تمخض عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران جملة من التطورات أبرزها اضطراب سلاسل الإمداد والتوريد لمصادر الطاقة على وجه الخصوص؛ وذلك نتيجة للضربات الإيرانية المضادة للمصالح الأمريكية داخل الخليج العربي مع توسيع نطاق تلك الضربات لتستهدف بعض حقول الطاقة كما هو الحال بالنسبة لــ “رأس لفان” في قطر، جنبًا إلى جنب مع ما يتعرض له مضيق هرمز –أحد الممرات الاستراتيجية في منظومة الإمدادات الدولية- من شلل لوجستي على خلفية التصعيد العسكري الإقليمي
أدى ذلك إلى تفاقم حدة الاضطراب في إمدادات الطاقة وتعطيل تدفقات النفط العالمية، ومن ثّم فإن هناك توجهات أوروبية للبحث عن مصادر الطاقة من مناطق غير مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالتصعيد الراهن وفي مقدمتها الجزائر؛ الأمر الذي قد يؤدي لإعادة رسم شبكات المصالح والتوزانات الجيوسياسية.
ولعل مؤشرات تلك التفاعلات برّزت في زيارتين مهمتين إلى الجزائر؛ الأولى: الزيارة التي أجرتها رئيسة الوزراء الإيطالية “جورجيا ميلوني” إلى الجزائر في الخامس والعشرين من مارس 2025، والثانية: الزيارة التي أجراها وزير الخارجية الإسباني إلى الجزائر في السادس والعشرين من الشهر ذاته، ليضع التوترات السياسية والتصعيد الذي شاب علاقات الجزائر ومدريد منذ 2022 جانبًا، ويُعيد ترتيب دوائر التفاعل مرة أخرى بين دول جنوب الأطلسي والجزائر من نافذة الطاقة.
وبالنظر إلى زيارة “ميلوني” فإنها تأتي لبحث سبل الإمداد من مصادر الطاقة وعلى وجه الخصوص الغاز الطبيعي وتأمين مزيد من تدفقاته إلى إيطاليا؛ وتعد تلك الزيارة هي الثانية التي تجريها “ميلوني” إلى الجزائر؛ حيث جاءت الزيارة الأولى مطلع عام 2023 على خلفية اضطرابات أسواق الطاقة عقب الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من صدمات طاقوية في منظومة الإمدادات الأوروبية، ومساعي البحث عن بدائل للطاقة، ومن ثّم فإن طابع الزيارة وسياقها يندرج ضمن مساعي “إيطاليا” لتأمين إمدادها من الطاقة.
أولًا: سياق ضاغط وأهداف استراتيجية:
يأتي سياق زيارة “جورجيا ميلوني” في ظل إعادة تشكيل موازين القوى العالمية والمزاحمة الدولية على الموارد والمسارات اللوجستية، على ضوء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026 والممتدة إلى التوقيت الحالي، والتي أثرت على الاستقرار الإقليمي خاصةً بعدما تبنت “طهران” نهج استهداف المصالح الأمريكية في الخليج العربي، بما أثر على إمدادات الطاقة للجانب الأوروبي وبصفةٍ خاصة إمدادات الغاز القطري؛ الأمر الذي حوّل بوصلة الجانب الغربي لنوافذ أخرى للطاقة وعلى وجه الخصوص الشركاء التقليديون وفي مقدمتهم الجزائر والتي تُشكل بديلًا مستقرًا لمواجهة اضطرابات الإمداد من الدول التي تأثرت بتلك الحرب، ومن ثّم فإن أهداف الزيارة تتجسد في الآتي:
- تأمين الاحتياجات الإيطالية من الغاز: يُعد ملف الطاقة أبرز ملفات التباحث لزيارة رئيسة وزراء إيطاليا، خاصةً في ظل مساعي روما لمناقشة سبل إمدادها بكميات من الغاز الطبيعي لمعالجة الاضطرابات الراهنة في سوق الطاقة العالمي، والعمل على تعويض حصتها المعلقة من الغاز الطبيعي من قطر بعد توقف الإنتاج بمركز رأس لفان، وبالتالي فإن الأنظار تتجه إلى كل من الجزائر وليبيا وذلك لتعويض الاحتياجات الطاقوية للجانب الأوروبي، انطلاقًا من كون هاتين الدولتين أبرز البدائل المحتملة للغاز والنفط لتعويض التراجع الحالي في إمدادات الخليج للنفط والغاز إلى الجانب الأوروبي، وإن كان الاعتماد سيكون بشكل أكبر على الجزائر مقارنة بليبيا لما تشهده الأخيرة من غياب التوافق السياسي والأمني؛ الأمر الذي يحد من التعويل عليها في الوقت الراهن.
وانطلاقًا من كون الجزائر مصدرًا مهمًا لتصدير الغاز إلى إيطاليا؛ حيث يُمثل الغاز الجزائري نحو 30% من الاحتياجات الإيطالية من الغاز الطبيعي، إلى جانب مدّ الجانب الإيطالي بشحنات من الغاز الطبيعي المسال والتي بلغت 47 شحنة في عام 2025 وهو ما يُمثل نحو 21% من واردات الجانب الإيطالي من الغاز المسال؛ فإن “روما” تنظر إلى الجزائر كبديل رئيسي لتعويض تلك الشحنات.
ومنذ بداية عام 2026 زادت الجزائر من إنتاجها من الغاز الطبيعي، وفقًا للتقديرات فإن تلك الزيادة قد بلغت نحو 7% وذلك في يناير 2026 وباتت تنتج نحو 10.44 مليار متر مكعب مقابل 9.75 مليار متر مكعب خلال يناير 2025، بما يُعد أعلى مستوى لزيادة الإنتاج منذ ثلاث سنوات، وهو ما يدفع بمزيد لتصدير الغاز إلى الجانب الأوروبي عبر خطوط أنابيب الغاز التي تُعد الأكثر أمانًا واستقرارًا لابتعادها عن مناطق التوتر، والتي تتجسد في خط خط (ترانس ميد) الرابط مع إيطاليا، وخط (ميد غاز) الذي يربط الجزائر بإسبانيا.
- تثبت موقع “ميلوني” السياسي: ارتباطًا بالنقطة السابقة؛ وعلى ضوء ما سببته الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من اضطرابات في قطاع الطاقة وتأثير ذلك بشكل رئيسي على أسعار الطاقة خاصةً في ظل ما تعاني منه إيطاليا من ارتفاع أسعار الكهرباء في الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك يمثل ضغطًا على موقع “ميلاني” السياسي في إيطاليا، خاصةً وأن “روما” شهدّت استفتاء على ملف الإصلاح القضائي والمنتهي برفض هذا الإصلاح بنسبة 54% في مقابل 46% انحازوا لخيار نعم، هذا الاستفتاء يعكس (ضمنيًا) افتقاد الثقة في “ميلوني” وقد يكون لتلك النتيجة تأثير على موقفها السياسي خصوصًا مع اقتراب الشروع في تنفيذ الانتخابات العامة.
وبالتالي فإن أحد أكبر التحديات التي ستواجهها “جورجيا ميلوني” هو قيادة إيطاليا خلال أزمة الطاقة الراهنة، ومنعًا لأي تأثيرات جسمية على هذا القطاع داخل إيطاليا وأيضًا الأبعاد الاقتصادية نتيجة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تتحرك رئيسة الوزراء الإيطالية في اتجاه تأمين توريد مصادر الطاقة، ويأتي تحركها إلى الجزائر ضمن مساعي إيطاليا إلى تنويع مصادر الطاقة والعمل على دعم شركاتها العاملة في قطاع الطاقة داخل الجزائر وبصورة خاصة شركة “إيني” جنبًا إلى جنب تأمين عقود توربد للغاز على المستويين المتوسط وطويل الأجل.
ثانيًا: مكاسب استراتيجية للجزائر:
بقراءة أهداف زيارة رئيسة وزراء إيطاليا إلى الجزائر؛ يمكن القول إنها تحمل في طياتها عدة مكاسب استراتيجية للجانب الجزائري يمكن توضيحها في الآتي:
- تموضع استراتيجي للجزائر طاقويًا: إن الزيارة التي أجرتها رئيسة الوزراء الإيطالية من شأنها أن تُكسب الجزائر ثقة على المستوى الدولي كمورد موثق فيه للطاقة، ويفتح مجالًا أوسع لعقود توريد مع عدة دول اوروبية (إسبانيا على وجه الخصوص وقد برز ذلك في الزيارة التي يُجريها في الوقت الحالي وزير الخارجية الإسباني “خوسيه مانويل”) بعد القيام بمراجعة الأسعار الحالية ووضع اشتراطات التعاقد المستقبلية، وهذا كله من شأنه أن يعزز الدوّر الطاقوي للجزائري عالميًا وبما يُزيد من العوائد للدخل القومي للدولة.
ليس هذا فحسب بل يُتيح ذلك دعمًا أوروبيًا لمشاريع الطاقة التي تنخرط فيها الجزائر وعلى رأسها مشروع خط أنبوب الغاز (نيجيريا – الجزائر) العابر للصحراء، والذي أعيد له الزخم منتصف فبراير 2026 على خلفية زيارة “عبد الرحمن تياني” رئيس النيجر إلى الجزائر وإعلان الجانبين عن دخول خط أنابيب الغاز العابر للصحراء إلى المرحلة العملية وقيام شركة سوناطراك إطلاق الأشغال الأولية لمد الأنبوب عبر الأراضي النيجيرية، والذي يُعد أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية الرامية لبناء جسر للطاقة يربط أفريقيا بأوروبا ينقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر الشبكة الجزائرية؛ علاوة على أنه يُجسد أحد مسارات التنافس الجزائري المغربي.
ومن بين مؤشرات الاهتمام الإيطالي بهذا المشروع؛ ما سبق وأن صرّح به “جيلبرتو فراتين” وزير البيئة وأمن الطاقة الإيطالي خلال مشاركته في فعاليات مؤتمر (شمال أفريقيا: ربط القارات وخلق الفرص) في الخامس من فبراير 2026 حول أهمية هذا المشروع الاستراتيجي على مستوى الأسواق الأوروبية. جنبًا إلى جنب العمل على ضخ استثمارات أجنبية في الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة وخاصةً مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين الذي يجعل من الجزائر نقطة متقدمة لتصدير الطاقة النظيفة للجانب الأوروبي من خلال البوابة الإيطالية كما هو الحال بالنسبة لمشروع “ميدلينك” الذي يربط الجزائر وتونس بإيطاليا وتم طرحه بنهاية عام 2024 ويستهدف في تصدير 4 جيجاوات من قدرة نقل الكهرباء الجديدة بين شمال أفريقيا وأوروبا.
تلك الشراكات من شأنها أن تُعيد صياغة علاقة الجزائر مع شركائها الأوروبيين والانتقال إلى مرحلة بناء الشراكات الدولية المستندة لنهج براغماتي وتبادل المصالح والمنفعة المتبادلة في قطاعات تتجاوز القطاع الطاقي لتشمل قطاعات الصناعة والتجارة ونقل التكنولوجيا، وتعزيز فرص الاستثمار المتبادلة من خلال الشروع في تدشين الغرفة التجارية الجزائرية الإيطالية.
- تعزيز صادرات الغاز أوروبيًا: ارتباطًا بالنقطة السابقة، ونتيجة لسياق الحرب الحالية والتي انعكست إيجابيًا على سوق الطاقة لدى الجزائر في ضوء تعزيز صادرتها من ناحية واستغلال حالة ارتفاع الأسعار التي شهدها سوق الطاقة لينعكس ذلك على العائدات الأجنبية لديها، كما تطرح الأزمة فرصة أمام الجزائر لمزيد من الاستحواذ على سوق الغاز المسال كبديل لقطر وتوفير الاحتياجات الأوروبية من ذلك المصدر، ولعل ذلك يتماشى مع استراتيجية التوسع التي تبنتها الجزائر في عام 2025 فيما يتعلق بتوقيع عقود متعددة للمحروقات مع شركات النفط الأجنبية لاستكشاف حقول غاز وتطوير 5 حقول غاز وذلك في يوليو 2025.
وبالنظر إلى مساهمة إيطاليا في اكتشافات الغاز داخل الجزائر فإن شركة “إيني” إحدى الشركات الإيطالية تعتبر الوحيدة من بين الشركاء الأجانب لشركة “سوناطراك” الجزائرية التي عززت من وجودها داخل الجزائر خاصةً بعدما اشترت حصة شركة بريتش بتروليوم البريطانية في حقل “عين أمناس” وحقل “عين صالح” في جنوب الجزائر، أيضًا استحوذت على أصول شركة “نبتون إينرجي” البريطانية في حقل “توات غاز” ولاية أدرار، علاوة على شراء حصة نسبتها 8% من شركة “إنجي” الفرنسية في حقل “توات غاز” لتزيد من حصتها الإجمالية في هذا الحقل إلى 43%.
وهذا الوجود لتلك الشركة يُعزز من مسارات العمل على مشاريع جديدة للاستكشاف البحري وتحسين واقع البنية التحتية الخاصة بقطاع الطاقة؛ الأمر الذي يحوّل الجزائر لمورد مستدام على المستوى المتوسط والبعيد للجانب الأوروبي.
- استعادة الزخم لعلاقات الجزائر الأطلسية: يتقاطع مع أهمية الغاز كملف للتنسيق والتعاون الراهن، عودة تدريجية للتعاون السياسي والدبلوماسي والزخم لدوائر الحركة الجزائرية وبصفة خاصة على المستوى الأوروبي، فزيارة “ميلوني” إلى الجزائر والتي تُعد الثانية من نوعها منذ عام 2023، وما تبعها من زيارة وزير الخارجية الإسباني “خوسيه مانويل” في السادس والعشرين من مارس 2026 بعدما شهدت العلاقات الثنائية حالة من التصدع الدبلوماسية منذ عام 2022 على ضوء الموقف الإسباني الداعم للمسار المغربي في ملف الصحراء الغربية.
وقد سبق أن أكد الجانب الإسباني على خصوصية الجزائر كشريك استراتيجي لإسبانيا وأنه ركيزة مهمة في مستقبل المتوسط واستقراره، ولعل هذه الديناميكية (والحركة السياسية والدبلوماسية المتضمنة في الزيارات) تعيد الديناميكية لمصالح الجزائر الأطلسية، ويما يعزز من تنامي أهمية جنوب المتوسط كناطق استراتيجي مُعزز لمصالح دول الجنوب الأطلسي، وكذا يؤكد على مكانة الجزائر كفاعل محوري في مصالح أوروبا.
- تعزيز محور “الجزائر- روما”: خيمّت على الزيارة ملفات أخرى وبصورة خاصة ملفا مكافحة الإرهاب ومواجهة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر خاصةً في منطقة البحر المتوسط، وهذا الأمر يعكس انخراطًا اوسع لإيطاليا في الدائرة الأفريقية، ويمكن من خلال العلاقة التي تجمع الجزائر وإيطاليا وخصوصًا عبر “خطة ماتي” ( هي خطة أعلنت عنها رئيسة الوزراء الإيطالية نهاية عام 2023 تستهدف توجيه الاستثمارات وتمويل عدة مشاريع تتعلق بدعم مصادر الطاقة المتجددة والحفاظ على البيئة وقضية الهجرة والمياه وعدد آخر من القطاعات وذلك بتخصيص مبلغ 5.5 مليار يورو لتنفيذ تلك البرامج)، أن يتم توظيفها للعمل على بناء منصة تنمية مشتركة موجهة نحو الأسواق الأفريقية، وهذا الأمر يُعيد مساحات التحرك الجزائري في محيطها الأفريقي، خاصةً وأن الجزائر تستهدف تجاوز العلاقات التجارية (والتي حققت تزايدًا في عام 2025 بلغ 12.9 مليار يورو) إلى دمج “روما” ضمن نهج استراتيجي في إطار التعاون المتوسطي والأفريقي، وبما يعوض غياب القوى الأوروبية الأخرى في العمق الأفريقي وبصفة خاصة “فرنسا” التي تشهد تصدعًا في علاقاتها مع الجزائر وآخرها استدعاء القائم بالأعمال في السفارة الفرنسية بالجزائر في السادس والعشرين من مارس 2026 للاحتجاج على تجديد احتجاز موظف قنصلي جزائري لمدة عام إضافي.
وإجمالًا، جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتعيد حسابات الجانب الأوروبي في تعاطيه مع الجزائر، فزيارة “جورجيا ميلوني” تُشكل خطوة نحو إعادة تعريف ملامح التعاون في البحر الأبيض المتوسط وتعزيز التعاون مع الجزائر التي باتت تُعيد هندسة علاقاتها أيضًا مع الجانب الأطلسي من دوّر المصدر إلى الفاعل والشريك، وكذا تكشف الزيارة أيضًا أهمية الجغرافية السياسية في تسريع وتيرة الدبلوماسية الجيوقتصادية. كما يمكن القول بإن زيارة وزير الخارجية الإسباني إلى الجزائر بعدما شهدت علاقتهما تصدعًا لأكثر من ثلاث سنوات، تكشف أن الخلافات الاستراتيجية يمكن أن تُدار عبر النافذة الطاقوية وبما يُعيد صياغة العلاقات الجزائرية الإسبانية في ظل التغيرات الجيوسياسية الراهنة.