مقال تحليلي

أثر التغيرات المناخية على الموارد الطبيعية

تعد التغيرات المناخية أحد أكثر المصطلحات استخدامًا للتعبير عن المشكلات البيئية وآثارها، وعلى رأسها الارتفاع طويل الأجل في متوسط ​​درجة حرارة مناخ الأرض. وقد تجلى ذلك من خلال قياسات درجات الحرارة المباشرة، وقياس التأثيرات المختلفة للاحترار عالميًا، والتغير في هطول الأمطار. وقد خلُص تقرير التقييم الخامس للجنة الدولية للتغيرات المناخية (IPCC) إلى أنه “من المحتمل جدًا أن يكون التأثير البشري هو السبب الغالب للاحترار الملحوظ منذ منتصف القرن العشرين”. كما أشارت توقعات نموذج المناخ التي خلُص إليها التقرير إلى أنه -خلال القرن الحادي والعشرين- من المرجح أن ترتفع درجة حرارة سطح الأرض من 0.3 إلى 1.7 درجةً مئويةً في السيناريو…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تعد التغيرات المناخية أحد أكثر المصطلحات استخدامًا للتعبير عن المشكلات البيئية وآثارها، وعلى رأسها الارتفاع طويل الأجل في متوسط ​​درجة حرارة مناخ الأرض. وقد تجلى ذلك من خلال قياسات درجات الحرارة المباشرة، وقياس التأثيرات المختلفة للاحترار عالميًا، والتغير في هطول الأمطار. وقد خلُص تقرير التقييم الخامس للجنة الدولية للتغيرات المناخية (IPCC) إلى أنه “من المحتمل جدًا أن يكون التأثير البشري هو السبب الغالب للاحترار الملحوظ منذ منتصف القرن العشرين”.

كما أشارت توقعات نموذج المناخ التي خلُص إليها التقرير إلى أنه -خلال القرن الحادي والعشرين- من المرجح أن ترتفع درجة حرارة سطح الأرض من 0.3 إلى 1.7 درجةً مئويةً في السيناريو المعتدل، وما بين 2.6 إلى 4.8 درجةً مئويةً في السيناريو المتطرف. وهو ما ستتوقف عليه سياسات الدول الصناعية الكبرى، ومدى التزامها بالاتفاقيات الملزمة بتخفيض الانبعاثات الكربونية.

أولًا: معدلات الانتاج والاستهلاك:

تشمل آثار التغيرات المناخية: ارتفاع منسوب مياه البحر، والتغيرات الإقليمية في هطول الأمطار، وتكرار الظواهر الجوية الشديدة مثل موجات الحرارة، وتوسع الصحاري، وزيادة درجة حموضة المحيطات. وجديرٌ بالذكر أن أكبر الزيادات في درجة الحرارة السطحية تكمن في القطب الشمالي، ما ساهم في تراجع الأنهار الجليدية والجليد البحري. وعلى الرغم من تسبب درجات الحرارة المرتفعة في زيادة معدلات الأمطار والثلوج في بعض المناطق، إلا أنها أدت في مناطق أخرى إلى تزايد الجفاف وحرائق الغابات.

كما أن التغيرات المناخية تهدد بتقليص غلة المحاصيل، والإضرار بالأمن الغذائي، وارتفاع مستويات البحر التي تفيد بعض الدراسات بغمرها مستقبلًا للبنية التحتية الساحلية، بل وقد تفرض التخلي عن عددٍ من المدن الساحلية. ولا تقتصر النتائج السلبية المترتبة على التغيرات المناخية على الأضرار الاقتصادية فحسب، بل تتعدى ذلك كونها تهديدًا مباشرًا، قد يُفضي إلى انقراض أو إعادة توطين أشكالٍ عدةٍ من الحياة مع تغير النظم الإيكولوجية، وعلى الأخص بيئات الشعاب المرجانية في المحيطات، والكائنات الحية بالمناطق الجبلية والصحراوية. كما تهدد التغيرات المناخية -بشكلٍ كبيرٍ- الأمن الغذائي العالمي؛ فمع ذوبان الأنهار الجليدية، تذوب بالمثل إمدادات المياه العذبة في العالم، بما في ذلك تلك المتاحة لإنتاج الغذاء. وذلك مع الأخذ في الاعتبار أن ما بين

2000-5000 لترًا من الماء العذب مطلوبٌ لإنتاج كميةٍ غذائيةٍ يوميةٍ لكل فردٍ على هذا الكوكب، في الوقت عينه الذي تتغير فيه معدلات العرض والطلب في اتجاهين معاكسين.

شكل (1): التغيرات في المحتوى المائي عام 2050 مقارنة بعام 1990 كنسبةٍ مئوية.

وعلاوة على الموارد المحدودة، يتعين على العالم التعامل مع أرقام النمو السكاني التي تشير إلى زيادةٍ تُقدّر بملياري نسمة بحلول عام 2050، وهو ما ينعكس قطعًا على زيادة الطلب على الموارد المختلفة من: طاقة، ومياه، وغذاء. وبينما تنمو الاقتصادات الناشئة ثروتها، يبحث سكانها عن أغنى الأطعمة (مثل: اللحوم، ومنتجات الألبان)، وهي أيضًا تتطلب حجمًا أكبر من الموارد.

ينتهي النقاش العلمي إلى نتيجةٍ أساسيةٍ مفادها أن كوكب الأرض يواجه تحديًا ملموسًا في نقص الموارد بسبب: التغيرات المناخية، والزيادة السكانية، والاستهلاك غير المستدام من قبل السكان لهذه الموارد. وبهذا النهج من أسلوب المعيشة، فإن الكوكب غير قادرٍ على دعم النماذج الحالية للإنتاج والاستهلاك. وبدون إجراءٍ عالميٍ كبيرٍ، من المتوقع أن يستمر ارتفاع متوسط درجات الحرارة بصورةٍ مضطردةٍ في السنوات القادمة، وهو الحدّ الذي يعتقد العلماء أنه سيشهد تغيراتٍ بيئيةٍ كبيرةٍ، تدّعي بعض الدراسات العلمية أنها قد تكون بلا رجعة.

ومن المتوقع أن يزداد الطلب على الغذاء بنسبة 35% بحلول عام 2030، بناءً على الزيادة المقابلة للسكان. وسيؤثر نوع الطعام المطلوب (من: زيوتٍ نباتيةٍ، ومنتجات الألبان، واللحوم، والأسماك، والسكر) بشكلٍ خاصٍ في موارد الطاقة والمياه. ويؤدي الترابط بين اتجاهات التغيرات المناخية وندرة الموارد إلى تضخيم هذا التأثير؛ إذ أن السيناريوهات المتوقعة لمسار تلك التغيرات تشير إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية بنسبةٍ تصل إلى الثلث، عبر أجزاءٍ كبيرةٍ من إفريقيا على مدى الستين سنة القادمة.

أما على الصعيد العالمي، فتشير نفس السيناريوهات إلى ازدياد الطلب على موارد المياه بنسبة 40٪ وعلى الطاقة بنسبة 50٪. وبإيجاز، فإن استمرار النموذج الاقتصادي الحالي للعالم سيَحُول دون قدرة الكوكب على التأقلم.

ثانيًا: سياسات حل الأزمة ورابطة المياه والطاقة والغذاء:

ساعد التقدم العلمي على دعم التفاهم العالمي حول تطوير سياساتٍ موحدةٍ ووضع أطرٍ لاتفاقاتٍ دوليةٍ بصدد هذا الشأن. فبجانب اتفاق باريس، تبنت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة أيضًا أهداف التنمية المستدامة (SDGs) في عام 2015. وهي عبارة عن 17 هدفًا للتنمية الاقتصادية المستدامة الشاملة، والتي تغطي مجموعةً واسعةً من الأنشطة وتأثيراتها عبر المجالات الرئيسة، بما في ذلك: التنمية الاقتصادية، والتغيرات المناخية، والحفاظ على الموارد، والتحكم في الاستهلاك، وتحسين الوضع البيئي، وجودة المياه، والتنمية الحضرية.

ويشكل التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة الأطر التشريعية والتنظيمية، بالإضافة إلى تدفقات الاستثمار والمعونة. وقد شارك القطاع الخاص بشكلٍ كبيرٍ في تنميته، مع الاعتراف بالحاجة إلى تطوير هدفٍ اجتماعيٍ واضحٍ من خلال تمكين المجتمعات والاقتصادات المزدهرة.

ويمكن القول إن أهم المبادرات العلمية -في سياق معالجة أثر التغيرات المناخية على الموارد- هي رابطة المياه والطاقة والغذاء (WEF Nexus) التي تضع مختلف السياسات، وتدرس الروابط بين قطاعات الموارد الثلاثة هذه، جنبًا إلى جنب مع أوجه التآزر والصراعات والمفاضلات التي تنشأ عن كيفية إدارتها، أي الماء للغذاء، والغذاء مقابل الماء والطاقة، والمياه من أجل الطاقة، والغذاء من أجل الطاقة، والطاقة من أجل الغذاء. وهذه هي العلاقة الأمثل والأكثر منطقية.

إذ يصعب وضع استراتيجياتٍ فعالةٍ للتعامل مع موارد المياه على حدا دون النظر إلى استخدامات المياه في مجالات الغذاء كالزراعة (التي تستهلك حوالي 80% من المياه العذبة حول العالم) أو صناعة الأسمدة أو التغليف والنقل، إلخ. وكذا الحال في العلاقة بين الماء والطاقة، وبين الطاقة والغذاء؛ فالتداخل الكبير بين الموارد يمنع تجزئة المشكلة، ويصعب الحفاظ على موردٍ ما دون نظرةٍ كُليةٍ شاملةٍ للثلاثة معًا.

وتأخذ تلك النظرة جميع الظروف المحيطة من: تغيراتٍ مناخيةٍ، وزيادةٍ سكانيةٍ، وتلوثٍ بيئيٍ، وتغيرٍ في الأسعار العالمية، وغير ذلك. وتعد منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) أولى المنظمات الداعمة لتطبيق هذا المفهوم في استراتيجيات التعامل مع الموارد. وتصفه بالنهج الجديد لدعم الأمن الغذائي والزراعة المستدامة.

شكل (2): استراتيجية منظمة “الفاو” لتطبيق مفهوم “رابطة المياه والطاقة والغذاء”

(WEF Nexus)

ثالثًا: المستقبل بين الفرص والتحديات:

انتبهت مصر -في السنوات الأخيرة- للمخاطر السابقة لا سيما مع الزيادة السكانية المطردة منذ منتصف القرن العشرين، ومضاعفات التغيرات المناخية بالمنطقة. ومن هنا انتهجت مصر في استراتيجيتها للتنمية المستدامة “مصر 2030” خطواتٍ مؤسسيةٍ اصلاحيةٍ بصدد التعامل مع هذه الأزمة بجديةٍ، وضمان عدم تعارضها مع جهود التقدم. ومن هنا، اتجهت إلى عددٍ من المشروعات القومية بهدف زيادة مصادر الطاقة، والمياه، والثروات الغذائية.

ففي مجال الطاقة، اتجهت مصر إلى دعم مصادر الطاقة المتجددة خاصة الشمسية وطاقة الرياح، وذلك رغم الاستكشافات الحديثة لحقول الغاز المصري. وهو ما جعل مصر الأولى بمنطقة الشرق الأوسط في انتاجية الطاقة المتجددة، بل إنها تمتلك الآن محطةً للطاقة الشمسية هي الأكبر عالميًا؛ وهي محطة “بنبان” بأسوان. وفي مجال المياه، اتجهت مصر إلى دعم بناء محطات التحلية ومحطات معالجة الصرف الصحي الثلاثية وغيرها من المشروعات، بهدف زيادة مخزون المياه، مع استكمال المفاوضات مع دول حوض النيل وأثيوبيا بشأن سد النهضة.

إلا أن أزمة التغيرات المناخية وأثرها على الموارد، لا تخص دولةً بعينها، بل تعتبر أزمةً عالمية. وعليه، زخر عام 2019 بالتحركات الدولية لمجابهة تلك التغيرات. إذ أصبحت جميع دول العالم تقريبًا أطرافًا في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ(UNFCCC)  التي تهدف إلى منع التدخل البشري الخطير في نظام المناخ، وتتطلب تثبيت تركيزات الغازات الدفيئة في الجو عند مستوىٍ يمكن أن تتكيف فيه النظم الإيكولوجية بشكلٍ طبيعيٍ مع التغيرات المناخية، مع عدم الإضرار بالتنمية الاقتصادية. إلا أن السيناريو الحالي يدلل على عدم كفاية تعهدات الدول للحد من الاحترار في المستقبل.

كما أصبح البرلمان البريطاني أول برلمانٍ في العالم يعلن رسميًا عن حالة الطوارئ المناخية؛ قبل أن يصل العدد إلى تسعة دول في سبتمبر 2019، من بينها: المملكة المتحدة، وفرنسا، والأرجنتين. ثم لحق بهم البرلمان الأوروبي في نوفمبر من العام نفسه. ولكن على صعيدٍ أخر وفي نفس الشهر، أبلغت إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الأمم المتحدة بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس في عام 2020.

يواجه العالم عددًا من التحديات المختلفة التي تتعلق باستنفاد الموارد، والتغيرات المناخية، وإمكانية التنمية المستدامة، بالإضافة إلى عدة تحدياتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ. ولذا، تتزايد الحاجة إلى استراتيجياتٍ واضحةٍ لمواجهة تلك التحديات الآخذة في الازدياد. فلقد أصبحت الآمال معلقةً على حكومات العالم المختلفة لتلبية الاحتياجات الحالية المتزايدة للسكان، وتبني رؤيةٍ محددةٍ للتعامل مع تحديات المستقبل.

ومن المرجح أن تتزايد وطأة المشكلة في التزايد في عام 2020 والسنوات اللاحقة، وستزيد معها حتمًا تكلفة التأقلم مع عوارضها وحماية الشعوب من أخطارها، وبخاصةٍ في الدول الأكثر فقرًا. كما أن السياسات الانتقامية المتوقعة ما بعد جائحة “كوفيد-19” من الممكن أن تؤدي لتفاقم الوضع على المدى القريب في زيادة حدة التلوث والانبعاثات الكربونية الضارة بهدف سرعة استرجاع المعدلات الانتاجية للمصانع وانقاذ الاقتصاديات الصناعية الكبرى.

 (نقلا عن إصدار التغيرات المناخية: قضية الأمس، تحدي الحاضر، مخاطر المستقبل)

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة