الدراسات الاقتصادية

انعكاسات ارتفاع التضخم على معدلات الفقر

تشهد معدلات التضخم ارتفاعًا ملحوظًا في الفترات الأخيرة، لتصبح مشكلة عالمية، سواء على مستوى الاقتصادات المتقدمة أو الناشئة والتي بلغ بها التضخم أعلى معدلاته منذ عام 2011، حيث يتجاوز اليوم المستويات المستهدفة في أكثر من نصف هذه الاقتصادات التي لديها إطار لتحديد أهداف التضخم. إذ أدى تزايد النشاط الاقتصادي، واضطراب سلاسل الإمداد، والارتفاع الحاد في أسعار السلع الأولية معًا في عام 2021، إلى دفع التضخم العالمي إلى أعلى مستوياته منذ عام 2008، فقد شهدت أسعار المواد الغذائية العالمية ارتفاعًا لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ ما يقرب من عقد من الزمان، حيث قفز مؤشر أسعار الغذاء الشهري لمنظمة الأمم المتحدة…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

تشهد معدلات التضخم ارتفاعًا ملحوظًا في الفترات الأخيرة، لتصبح مشكلة عالمية، سواء على مستوى الاقتصادات المتقدمة أو الناشئة والتي بلغ بها التضخم أعلى معدلاته منذ عام 2011، حيث يتجاوز اليوم المستويات المستهدفة في أكثر من نصف هذه الاقتصادات التي لديها إطار لتحديد أهداف التضخم.

إذ أدى تزايد النشاط الاقتصادي، واضطراب سلاسل الإمداد، والارتفاع الحاد في أسعار السلع الأولية معًا في عام 2021، إلى دفع التضخم العالمي إلى أعلى مستوياته منذ عام 2008، فقد شهدت أسعار المواد الغذائية العالمية ارتفاعًا لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ ما يقرب من عقد من الزمان، حيث قفز مؤشر أسعار الغذاء الشهري لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، وهو معيار للسلع الزراعية المتداولة عالميًا، ليتجاوز 30٪ في أغسطس 2021 مقارنة بعام 2020. كما ارتفعت أسعار الطاقة، التي تُعد السبب الرئيسي للتضخم، بنسبة 38% في أوروبا خلال شهر أبريل و45% في مارس، بينما بلغت نسبة التضخم في منطقة اليورو 3.8% في شهر أبريل باستثناء ارتفاع أسعار الطاقة.

وبلغت نسبة التضخم في أسعار المواد الاستهلاكية على مستوى الاقتصادات المتقدمة نحو 8.3% في الولايات المتحدة، بينما بلغت في منطقة اليورو 8.1%، مدفوعةً بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. وتكشف مؤشرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن تراجع ثقة المستهلكين على مستوى العالم وخصوصًا في الاقتصادات المشمولة في استبيان المنظمة. كما كشفت أحدث البيانات عن تباطؤ مبيعات قطاع التجزئة على نطاق واسع، وهو ما يعكسه الشكل التالي.

https://www.mckinsey.com/~/media/mckinsey/business%20functions/strategy%20and%20corporate%20finance/our%20insights/global%20economics%20intelligence%20executive%20summary%20may%202022/png-geimay22-ex1_ara.png

وأشارت مؤسسة ماكينزي إلى تفاقم التضخم الاستهلاكي في الاقتصادات الناشئة في كل من (الصين، والهند، والبرازيل، وروسيا) وهو ما يعكسه الشكل التالي.

https://www.mckinsey.com/~/media/mckinsey/business%20functions/strategy%20and%20corporate%20finance/our%20insights/global%20economics%20intelligence%20executive%20summary%20may%202022/png-geimay22-ex2_ara.png

وانعكاسًا للارتفاع الكبير في معدلات التضخم العالمي وتصاعد أسعار الفائدة، من المتوقع أن يتراجع النمو الاقتصادي العالمي في عام 2022. وتكشف آخر تنبؤات للبنك الدولي المنشورة في يونيو 2022 عن تباطؤ معدلات النمو العالمي بشكل حاد في عام 2022 لتصل إلى 2.9% مقارنة بنحو 5.7% في عام 2021. كما قد تتسبب في حدوث انتكاسة كبيرة في مسار نمو وجهود الحد من الفقر في الاقتصادات النامية.

وتجدر الإشارة إلى أن ارتفاع معدلات التضخم يؤدي إلى تفاقم عدم المساواة والفقر لأن تأثيره على دخل الأسر الأفقر أو متوسطة الدخل ومدخراتها يكون أشد مقارنة بالفئات الأغنى؛ فالأسعار المرتفعة يمكن أن تؤدي إلى تآكل قيمة الأجور والمدخرات الحقيقية، مما يجعل الأسر أكثر فقرًا.

إن الآثار السلبية لارتفاع التضخم قد تصيب الفقراء أكثر من غيرهم لأنهم يحتفظون بمعظم أموالهم نقدًا، ويعتمدون اعتمادًا كبيرًا على دخلهم من الأجور، وإعانات الرعاية الاجتماعية، ومعاشات التقاعد؛ إلا أن الشعور بهذه الآثار يتفاوت من فئة إلى أخرى؛ حيث يكون تأثير التضخم على الأسر الأشد فقرًا أقل وطأة كونها تعتمد بشكل رئيسي على الدخل غير النقدي مثل الزراعة التي تحقق حد الكفاف، أو المقايضة التي قد تكون أقل عرضة لمخاطر التضخم، وفي المقابل تكون الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل أكثر عرضة لمخاطر ارتفاع معدلات التضخم بسبب تركيبة دخلهم، وما لديهم من ممتلكات وأموال نقدية، وأنواع سلة سلعهم الاستهلاكية. 

ويتضح هذا جليًا عند مقارنة نمط إنفاق الأسر الأدنى دخلًا والتي تنفق نحو 50% من دخلها للحصول على المواد الغذائية. أما الأسر الأعلى دخلًا، فلا تتجاوز نسبة إنفاقها على المواد الغذائية 20% من دخلها، وهو ما يعكسه الشكل التالي.

الشكل 3. تركيبة الإنفاق الاستهلاكي، حسب شرائح الدخل

أثر ارتفاع معدلات التضخم المحلية والعالمية على نسب الفقر المحلية والإقليمية

وصل معدل التضخم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 14.8% في 2021 مرتفعًا بدرجة كبيرة عن المتوسط البالغ 7.3% بين عامي 2000 و2018، وذلك وفقًا لما أظهرته تقارير صندوق النقد الدولي الصادرة في عام 2022. ووفقًا لبيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، يعتمد ما يقرب من 50 بلدًا على أوكرانيا وروسيا في الحصول على 30% على الأقل من وارداتها من القمح، من بينها: مصر، وليبيا، وجيبوتي، واليمن، ولبنان، وتونس، من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. حيث تبلغ حصة المواد الغذائية من الموازنة أكثر من 30% في جيبوتي، والجزائر، والمغرب، ومصر. ويشير الشكل التالي إلى حصة المواد الغذائية في دول الشرق الأوسط.

وقد استخدم البنك الدولي عددًا من نماذج المحاكاة للتنبؤ باتجاهات الفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتشير التنبؤات إلى أن الاتجاهات المثيرة للقلق لزيادة أسعار المواد الغذائية وتأثير ذلك على إمدادات المعروض ستؤدي إلى سقوط 23 مليون شخص إضافيين في براثن الفقر، وإلى ضياع مكاسب عدة سنوات من جهود الحد من الفقر. وبعبارة أخرى، مقابل كل زيادة قدرها 1% في أسعار المواد الغذائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قد يصبح نحو نصف مليون شخص إضافي في عداد الفقراء في المنطقة.

ورصدت نماذج محاكاة أخرى للبنك الدولي في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الاتجاهات التالية فيما يتعلق بزيادة أسعار المواد الغذائية ومعدلات الفقر في مصر، والتي تشير إلى أن زيادة معدل التضخم نتيجة لارتفاع أسعار الخبز والحبوب من المرجح أن تؤدي إلى زيادة قصيرة الأجل في معدل الفقر لتتراوح من نقطتين إلى 3.8 نقاط مئوية. وتجدر الإشارة إلى أن تحليل دور التدابير التعويضية التي أعلنتها الحكومة في مارس 2022 وجد أن هذه التدابير ستُخفِّف جزئيًا من الزيادة في معدل الفقر بنحو 0.4 نقطة مئوية.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية