شهدت مصر في أعقاب ثورة الثلاثين من يونيو 2013 موجة إرهابية ضخمة مدفوعة بممارسات جماعة الإخوان الإرهابية التي خاضت ما اعتبرته “معركة وجود” ضد مؤسسات الدولة المصرية بعد الإطاحة بحكمها. حيث جعلت كافة أطياف الشعب المصري ومؤسساته هدفًا مشروعًا لعملياتها الإرهابية، فراحت تستهدف المؤسسات الأمنية والقضائية والدينية بضربات دامية هدفت من خلالها إلى إضعاف أدوارها وزعزعة الثقة في قدراتها، فضلًا عن إشاعة الفوضى في ربوع البلاد. وأثرّت البيئة الإقليمية المضطربة على حالة الإرهاب في مصر بطريقة أقل مباشرة، حيث وفرت الصراعات في سوريا والعراق وليبيا أسواقًا تغذي التدفقات العابرة للحدود للمقاتلين والأسلحة ورؤوس الأموال.
وترتيبًا على المشهد السابق، تكبدت مصر كلفة بشرية ومادية باهظة إبان حربها لهزيمة الإرهاب، واستعادة حالة الأمن والاستقرار اللازمة لتثبيت أركان الدولة المصرية ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ بلغت على الصعيد البشري 3277 شهيدًا، إضافة إلى 12 ألف و280 مصابًا. أما على الصعيد المادي، فقد قُدرت التكلفة بحوالي 84 مليار جنية حتى عام 2017، بتكلفة شهرية قدرها مليار جنية حسبما أفاد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في إبريل الماضي.
وانطلاقًا من ضخامة التهديد الإرهابي، اتخذت مصر نهجًا شموليًا في مكافحة الإرهاب، لم يقتصر على الجوانب الأمنية للظاهرة، بل تناول أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والتنموية، فضلاً عن أسبابها الجوهرية الأيديولوجية والفكرية. وتسلط تلك الورقة الضوء على النجاحات التي حققتها مصر في مسيرة هزيمتها للإرهاب، فضلًا عن استعراض أبرز أبعاد الاستراتيجية المصرية لمحاربة الإرهاب والفكر المتطرف.
مؤشرات دالّه
عكست العديد من المؤشرات، نجاح التجربة المصرية في الحرب على الإرهاب، وتحولّها إلى نموذجًا رائدًا في مجال مكافحة التنظيمات الإرهابية إقليميًا ودوليًا، وفيما يلي أبرز هذه المؤشرات:
• إشادت دولية عديدة: حظيت الجهود المصرية في ملف محاربة الإرهاب والفكر المتطرف بإشادة العديد من دول العالم، وهو ما عكسته العديد من التقارير والمؤشرات الدولية المتعلقة بظاهرة الإرهاب والتي أقرت في غير موضع بنجاح المقاربة المصرية في التصدي لظاهرة الإرهاب العابر للحدود. أحدث مؤشرات ذلك، تقرير صدر في فبراير العام الجاري، عن مجلس الأمن الدولي حول التهديد الذي يشكله تنظيم داعش للسلام والأمن الدوليين؛ إذ أشار التقرير إلى انخفاض نشاط تنظيم أنصار بيت المقدس في مصر، لافتًا إلى أنه منذ عام 2019 لم يُنسب أي هجوم إرهابي إلى تنظيم داعش أو تنظيم القاعدة في مصر، فضلًا عن أن التنظيمين لم يعلنا مسؤوليتهما عن أي هجوم، وأرجع التقرير الفضل في ذلك إلى عمليات مكافحة الإرهاب، وإلى مبادرة لدعم انشقاق قادة تنظيم أنصار بيت المقدس، والتي أضعفت الروح المعنوية لعناصر التنظيم، وعززت الانطباع بأن الجماعة آخذة في الانحسار، فضلًا عن الاستثمارات العامة في مجالات البنى التحتية والنقل والإسكان في سيناء.
• انخفاض إجمالي أعداد العمليات الإرهابية: جسّدت الأرقام الرسمية المرصودة تدني أعداد الهجمات الإرهابية في مصر بشكل كبير للغاية، فبعد أن شهدت البلاد نحو 39، و222، و594، و199، و50، و8، و4 عملية إرهابية، خلال الأعوام 2013، و2014، و2015، و2016، و2017، و2018، و2019، على الترتيب، اختفت العمليات الإرهابية بشكل كامل في المحافظات الداخلية خلال العاميين الماضيين 2020 و2021، كما أسفرت جهود القوات الأمنية المعنية بمكافحة الإرهاب من خلال العملية الشاملة في سيناء 2018 عن تدمير وتطويق البؤر الإرهابية في مثلث رفح والعريش والشيخ زويد بشمال سيناء، فضلًا عن ضرب البنية التنظيمية للعناصر التكفيرية من خنادق وأوكار وأنفاق ومخازن للأسلحة وغيرها من المعدات اللوجستية التي تم ضبطها بحوزة العناصر الإرهابية. وهو ما يتضح من الشكل التالي:
الشكل 1- عدد العمليات الإرهابية 2013-2019
المصدر: الهيئة العامة للاستعلامات.
• تراجع تصنيف مصر في مؤشر الإرهاب العالمي: بدءًا من عام 2018، خرجت مصر من قائمة الدول العشر الأكثر تأثرًا بالإرهاب عالميًا في تصنيف مؤشر الإرهاب العالمي الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام الدولي، والذي يقدم ملخصًا شاملًا للاتجاهات والأنماط العالمية الرئيسة للإرهاب سنويًا. حيث تراجعت مصر في النسخة التاسعة للمؤشر المنشورة بتاريخ 1 مارس 2022، إلى المرتبة الخامسة عشر بعد أن حلت في المرتبة التاسعة عام 2017، وأرجع المؤشر الفضل في ذلك إلى جهود القوات المسلحة المصرية في التصدي لظاهرة الإرهاب.
• تقدم نوعي في مجال مكافحة جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب: أولت الدولة المصرية اهتماما بالغًا بوضع استراتيجية فعّاله للتعاطي مع عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كجزء أساسي في معركتها ضد الإرهاب، حيثُ أثبتت التجارب العملية في هذا الشأن أن وقف تدفق المعاملات المالية الممولة للنشاط الإرهابي تُعد من أكثر المقاربات فعاليًة لشل حركة التنظيمات الإرهابية ومن ثم تطويقها والقضاء عليها. وجاءت التدابير والسياسات التي وضعتها مصر للوفاء بالتزاماتها الدولية بشأن مكافحة تمويل الإرهاب كافية ومتسقة مع الأطر والمعايير التي وضعتها المنظمات الدولية؛ إذ انتهي تقييم صادر مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مايو 2021 إلى أن مصر تستوفي هذه المعايير، وحصلت على درجات تقييم مرتفعة في جهود محاربة تمويل الإرهاب، من خلال الدور الذي تقوم به وحدة مكافحة غسيل وتمويل الإرهاب بالمشاركة مع كافة الجهات المعنية.
• إلغاء حالة الطوارئ: أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكتوبر 2021 وقف تمديد حالة الطوارئ، المفروضة على جميع أنحاء البلاد منذ عام 2017، وهو الإعلان الذي عُدّ من قبل العديد من الخبراء بمثابة تتويج لجهود الدولة التي استمرت طيلة السنوات السبع الفائتة لدحر الإرهاب. كما أنه يحمل في طياته مؤشرات عديدة تشي بأن الدولة المصرية تمتلك من مقومات القوة الشاملة ما يؤهلها لمجابهة كافة التحديات الداخلية والخارجية، وفرض معادلة الاستقرار الأمني الشامل في كافة أرجاء البلاد.
مجابهة شاملة
نجحت مصر في حربها ضد الإرهاب عبر تبنيها مقاربة شاملة، استطاعت من خلالها ضرب الأسس الفكرية للإرهاب، وتجفيف منابع التمويل المادي والدعم اللوجستي، وتأمين الحدود، وملاحقة وتصفية أعداد كبيرة من العناصر التكفيرية، فضًلا عن خلخلة وإضعاف بنية التنظيمات الإرهابية الجديدة التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية المتمثلة في تنظيمي حسم ولواء الثورة داخل العمق المصري في الوادي والدلتا. وفيما يلي أبعاد الاستراتيجية المصرية للتعاطي مع ظاهرة الإرهاب، وفقًا لما ورد بالنسخة الثانية من “ التقرير الوطني لجمهورية مصر العربية حول مكافحة الإرهاب لعام 2021″:
• ضرب الأساس الفكري للإرهاب: رغم الهزيمة المكانية لتنظيم داعش الإرهابي في معاقله التقليدية بسوريا والعراق بفعل الآلة العسكرية بقيادة قوات التحالف الدولي، إلا أنه لا يزال الفاعل الأهم على الساحة الإرهابية انطلاقًا من استمرارية جاذبية أيدولوجيته، التي مكنته من استقطاب عناصر جديدة. وهو ما يبرز أهمية تفكيك الأسس الأيدولوجية والفكرية التي تنطلق منها تلك التنظيمات. ومن هذا المنطلق، اهتمت مصر بصياغة مقاربة فكرية شاملة لدحض الآراء المتطرفة والفتاوي التكفيرية والتفسيرات المشوهة والخاطئة التي تستند إلى الفكر التكفيري الذي تروج له التنظيمات الإرهابية، وذلك عبر إطلاق المبادرات الرئاسية لتصويب لخطاب الديني، إلى جانب تعزيز الدور الذي تقوم به المؤسسات الدينية المنوطة بهذا الشأن، وعلى رأسها الكنيسة، ووزارة الأوقاف ومؤسسة الأزهر الشريف.
• الجهود الأمنية: لعبت المواجهات الأمنية التي قامت بها قوات مكافحة الإرهاب المصرية دورًا فعالًا في كسر شوكة التنظيمات الإرهابية، وتدمير قدراتها العسكرية، وقتل قياداتها، وتطويق نطاق امتداد نشاطها الإرهابي. حيث أسفرت الضربات العسكرية التي وجهتها قوات الجيش والشرطة ضد معاقل العناصر التكفيرية، كالعملية “حق شهيد” و “العملية الشاملة –سيناء 2018” عن تطويق العناصر الإرهابية لاسيما بشمال سيناء، واجهاض بنيتها التحتية عبر تدمير المعدات اللوجستية التي تستخدمها من مخازن للأسلحة والعبوات الناسفة وأنفاق وخنادق وغيرها. وكان العامل الأساسي في نجاح هذه الضربات، هو اعتمادها على محورين أساسيين. الأول، توجيه ضربات استباقية للتنظيمات الإرهابية لتقويض قدراتها التنظيمية. والثاني، سرعة تعقب وضبط مرتكبي الجرائم الإرهابية باستخدام التقنيات الحديثة.
• الجهود التنموية: بالتوازي مع الجهود الأمنية المبذولة، عملت كافة مؤسسات الدولة على تنفيذ جمله من المشروعات العملاقة والاستثمارات التنموية في مختلف القطاعات، ومن ذلك، تخصيص نحو 10 مليارات جنية لتنمية ومكافحة الإرهاب على أرض سيناء. يأتي هذا انطلاقًا من الدور الرئيس الذي تلعبه التنمية في تشكيل بيئة طاردة للفكر المتطرف، وهو ما ترجمته جهود مؤسسات الدولة التي عكفت على تطوير البنية التحتية والنهوض بالاقتصاد المصري ومؤشراته، إلى جانب اعتماد مبادرات لتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، لاسيما في مجالات تمكين المرأة والشباب والصحة والتعليم، ومنها برنامج “تكافل وكرامه”، ومبادرة “حياة كريمة”، ومشروعات المياه والصرف الصحي، والمشروعات الزراعية واستصلاح الأراضي.
• المواجهة التشريعية: انطلاقًا من النص الدستوري الخاص بالتزام الدولة بمواجهة الإرهاب بكافة صورة وأشكاله، وتعقب مصادر تمويله. صاغ المُشرع المصري حزمة متكاملة من التشريعات الوطنية تتسق مع التزامات مصر الإقليمية والدولية المعنية بمكافحة الإرهاب. ومنها على سبيل المثال: القانون رقم 94 لسنة 2015 لـمُكافحة الإرهاب، والقانون رقم 80 لسنة 2002 بشأن مكافحة غسيل الأموال، والقانون رقم 175 لسنة 2018 الخاص بمكافحة جرائم التنقية المعلوماتية والذي جاء ليشدد الحصار على الجرائم الإرهابية، والقانون رقم 14 المعدل بالقانون رقم 95 لسنة 2015 بشأن التنمية المتكاملة لشبة جزيرة سيناء.
ختامًا، رغم لجوء فلول التنظيمات الإرهابية لتنفيذ عمليات يائسة بين الحين والآخر فإنه لا يمكن تجاهل ما حققته القوات المسلحة من إنجازات ملموسة في محاربة الإرهاب خلال 4 سنوات منذ انطلاق العملية الشاملة في نوفمبر 2018 وحتى الآن، حيث نجحت في تطويق خطر الإرهاب في الحواضن التقليدية في مثلث رفح والعريش والشيخ زويد مما ألجا العناصر الإرهابية إلى البحث عن النقاط الرخوة بمعني استهداف مناطق لا تحظي بتواجد عملياتي كبير، على غرار الهجوم على إحدى محطات رفع المياه شرق القناة.
باحث أول بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة































