تنمية ومجتمع

“المعلمون أولا”: التطوير المهني للمعلمين إلى أين؟

 في 2015 أطلقت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني برنامج “المعلمون أولاً” كبرنامج تدريبي قومي يستهدف تغيير سلوكيات المعلمين داخل الفصل من خلال إنشاء شبكة لمجتمعات الممارسة عبر منصة إلكترونية، واعتمدت الوزارة على نجاح النتائج المبدئية، والزخم الإيجابي للبرنامج كمحفز أساسي لدعم أجندتها لمشروع إصلاح التعليم المقدم للبنك الدولي عام 2017 . شجع نجاح برنامج المعلمون أولا على دمجه في خطة تطوير التعليم، وفق ما أكدته وثيقة البنك الدولي، التي اعتبرت البرنامج إطار عمل شامل للتطوير المهني المستمر للمعلمين وقادة التعليم والمشرفين ، لكن بعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على تنفيذ برنامج المعلمون أولا تم إيقافه. مما يثير تساؤلات…

د. إسراء علي
باحثة ببرنامج السياسات العامة

 في 2015 أطلقت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني برنامج “المعلمون أولاً” كبرنامج تدريبي قومي يستهدف تغيير سلوكيات المعلمين داخل الفصل من خلال إنشاء شبكة لمجتمعات الممارسة عبر منصة إلكترونية، واعتمدت الوزارة على نجاح النتائج المبدئية، والزخم الإيجابي للبرنامج كمحفز أساسي لدعم أجندتها لمشروع إصلاح التعليم المقدم للبنك الدولي عام 2017 . شجع نجاح برنامج المعلمون أولا على دمجه في خطة تطوير التعليم، وفق ما أكدته وثيقة البنك الدولي، التي اعتبرت البرنامج إطار عمل شامل للتطوير المهني المستمر للمعلمين وقادة التعليم والمشرفين ، لكن بعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على تنفيذ برنامج المعلمون أولا تم إيقافه. مما يثير تساؤلات حول ماهية البرنامج المعلمون ؟، وأسباب توقفه؟، وما هي نتائج تقييمه؟

“المعلمون أولا”

المعلمون أولاً هو برنامج لتدريب المعلمين بهدف التطوير المهني الذي يركز على تحسين سلوك المعلمين داخل الفصول الدراسية من خلال ممارسات تربوية حديثة تخضع للمراجعة والتقييم على مستويات مختلفة. تعاونت الوزارة بشكل وثيق مع شركة Imagine Education الدولية لتنفيذ البرنامج الذي تكون من أربع ركائز أساسية هي:

  • التطوير المهني المستمر Continuous Professional Development (CPD), 
  • تكوين مجتمعات الممارسين من المعلمين ويطلق عليهم (المعلمون السفراء),
  • التوجيه والتقييم والارشاد من خلال المنسقين والميسرين المعتمدين,
  •  استخدام منصة إلكترونية تدعى ((Lengo وتضم نظام تقييم ثلاثي (ذاتي، ونظير بالأقران، وموجه بالقادة التربويين والمدربين المعتمدين). 

اعتمد برنامج المعلمون أولاً على  إطار كفاءات اليونسكو للمعلمين، حيث تضمن المحتوى التدريبي خمس مباحث تدريبية، كل مبحث يضم عددا من الموضوعات التي تشتمل على عدد من الممارسات المهنية (السلوكيات التدريسية)، ولكل سلوك عدد من المؤشرات لقياس درجة اتقانه. يتناول المبحث الأول والخاص بالتنمية المهنية المستمرة موضوعان، الأول: عن المجتمعات المهنية ويضم سبعة سلوكيات مهنية لكل سلوك عدد من المؤشرات بإجمالي 18 مؤشر. والثاني: عن المعلم المفكر، ويضم ثلاث ممارسات مهنية و8 مؤشرات، ويوضح الجدول التالي الإطار التدريبي لبرنامج المعلمون أولاُ.   

وصلت أعداد المعلمين المتدربين ضمن البرنامج في مايو 2018 إلى أكثر من 45,000 معلم ومعلمة في 10 مديريات تعليمية مختلفة، كنواة لمجتمعات الممارسة الأساسية والموسعة بحسب الإحصاء الصادر عن موقع خريطة مشروعات مصر التابع لرئاسة مجلس الوزراء. أنشأت الوزارة شبكة ضخمة من منسقي البرنامج بالمديريات والإدارات التعليمية، وأسندت لهم مهام متعددة لتنفيذ ومتابعة ومراجعة وتقييم تقدم المعلمين ضمن البرنامج، وبحلول إبريل 2020 زادت أعداد المعلمين المتدربين ووصلت إلى أكثر من 800,000 معلم ومعلمة في 13,000 مدرسة  منتشرة في 21 محافظة.

وضع البنك الدولي خطته للتطوير المهني المستمر ضمن مشروع إصلاح التعليم في مصر في ضوء النتائج التي حققها برنامج المعلمون أولاً، فاستهدف المكون الخاص بالمعلمين وقادة التعليم في وثيقة البنك الدولي تحسين فعالية التعليم قبل الجامعي للمعلمين وقادة التعليم والمشرفين، وتحسين جودة نظام التطوير المهني المستمر (CPD)، حيث يدعم مشروع الإصلاح تصميم إطار عمل شامل للتطوير المهني المستمر للمعلمين وقادة التعليم والمشرفين، و إنشاء برنامج السلوكيات المهنية للمعلمين TPB) Teacher Professional Behavior) عن طريق تتبع خرائط الممارسات والسلوكيات المهنية للمعلمين والقادة التربويين والمشرفين على مستوى المديريات والإدارات التعليمية والمدارس؛ وتطوير برنامج السلوك المهني لقادة التعليم والمشرفين بما يتوافق وخطط الوزارة للتحول إلى نظام التطوير المهني المستمر. كما يرمي هذا المكون إلى إنشاء أساس للسلوكيات المهنية التي من خلالها يمكن تحسين محتوى التدريب التربوي، وخطط مجتمعات الممارسة والتعلم الفردي، ورصدها وتوثيقها باستخدام نظام النقاط، ونظام التتبع من خلال التقييم الذاتي، وتقييمات المشرفين المعتمدين عبر المنصة إلكترونية، كما هو منفذ في مبادرة المعلمون أولاً وبما يناسب خصائص المجتمع المصري.

تقييم التجربة

في أغسطس 2020، قررت الوزارة تفكيك شبكة التنسيق الميداني للبرنامج نظراً لإنتهاء التعاقد مع الشركة الأجنبية الاستشارية المنفذة، وتضمن قرار التفكيك حل مجموعات عمل التطوير المهني بالمديريات، وحل مثيلاتها بالإدارات التعليمية التابعة، بالإضافة إلى إلغاء مكاتب التنسيق الميداني بالمديريات، ومكاتب التيسير الميداني بالإدارات التعليمية، كذلك إنهاء أي تكليفات للمنسقين أو الميسرين الميدانيين للبرنامج سواء بالمديريات أو الإدارات التعليمية، وإلغاء انتدابهم أو مأموريات العمل ذات الصلة وعودتهم إلى مقار عملهم الأصلي. 

كان لهذه الاجراءات بعض الآثار السلبية أهمها زعزعة ثقة المعلم في برامج التطوير المهني، وخاصة بعد أن سحبت الشركة الاستشارية قاعدة بيانات المنصة الألكترونية، والتي تضم جميع أنشطة المعلمين. على صعيد متصل تتعارض هذه الاجراءات وخطة البنك الدولي، كما ورد بوثيقة الإصلاح، والتي ترمي إلى استحداث وحدة مركزية للتطوير المهني بالتنسيق الميداني مع المديريات والإدارات التعليمية؛ وربما كان من الممكن تعظيم الأستفادة من شبكة المنسقين والميسرين وتعديل مهامهم بما يتوافق وخطط الوحدة المستحدثة بدلاً من تفكيك تلك الشبكات وإنشاء أخرى من جديد.

كانت بعض الدراسات قد تناولت تقييم برنامج “المعلمون أولاً” منها دراستان صادرتان عن الجامعة الامريكية الأولى عام 2018 بعنوان “برامج تطوير المعلمين: التحليل النوعي / strengths weaknesses opportunities and challenges (SWOC) لمبادرة “التعليم أولا”” حيث أكدت نتائج هذه الدراسة  نجاح برنامج المعلمون أولاً كنموذج للتنمية المهنية المستمرة للمعلمين، والدراسة الثانية عام 2019 بعنوان” تصورات المعلمين لنوع التطوير المهني المستمر في مدرسة حكومية مصرية: دراسة استكشافية” حيث توصلت نتائج هذه الدراسة إلى أن اعتماد برنامج المعلمون أولاً على إطار كفاءات اليونسكو للمعلمين من أهم نقاط قوة البرنامج، بالإضافة إلى أن ربط مجتمعات الممارسة بمنصة تكنولوجية تفاعلية بتقييم ثلاثي المستويات قد ساهم في تطوير تفاعل ديناميكي مبني على تبادل الخبرات من خلال مشاركة فيديوهات الحصص الدراسية النموذجية، وطرائق التدريس المبتكرة، والمناقشات المفتوحة، وورش العمل، والندوات.

طبقت هذه الدراسة استبياناً شمل 150 معلم ومعلمة بالمدارس الحكومية بنسبة 62% إناث و37% ذكور، وكشف تحليل بيانات الاستبيان عن تجربة المعلمين الذين حضروا تدريبات برنامج المعلمون أولاً للتطوير المهني المستمر، حيث أقروا بفاعلية البرنامج في تبادل المعرفة وبناء المهنية عبر مجتمعات الممارسة، وتطور أدوارهم في نقل تجاربهم التربوية والمواقف التدريسية إلى المعلمين الآخرين، كما وضحوا تجربتهم في الاستفادة من منصة LENGO  ليس فقط لتحميل الدروس أو مقاطع الفيديو للتدريب على ممارسات تربوية أفضل في الفصل الدراسي، وإنما أيضاً للمنافسة على ابداع ممارسات تعليمية جديدة بهدف التطوير المهني في المقام الأول قبل التقييم.  

في سياق متصل أصدر البنك الدولي سبعة تقارير دورية لمراجعة مشروع إصلاح التعليم المصري منذ بدايته عام 2017 وحتى الوقت الحالي، وظلت نتائج مراجعة مكون المعلمون الفاعلون وقادة التعليم ببنوده الفرعية جميعها سلبية وفي مقدمتها المكون الأساسي الخاصة بتطوير وتنفيذ “إطار عمل التطوير المهني المستمر”، و في التقرير الخامس والصادر في يوليو 2020 لاحظ البنك الدولي أنه لم يحدث أي تقدم ملحوظ في مكون المعلمون الفاعلون وقادة التعليم، بسبب الآثار السلبية لجائحة كورنا ، وبالنظر إلى تلك التغييرات وتداعياتها على التطوير المهني للمعلم، فقد نوه التقرير عن احتمالية تقدم الوزارة بطلب إعادة هيكلة المشروع بما يتضمن المكون الخاص بالمعلمين، وتم تأكيد ذلك في التقرير السادس الصادرة في يناير 2021، وبالفعل في مارس 2021 تقدمت الوزارة بمقترح لإعادة هيكلة المشروع في مكونين منهم مكون المعلمين الفاعلين.

من الاستعراض السابق يتضح أن التطوير المهني للمعلمين مازال يحتاج إلى مزيد من الخطوات للدفع قدماً، فاستمرارية استخدام الممارسات التربوية القديمة التي تعتمد على الحفظ عن ظهر قلب واسترجاع المعلومات لم تعد تجدي نفعاً خاصة مع ما فرضته الجائحة من تفعيل للتعليم المدمج، والتعلم الإلكتروني، بالاضافة إلى أن تطوير المناهج في نظام التعليم الجديد (2.0) سيظل نجاح مخرجاته مرهون بتأهيل المعلمين على تنفيذ تلك المناهج. من جهة أخرى تحتاج الإجراءات الإدارية في هذا الصدد إلى مزيد من الدراسة والتحليل خاصة مع تعدد الكيانات المسؤولة عن تأهيل المعلم قبل الخدمة في كليات التربية، أو أثناء الخدمة من خلال الأكاديمية المهنية للمعلمين، والتي تتداخل اختصاصاتها مع الوحدة المركزية المنشود استحداثها في الوزارة لتنفيذ إطار التطوير المهني المستمر للمعلمين ضمن مشروع البنك الدولي لتطوير التعليم، كذلك تحتاج القوانين والقرارات المنظمة لعمليات التأهيل والتدريب إلى تقييم وإعادة تقويم للتناسب ومتطلبات الإصلاح، فضلاً عن أهمية مراجعة معايير اعتماد الكليات والمعاهد التربوية وخاصة مواصفات الخريج والتي تعود إلى عام 2009 ولم يطالها تنقيح أو تعديل حتى ذلك التاريخ، وختاماً تبقى جميع الاجراءات والخطط ذات الصلة بتأهيل وتدريب المعلمين مرهونة بدرجة استعدادهم للتغير ما يعني ضرورة حث دافعيتهم من خلال إتاحة الحوار وربط الحافز بمستوى الأداء. 

د. إسراء علي
باحثة ببرنامج السياسات العامة