وحدة التسلح

حرب الظل: هل تتجه أذربيجان وإسرائيل لتطويق إيران عسكرياً؟

  شهدت الحدود الشمالية الإيرانية العديد من التفاعلات الصراعية والتعاونية منها الصراع الأذريبجاني الأرميني الذي أنتج تعاون إسرائيلي تركي الأذريبجاني في مقابل تعاون أرميني إيراني وما شكله المحور الأول من تهديد قوي للمحور الثاني نظرا لغلبة موازين القوى العسكرية لصالح الأول، ويشكل البعد العسكري المحور الرئيسي لهذه التفاعلات حيث استغلت إسرائيل الجغرافيا السياسية لإيران ونقاط ضعف الاتجاه العسكري الشمالي للوصول إلى تطويق ايران، واتخذت أشكال التعاون العسكري محور قوة لتوطيد العلاقات مع  أذريبجان، وهو كان له الفضل الكبير في أن تكون موازين القوى لصالح أذريبجان لتطبق بذلك سياسة تطويقية موازية لما تقوم به ايران مع اسرائيل. وفى الوجه المقابل كانت ايران…

مروة أحمد سالم
باحثة دكتوراه متخصصة في الشأن الأمني والعسكري وزميل كلية الدفاع الوطني

  شهدت الحدود الشمالية الإيرانية العديد من التفاعلات الصراعية والتعاونية منها الصراع الأذريبجاني الأرميني الذي أنتج تعاون إسرائيلي تركي الأذريبجاني في مقابل تعاون أرميني إيراني وما شكله المحور الأول من تهديد قوي للمحور الثاني نظرا لغلبة موازين القوى العسكرية لصالح الأول، ويشكل البعد العسكري المحور الرئيسي لهذه التفاعلات حيث استغلت إسرائيل الجغرافيا السياسية لإيران ونقاط ضعف الاتجاه العسكري الشمالي للوصول إلى تطويق ايران، واتخذت أشكال التعاون العسكري محور قوة لتوطيد العلاقات مع  أذريبجان، وهو كان له الفضل الكبير في أن تكون موازين القوى لصالح أذريبجان لتطبق بذلك سياسة تطويقية موازية لما تقوم به ايران مع اسرائيل.

وفى الوجه المقابل كانت ايران تنظر إلى هذا الدور وتسعى إلى تقويضه من خلال توطيد العلاقات مع أرمينيا كل تلك التفاعلات ولدت أزمات متواترة ما بين مناورات حدودية وتصريحات تصعيدية من قبل الطرفين، انتهت بتهدئة شكلية واعادة ترتيب الأوراق من قبل إيران بالأخص ومن قبل أذريبجان وإسرائيل بشكل عام.

الجغرافيا السياسية وسياسة التطويق الإسرائيلي لإيران:  

تعتبر الطبيعة الجغرافية التي تضم دول حدودية  صراعية منها تركيا وأرمينيا، وأرمينيا أذريبجان أرض خصبة للتحالفات العسكرية، ومرتع قوي للدور الاسرائيلي الأخير الداعم لأذريبجان عسكريا ضد أرمينيا في حربها الأخيرة باقليم ناغورنو قره باخ،  في الوجه المقابل دعمت إيران أرمينيا في إطار خلق حالة من التوازن. وتشترك إيران وأذربيجان في حدود طولها 700 كيلومتر وهي نقطة ضعف شمالية إذا مثلت تهديد عسكري مباشر في ظل طبيعة التسليح الإيراني الذي يتسم بالطابع الهجومي أكثر منه دفاعي في ضوء استراتيجية أعم وهي الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، وتتكون تلك الحدود من قسمين غير متجاورين يفصل بينهما الحدود الأرمينية الإيرانية، ويقع اقليم ناغورنو قره باخ في قلب الأراضي الأذربيجانية. وتبلغ مساحة الإقليم 4,800 كم2 ويبعد عن باكو عاصمة أذربيجان حوالي 270 كم غرباً، حيث تغلب على الإقليم الطبيعة الجبلية وهو ما جعل طبيعة ونمطية التسليح الأذريبجاني يندرج حول الطائرات بدون طيار والمدفعية الصاروخية وهو بمثابة مدخل قوي للدور الاسرائيلي.

من المنطلق السابق فان السياسة العسكرية الإسرائيلية هي سياسة هدفها تطويق إيران لخلق أوراق ضغط أكثر قوة ضد إيران في مقابل تطويق إيران لإسرائيل من خلال سوريا ولبنان وغزة. مستغلة بذلك مخاوف إيرانية من بروز النزعة الانفصالية بين الأقلية الأذربيجانية التي تمثل أكثر من ربع سكانها، خصوصاً أن هذه الأقلية دعمت باكو في حرب ناغورنو قره باخ عام 2020 بالتالي ستعمل إيران على تجنب تأجيج أية اضطرابات انفصالية إذا ما تفاقمت حدة التوترات، بالإضافة إلى ذلك سيستتبع أي قتال تدخل تركيا الحليف لاسرائيل والعضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي وقعت اتفاقية دفاع مشترك مع أذربيجان، وتعهدت بموجبه بتقديم المساعدة  في حالة الهجوم، وبالتالي أصبحت الأجواء المحيطة بأذريبجان بيئة خصبة لتدخل اسرائيل كقوة عسكرية مؤثرة على المواقف السياسية الأذريبجانية تجاه إيران في ظل دعم طهران لأرمينيا.

مؤشر الانفاق العسكري واتجاهات التنافس الروسي  والإسرائيلي التركي

 أعطىت أذريبجان وأرمينيا الأولوية لبناء قدراتهما العسكرية. ويتضح  حقيقة أن الإنفاق العسكري لأرمينيا في عام 2020 شكل 4.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي وأذربيجان بنسبة 5.4 في المائة، ففي عام 2020، أنفقت أرمينيا 634 مليون دولار وأذربيجان 2238 مليون دولار، وأشار الكثير من الخبراء أن ارتفاع الانفاق مؤشرا على اندلاع الحرب بين البلدين.  وكان اتجاه البلدين للاستيراد لمساعدتهما  لتوسيع ترساناتهما وتطويرها نظرًا لعدم وجود صناعة أسلحة كبيرة في أرمينيا أو أذربيجان، كانت روسيا أكبر مصدر للأسلحة الرئيسية لكل من أرمينيا وأذربيجان خلال الفترة من عام 2011-20. فقد زودت أرمينيا بجميع الأسلحة الرئيسية لأرمينيا تقريبا خلال هذه الفترة وما يقرب من ثلثي الأسلحة الأذربيجانية. فقد كانت كل من إسرائيل وبيلاروسيا وتركيا، على التوالي ، ثاني وثالث ورابع أكبر موردي الأسلحة الرئيسية لأذربيجان في الفترة من عام 2011-20، وعلى الرغم من قيام روسيا بدور الوسيط الرئيسي في الصراع بين البلدين لكنها استحوذت على 94 في المائة من واردات أرمينيا من الأسلحة الرئيسية و 60 في المائة من واردات أذربيجان وهو ما أعطى لها مساحة للعب دور الوسيط في الصراع.

وتضمنت الشحنات الروسية إلى أرمينيا ناقلات جنود مدرعة وأنظمة دفاع جوي وقاذفات صواريخ ودبابات متعددة وكلها استخدمت في حرب 2020. ومن بين عمليات التسليم صواريخ إسكندر سطح – أرض بمدى 300 كيلومتر، والتي قدمتها روسيا في عام 2016. استخدمت أرمينيا أحد هذه الصواريخ ضد هدف في عمق أذربيجان خلال حرب 2020. كانت هناك أيضًا تقارير تفيد بأن أرمينيا أطلقت صواريخ Smerch، التي زودتها بها روسيا في عامي 2016-2017 ، على المدن الأذربيجانية. كما سلمت روسيا أربع طائرات مقاتلة من طراز Su-30SM إلى أرمينيا في عام 2019. وفي حين أن هذه الطائرات لديها القدرة على تعزيز القدرة الهجومية لأرمينيا بشكل كبير ، إلا أنه لا يبدو أنها استخدمت  جميعا خلال الحرب.

تضمنت الإمدادات الروسية لأذربيجان المركبات المدرعة وأنظمة الدفاع الجوي وطائرات الهليكوبتر للنقل والقتال والمدفعية وقاذفات الصواريخ المتعددة والدبابات، وتم استخدام جميع أنواع الأسلحة هذه خلال حرب 2020 على ناغورنو كاراباخ. على سبيل المثال ، كانت هناك تقارير تفيد بأن بعض المركبات المدرعة الأذربيجانية التي قدمتها روسيا قد تضررت أو دمرت بسبب أنظمة الصواريخ الأرمينية المضادة للدبابات والمدفعية التي قدمتها روسيا،كما زودت الأخيرة أذريبجان بقاذفات صواريخ متعددة Smerch في عام 2013.

 وبدأت إسرائيل تبرز على الساحة مستحوذة على 27 في المائة من واردات أذربيجان من الأسلحة الرئيسية كثاني أكبر مورد بعد روسيا  خلال الفترة 2011-20 وزادت إلى 69 في المائة من واردات أذربيجان من الأسلحة الرئيسية في الفترة 2016-2020، ومن بين الأسلحة الرئيسية التي قدمتها إسرائيل الذخائر المتسكعة والطائرات الجوية  بدون طيار والصواريخ الموجهة والصواريخ الباليستية التي استخدمت في حرب عام 2020 مع أرمينيا.

 وفي نفس السياق صدّرت تركيا السلاح لأذريبجان قبل الحرب وأثنائها حيث شكلت تركيا 2.9 في المائة من واردات أذربيجان من الأسلحة الرئيسية خلال الفترة من 2011-20. وشملت عمليات التسليم من تركيا إلى أذربيجان في هذه الفترة مركبات دورية مدرعة ومدفعية صاروخية وصواريخ وطائرات بدون طيار مسلحة ولعبت دورا مهما في الساحة القتالية لصالح أذريبجان وهو ما زود الهاجس الأمني لدى ايران.

السلاح الاسرائيلي والتركي ودوره في حرب 2020

لعب السلاح الاسرائيلي والتركي دورا مهما في حرب 2020 فمن المعروف أن إسرائيل كانت تُصدر 69٪ من واردات أذربيجان من الأسلحة في الأعوام الأخيرة ويعود ذلك إلى اعتماد إسرائيل على النفط من أذربيجان مقابل تصدير السلاح ولجعل المنطقة تهديدا مشترك تجاه إيران، فقد لعبت الطائرات الإسرائيلية بدون طيار مثل HAROP دورًا في الحرب بين المقاتلين الأذربيجانيين، وبحسب التقارير الاخبارية تم استخدامها في مناوشات حدودية في عام 2016 وشهدت استخدامًا واسع النطاق في عام 2020. بالإضافة إلى ذلك ، تمتلك أذربيجان العديد من طائرات الاستطلاع الإسرائيلية هيرميس 900. ويُذكر أن الطائرات بدون طيار التي قدمتها إسرائيل لعبت دورًا كبيرا في التفوق العسكري لأذربيجان على أرمينيا خلال حرب عام 2020.

 بالإضافة إلى ذلك زودت إسرائيل أذربيجان بالصواريخ الباليستية الموجهة أرض – أرض (بمدى 430 كم) في عام 2018. جاء ذلك بعد فترة وجيزة من قيام روسيا بتزويد أرمينيا بدفعة من صاروخ مماثل من نوع إسكندر. و زودت إسرائيل أيضًا نظام الدفاع الجوي والصاروخي Barak-8 لأذربيجان في عام 2016، والتي  أسقطت صاروخًا أرمينيًا إسكندر في عام 2020. أما السلاح التركي  فقد تضمن الطائرات بدون طيار المسلحة، التي تم تسليمها قبل وقت قصير من حرب 2020 ، وما لا يقل عن خمس طائرات بدون طيار من هذا الطراز Bayraktar-TB2 مسلحة بقنابل موجهة من طراز MAM-L. ، وقد حظي استخدام هذه الطائرات بدون طيار خلال الحرب باهتمام كبير، كما ذكرت الصحف وجود قاذفات صواريخ متعددة من طراز TRG-300 التركية في مواقع ذات أهمية استراتيجية للهجوم الأذربيجاني في ناغورنو كاراباخ في عام 2020.

سارت حرب 2020 بتكتيكات أقرب إلى حرب العراق وإيران في الثمانينيات التي اعتمدت على الضرب الصاروخي لأهداف معينه دون الدخول البري والتي سميت بحرب المدن، وهنا أثبتت الحرب مدى دقة إصابة السلاح الاسرائيلي وهو بمثابة اختبار للسلاح من قبل اسرائيل سواء الطائرات بدون طيار أو السلاح الصاروخي، بالتالي فان الأسلحة غير المتكافئة من الناحيتين الكمية والنوعية، غيرت التوازن العسكري بين الدولتين، واستمرت الحرب ست أسابيع استطاعت بعدها أذريبجان الاستيلاء عل الاقليم، وقد أثر كل ما سبق الهواجس الأمنية لدى ايران وتواترت الأزمات بين الجانبين.

إيران وأوراق المعادلة  العسكرية الإقليمية: 

توالت الأزمات بين الطرفين ما بين تصريحات تصعيدية وتبادل الاتهامات وما بين سلوك ممثل في قطع الشاحنات الايرانية الذاهبة لأرمينيا وفرض رسوم عليها وما بين المناورات العسكرية الحدودية للجانبين الأذري والايراني، الأمر الذي عكس المخاوف الايرانية من تشغيل الأراضي الأذريبجانية لأي هجمات ضد إيران أو الاستخدام الاستخباراتي الإسرائيلي لأذريبخان لمعرفة أهداف ايرانية يمكن تصفيتها خاصة في ظل تواجد أقليات أذريبجانية تمثل 10 ملايين من الشعب الايراني لديها القدرة على تأجيج الوضع الأمني والمطالبة بالانفصال في أي وقت، بالتالي فإن تمكين إسرائيل من الإقليم الشمالي بمثابة ورقة ضغط قوية ضد إيران في ظل التحالف مع تركيا التي وقعت اتفاقية دفاع مشترك مع أذريبجان.

 بالتالي تعتبر إيران أذربيجان وكيلة لإسرائيل، وهو ما قد يفسر سبب تسمية إيران لأكبر مناوراتها العسكرية البرية في السنوات الأخيرة على الحدود الإيرانية الأذرية “غزاة خيبر أذربيجان” فهي تشير إلى باب قلعة يهودية قديمة في شبه الجزيرة العربية احتلها الإمام علي، بابها من وجهه النظر الايرانية هو ممر زانجيزور الذي اقترحته أذربيجان لربط بقية البلاد بجيبها ناختشيفان عبر منطقة سيونيك الجنوبية في أرمينيا. يمكن أن يكون المعبر بوابة لدخول إسرائيل  المباشر إلى القوقاز، وبالتالي يهدد وحدة أراضي أرمينيا وإيران، الأمر الذي جعل قوات الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) تقوم  بتمرينا تكتيكيا على الحدود بعد التدريب الذي أقامته باكو وتركيا واسرائيل وذلك بإرسال الحرس الثوري مئات الكتائب القتالية، بما في ذلك المشاة والمدفعية الصاروخية ووحدات الحرب المدرعة والإلكترونية. وانتشرت القوات البرية في أقل من ثمان وأربعين ساعة وهو انتشارا غير تقليدي  وعندما أعلن الحرس الثوري الإيراني انتهاء التدريبات العسكرية، ترك الكتائب المقاتلة الواقعة على حدود المنطقة الحدودية في حالة تأهب.

على الجانب الأخر ثمة هاجس أمني أذريبجاني ممثل في تدعيم ايران إلى أرمينيا ضد أذريبجان بالاضافة إلى التوافق القوي بين روسيا اللاعب الاقليمي القوي وبين ايران حيث تمتلك روسيا قاعدة عسكرية في أرمينيا، وهناك اتفاق دفاعي بين البلدين، وعلى الرغم من التهدئة ومحاولة ايران في الآونة الأخيرة فتح علاقات مع أذريبجان وتركيا إلا أنه من المتوقع أن يرتفع مستوى العمل الاستخباراتي الإيراني في تللك المنطقة خاصة أذريبجان وربما يكون العمل الداخلي أقوى بكثير، وستسعى إلى خلق نفوذ إيرانية عالية في تلك المنطقة بمساعدة رووسية. 

في النهاية، ستظل تلك المنطقة بؤرة صراع اقليمي بين أرمينيا وأذريبجان ترتفع حدتها تارة وتنخفض تارة ولن تكون حرب 2020 هي الأخيرة  وسيرتفع العمل الاستخباراتي بين الأطراف الاقليمية سواء أكان المحور الاسرائيلي الأذريبجياني التركي أو الايراني الروسي الأرميني، وستشهد محاولات اقليمية لايران لاستعادة نفوذها الاقليمية في الشمال، مع تشديد الحماية الحدودية وقد تسعى إلى تطوير استراتيجيتها الدفاعية في وقت لاحق. 

مروة أحمد سالم
باحثة دكتوراه متخصصة في الشأن الأمني والعسكري وزميل كلية الدفاع الوطني