصرية.

(*) اتّجهت الدولة للتوسع في تشييد محطات تحلية مياه البحر لتصل إلى 90 محطة على مستوى الجمهورية، منها 63 محطة تم الانتهاء منها بطاقة إجمالية حوالي 800 ألف متر مكعب يوميا، و19 محطة يجري العمل بها وسيتم الانتهاء منها بحلول عام 2022. وقد وصلت موارد مصر المائية من تحلية مياه البحر إلى نحو 292 مليون متر مكعب سنويًا عام 2020. ومن أهم المحطات الجاري تنفيذها محطة العلمين لتحلية المياه، وتنتج 150 ألف متر مكعب يوميًا من المياه الصالحة للشرب والاستخدام الآدمي، وتكفي لاحتياجات مليون مواطن يوميًا، بتكلفة بلغت 120 مليون دولار، وتقوم على تكنولوجيا أوروبية حديثه، وهي من المشروعات التي تخدم مساحة سكانية كبيرة، وسوف تسهم المحطة في زيادة ضخ مياه الشرب لمحافظة مرسى مطروح وضواحيها.

(*) في هذا الشأن، أعدت وزارة الإسكان المصرية مع الشركة القابضة للمياه والصرف الصحي وهيئة المجتمعات العمرانية وهيئة التخطيط العمراني، خطةً خمسية (2020-2025) للتوسع في محطات تحلية مياه البحر بالجمهورية. وتستهدف الخطة تنفيذ وتطوير 47 محطة تحلية مياه البحر بطاقة إجمالية 2.44 مليون متر مكعب يوميًا، وتكلفة مقدرة 45.18 مليار جنيه.

محطات تحلية المياه في المحافظات المختلفة

 (*) انتهت الدولة من تنفيذ 54 مشروع معالجة صرف صحي ثنائية وثلاثية بالصعيد (17 محطة ثلاثية، و37 محطة ثنائية) بالمناطق القريبة من نهر النيل للمحافظة عليه من التلوث، ولإعادة الاستخدام الآمن للمياه المُعالجة في الأغراض المخصصة لذلك، كما تم رفع كفاءة خمس محطات ثنائية وتحويلها إلى معالجة ثلاثية، ويجري حاليًا رفع كفاءة ثلاث محطات أخرى بطاقة إجمالية 320.5 ألف م3/يوم، بتكلفة 1.8 مليار جنيه. وتعد محطة معالجة بحر البقر الأكبر والأهم، حيث حصلت محطة بحر البقر من موسوعة جينيس العالمية للأرقام القياسية على شهادة أكبر محطة تحلية للمياه في العالم، بسعة 64.8 متر مكعب في الثانية، وأكبر محطة معالجة حمئة (تنقية مياه الشرب أو الصرف الصحي) في العالم، فضلًا عن أكبر محطة لإنتاج الأوزون، وبلغت تكلفتها 20 مليار جنيه. وستساهم هذه المحطة في استصلاح 400 ألف فدان من خلال إعادة تدوير وتشغيل مياه الصرف الزراعي والصناعي والصرف الصحي والتي سيتم تحويلها بعد ذلك من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية أسفل قناة السويس.

(*) تعمل الدولة على التوجه نحو استخدام منظومة الري الذكي التي تعد من أحدث تقنيات الري الزراعي في العالم، وذلك بإنتاج أجهزة مجسات متطورة بأسعار وكميات مناسبة لتكون في متناول الفلاحين من أجل قياس مستوى الرطوبة في التربة بدقة عالية مما يحقق فوائد متعددة، أهمها توفير كميات مياه الري، وزيادة الإنتاجية المحصولية للأراضي الزراعية. وقد أعلنت مصر في عام 2021 أنه تم تحويل نحو 285 ألف فدان لنظام الري الحديث، بالإضافة إلى تقديم طلبات لتحويل 85 ألف فدان أخرى. فضلًا عن زيادة الوعي نحو ترشيد استهلاك المياه، وعدم استخدام محاصيل زراعية كثيفة استهلاك المياه، والحد من الري بالغمر. كما تهـدف خطـة الدولة إلى توفير نحو 1.5 مليار متر مكعب من الميـاه سنويًا عن طريق إحلال زراعـة البنجر محـل قصب السكر، وتخفيض المساحـة المزروعة من الأرز من 1.3 مليون فدان إلى 950 ألف فدان.

(*) ختامًا، على الرغم من التحديات التي تواجهها مصر للحفاظ على أمنها المائي وتعظيم مواردها المائية، والحفاظ على حقوق الأجيال القادمة؛ فإنها تسعى إلى تنويع مصادرها المائية لضمان تحقيق التنمية المستدامة بمختلف قطاعاتها، خاصة أنه لا يمكن تعزيز الأمن المائي بعيدًا عن أمن الطاقة والأمن الغذائي والأرض، فهذا المفهوم هو الأعم والأشمل، ويجب على الدولة مراعاة أمن القطاعات الأربعة (الطاقة، والمياه، والغذاء، والأرض) في خططها المستقبلية.

نقلا عن تقديرات مصرية العدد 35

أمل إسماعيل - غادة خديوي