لا تزال الأزمات الجيوسياسية المتتالية في منطقة الشرق الأوسط، سواء التي لا تزال المنطقة تعاني من آثارها أو التي لم تتضح ملامح تسويتها حتى الآن، تقدم دروسًا تتخطى مجرد رصد الظواهر والتداعيات على الأسواق، حيث تستدعي هذه الأحداث استراتيجيات وسياسات مختلفة قد تمسّ الثوابت الاقتصادية التي استقر عليها تقسيم الأدوار في حركة الاقتصاد العالمي منذ عقود، لتمثل تحديات للسياسات الاقتصادية خاصة في الاقتصاديات الناشئة، ويمكن رصد ذلك من خلال عدد من الظواهر المؤثرة على توجهات السياسات الاقتصادية يمكن أن نورد بعضًا منها على سبيل المثال وليس الحصر كما يلي:
التداعيات الجيواقتصادية في مناخ مضطرب (من منطق إدارة الأزمات إلى منطق إدارة المخاطر):
أثبتت الأحداث أن هناك مناطق في العالم تتزايد فيها التقلبات الجيوسياسية عن غيرها، وتعد منطقة الشرق الأوسط من أوضح وأكثر المناطق التي تتوالى عليها الأزمات الجيوسياسية المسببة لتداعيات جيواقتصادية.
ولا تستند هذه التقلبات المتكررة إلى طبيعة النزاعات السياسية المزمنة بها فقط ولكن بسبب ما تمتلكه هذه البقعة من العالم من أدوات مؤثرة تجعلها رقمًا مهمًا في حركة الاقتصاد العالمي ومسرحًا للتنافس على مناطق النفوذ الاقتصادي (والتي لا تقتصر على الطاقة بل تمتد لمسارات التجارة وخطوط البيانات والممرات البحرية والبرية بين الشرق والغرب.. إلخ). فعلى سبيل المثال، لا يكتسب امتلاك العديد من دول الشرق الأوسط لاحتياطيات طاقة أهميته من كونه موردًا ماليًا لخطط التنمية بهذه الدول فقط، بل تمتد أهميته كمؤثر على حركة الاقتصاد العالمي إنتاجًا واستهلاكًا وتسعيرًا مما ينعكس قطعًا على مكونات الاقتصاد الكلي للاقتصاديات العالمية المتقدمة والناشئة على حد سواء، وهو ما يجعل المنطقة مرشحة بقوة لصراعات النفوذ الاقتصادي وما يتخللها من صراعات جيوسياسية.
لذا يتعين على واضعي السياسات الاقتصادية (خاصة في الاقتصاديات الناشئة) عدم اعتبار التقلبات الجيوسياسية في المنطقة حدثًا مستحدثًا غير مسبوق في ضوء قراءة السلسلة الزمنية الممتدة عبر عقود للأحداث الجيوسياسية في المنطقة وما يتبعها من تغيرات جيواقتصادية. ويستدعي هذا المشهد المتكرر (في فترات زمنية متقاربة مؤخرًا) ضرورة التعامل بمنطق إدارة المخاطر ليستبق ويخفف من هذه الصدمات، وعدم الاقتصار على منطق إدارة الأزمات الذي يركز على التعامل مع التداعيات الآنية لأحداث قد لا تكون دول المنطقة طرفًا مباشرًا فيها، ولكن لا يمكنها تجنب التأثر بها إذا لم يتم استباق تقدير وإدارة مخاطرها الاقتصادية.
التحوط ومعالجة الاختلالات الهيكلية:
وبناء على ما سبق، تظهر أهمية التحوط وقيام الاقتصاديات (خاصة المتواجدة في مناطق تتكرر بها الأزمات) بتبني سياسات تعزز حالة الاستقرار الاقتصادي كأولوية لأمنها القومي تتعدى مواجهة التداعيات لتتجه نحو معالجة مواطن الاختلالات الهيكلية. وإذا أخذنا التجارة الخارجية مثالًا لهذا الطرح، فإن تأثر مسارات التجارة بسبب الأزمات الجيوسياسية يؤثر قطعًا على تدفق التجارة الخاجية مما ينعكس على عوائد صادرات الدول المتأثرة، وبالتالي أحد أهم موارد النقد الأجنبي وتدفق وارداتها الاستراتيجية ومعدلات الإنتاج والتشغيل. وكل ما سبق يمثل تداعيات للأزمة وليس أصل الداء. وهنا، يستدعي الأمر من واضعي السياسات معالجة الاختلالات الهيكلية في تجارتها الخارجية التي تسبب هذه التداعيات عند كل أزمة، مثل التطرق إلى الهيكل السلعي والجغرافي للتجارة الخارجية الذي قد يظهر الحاجة إلى تنويع الأسواق (وهو ما يستدعي دراسة عناصر التنافسية) وكذا التنويع السلعي (القائم على سياسات إنتاجية صلبة ومبتكرة وكذا الاستثمار الأمثل للقدرات الإنتاجية) وهي أمور هيكلية تساعد السياسة التجارية على تبني نهج مرن ومتنوع البدائل بصورة مستدامة يخفف من آثار الصدمات الجيوسياسية ولا يقتصر على مجرد معالجة التداعيات خلال الأزمات الجيوسياسية ثم العودة إلى النسق ذاته عقب هدوء الأزمة.
التنافس الاقتصادي في أوقات الأزمات:
ويستلزم معالجة الاختلالات الهيكلية أن يكون هناك استشراف بل واستعداد للفرص الكامنة في أوقات الأزمات بصورة لا تقل عن التحوط للمخاطر والتداعيات. ولا يخفى أن هناك منافسة تبرز بين الاقتصادات المختلفة في مثل هذه الظروف من خلال طرح بدائل مثل توفير مسارات تجارة وملاذات مالية وبيئة استثمارية آمنة. وتختلف أهداف الاقتصادات المتنافسة خلال الأزمات ما بين السعي لتحقيق عوائد اقتصادية آنية وبين ترسيخ فوائد وبدائل اقتصادية بصورة مستدامة لتتحول الأزمة إلى فرصة تعيد تشكيل خريطة المصالح. وفي هذا المناخ يتعين على واضعي السياسات الأخذ في الاعتبار نشوء تنافس اقتصادي من الاقتصاديات الواعية (وهو أمر طبيعي) وهو ما يتطلب الانتباه لأمرين رئيسيين: الأمر الأول أهمية إدراك ورصد التحركات المنافسة في الأزمات وأثر ذلك على المصالح الاقتصادية أثناء وعقب انتهاء الأزمة، والأمر الثاني أهمية تقديم البدائل التي تتيحها القدرات الاقتصادية للدولة لتصبح جزءًا من الحل بدلًا من الارتكان فقط لآثار السلبية بما يعزز مكانتها الجيواقتصادية بصورة مستدامة وليست آنية وقت الأزمة فقط.
تكريس إقليمية المصالح الاقتصادية مقابل إقليمية الجغرافيا:
درجت التجارب الاقتصادية في التعاون الاقتصادي على تغليب التعاون الإقليمي الذي يضم الاقتصاديات المتقاربة جغرافيًا، وقد ظهر ذلك جليًا في التكتلات الاقتصادية الجغرافية مثل الاتحاد الأوروبي والمنطقة الحرة العربية الكبرى وجهود التكتلات الأفريقية في محاورها الجغرافية المختلفة. كما ظهر أثر ذلك أيضًا في توجهات دول متقدمة اقتصاديًا بتركيز توجيه مساعداتها التنموية نحو تنمية الاقتصاديات القريبة منها جغرافيًا لأغراض من أهمها تنمية هذه الأسواق ودعم قدراتها الاستهلاكية كونها أسواقًا واعدة بسبب القرب الجغرافي.
وقد كان لعولمة سلاسل الإنتاج دور هام في خلخلة هذا المفهوم لتتغلب إقليمية المصالح وتكاليف الإنتاج على الإقليمية الاقتصادية الجغرافية إذا أخفقت في تحقيق ذلك، فلم تعد المسافة بين مكونات الإنتاج في آسيا مثلًا عائقًا أمام تقديم منتج نهائي في أمريكا الشمالية. ومن ناحية أخرى، تسببت هذه الحالة من التشابك في الاقتصاد العالمي في سرعة انتقال الأزمات من منشئها إلى اقتصاديات أبعد ما يكون عن النطاق الجغرافي للأزمة، فلم تعد الإقليمية الاقتصادية الجغرافية درعًا أمام انتقال الأزمات الاقتصادية ولا يمكن الفصل في ذلك بين الاقتصاديات الرئيسية الفاعلة أو الناشئة. وقد جاءت حرب الرسوم الجمركية في ولاية ترامب الثانية لتكرس هذا المفهوم فأصبحنا نرى تحالفات تحكمها المصالح الاقتصادية بعيدة كل البعد عن الجغرافيا الإقليمية، فظهرت -على سبيل المثال- التحالفات بين أستراليا واليابان والولايات المتحدة في مجال المعادن الحرجة، وظهرت تحالفات بين الصين وكندا كمثال آخر والأمثلة كثيرة. وقد مثّلت الأزمات الجيوسياسية المتتالية في منطقة الشرق الأوسط عاملًا دافعًا لدول المنطقة لحماية اقتصادياتها بصور من التعاون خارج نطاق الإقليم وفقًا لاحتياجاتها المرتبطة بتوفير المرونة اللازمة لمواجهة تحديات هذه التقلبات.
ولا يستلزم ذلك بالضرورة التخلي عن التحالفات الإقليمية التي لم تكن في بعض التجارب على مستوى الطموحات، حيث إن منها ما استقر على مفهوم التبادل التجاري فقط دون أن يمتد ذلك إلى مسارات أخرى مثل الطاقة، وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية، والدخول في شراكات للصناعات الدفاعية والتعاون التكنولوجي والابتكار وغيرها من المفردات الحاكمة للتفوق الاقتصادي والتي أصبحت حاليًا عنوانًا للتعاون بل والتنافس الاقتصادي، وهو ما يتعين الانتباه إليه من واضعي السياسات عند صياغة خطط التعاون الاقتصادي خاصة في الاقتصاديات الناشئة.
السيولة المالية بين اقتصاديات التدفقات واقتصاديات التنوع:
أثبتت الأزمات الجيوسياسية المتكررة تأثر الاقتصاديات التي تعتمد في نموها وخططها الاقتصادية بصورة مكثفة على التدفقات المالية والإيرادات الريعية، وتظهر في هذه الاقتصاديات أهمية الحاجة إلى توفير حيز مالي للتحوط، (ولعل قيام الدولة المصرية بتأمين الحيز المالي لمواجهة تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مثال للتعامل الاستباقي مع المخاطر من هذه الزاوية). وتكمن أهمية التحوط في اقتصاديات التدفقات النقدية لكون هذه التدفقات يغلب عليها النمط الريعي وعنصر المضاربات والتي يتعرض معها الاقتصاد إلى تقلبات في مستويات التضخم وأسعار الصرف بسبب ما يصاحب الأزمات من تخارجات من استثمارات في أدوات الدين قصيرة الأجل (خاصة إذا ما كان يتم الاعتماد عليها ضمن منظومة توفير احتياجات النقد الأجنبي) وهو ما يضع تحديات أمام السياسة النقدية. وقد أثبتت الأزمات أيضًا أن التنويع الاقتصادي والتركيز على جوانب الاقتصاد الإنتاجي بقيمة مضافة تكنولوجية وزيادة مساهمته في التدفقات النقدية على أسس من الاقتصاد الحقيقي والتقليل من الاعتماد على الإيرادات الريعية هي ضرورة لا تمثل رفاهية، وكانت الأحداث كاشفة لمدى نجاح جهود التنويع في عدد من الدول.
مدير برنامج الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة
