يسلط كتاب “صعود ترامب: تحولات السياسة الأمريكية في القرن الواحد والعشرين” الضوء على التحولات السياسية والمجتمعية والثقافية والمجتمعية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال ربع القرن الماضي، وتحديدًا منذ حوادث الـ 11 من سبتمبر التي أشعلت فتيل الغضب الأمريكي تجاه الإسلام السياسي وصولًا إلى تنصيب “دونالد ترامب” رئيسًا للمرة الثانية في يناير 2025، ليعود بنيّة جديدة تتمحور حول إعادة تشكيل المشهد السياسي الداخلي، وإعادة تعريف مكانة بلاده على الساحة العالمية.
يسعى الكتاب من خلال القسم الأول -والذي يحتوي على سبعة فصول- والذي يحمل عنوان: “تحولات السياسة الأمريكية” إلى كشف الروابط المتشابكة بين صدمة 2001 وما نتج عنها من انقسامات شعبوية ودينية وأزمة للهوية التي أصبحت أحد ملامح أمريكا المعاصرة، إلى جانب ظهور انقسامات سياسية أدت إلى فجوات عميقة بين المحافظين والليبراليين بشأن مسارات السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط.
ويحاول الكتاب في هذا الجزء فهم الحاضر الأمريكي من أجل الاستعداد للمستقبل، فيرى أنه بالرغم من الانقسامات العميقة التي يشهدها الداخل الأمريكي، فإن واشنطن لا تزال تمتلك التأثير على إدارة مقاليد الأمور على الساحة الدولية في معظم التطورات الأخيرة؛ إذ أدخلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر الولايات المتحدة في حالة من الاشتباك الدائم في جميع القضايا، وإن أدى ذلك في كثير من الأحيان إلى استنزاف الموارد الأمريكية.
أما على الصعيد الداخلي، فيرى الكتاب أن الاشتباكات الأمريكية في الخارج أدت إلى تغيير طبيعة العلاقة بين المواطنين الأمريكيين والدولة، بعد أن توسعت صلاحيات الحكومة الأمريكية في مجال المراقبة والتنصت، وقلصت مساحات الحريات المدنية، وأعادت نشر صور مغلوطة عن الإسلام تحت مسمى المعركة بين الحضارة والهمجية؛ مما أدى إلى تعميق الانقسامات وذرع بذور كراهية الأجانب وتعميق حدة الخلافات الثقافية في مجتمع لطالما كان يتباهى باختلافه وتنوعه.
ولم يغفل الكتاب العامل الاقتصادي، فيرى أن الأزمات الاقتصادية التي عصفت بالولايات المتحدة، بداية من أزمة 2008 وما تلاها من أزمات، تأثيرات محورية أدت إلى فقدان الثقة في المؤسسات المالية والسياسية، وبرغم المحاولات العديدة لاستعادة التوازن الاقتصادي من جديد، فإن الشارع الأمريكي عانى لفترات طويلة من الركود، وهو ما خلق حالة من اليأس المجتمعي، وأسهم في اتساع الفجوة بين النخب الثرية وطبقات المجتمع المتوسطة والفقيرة.
ويعتقد الكتاب أن كل هذه العوامل أسهمت بشكل أو بآخر في وصول “ترامب” إلى السلطة، مستغلًا هذه التناقضات والتوترات المجتمعية لزيادتها وتأجيجها، ونشر –في ولايته الأولى والثانية- المخاوف بين الأمريكيين من التراجع الثقافي، واندثار الهوية الأمريكية، وعمل على إنهاء كافة السياسات التي لا تتوافق مع القيم الأمريكية من وجهة نظره، ليتحول حزبه الجمهوري إلى أداة قوية تخدم سياسته الشعبوية، بينما يصارع الحزب الديمقراطي من أجل أن يحدث تغييرًا جذريًا في السياسات العامة ردًا على المحافظين.
وبتفصيل أجزاء الكتاب، فيتناول الفصل الأول الذي يحمل عنوان:” جذور الصراع الداخلي”، تاريخ تحريك الولايات المتحدة للأحداث العالمية، والتدخل في شئون السياسة والاقتصاد الدوليين، وقيادة التحول في العالم الرقمي في القرن الواحد والعشرين، وذلك عبر الاحتماء بمواردها المالية والعسكرية الهائلة. ويركز الفصل بشكل أساسي على شرح أنواع الصراعات التي خاضها المجتمع الأمريكي لأكثر من ربع قرن، والتي تنوعت بين صراع الهوية الدينية، والصراع العرقي، والصراع الاقتصادي، والصراع على فرض السيطرة على العالم الخارجي.
أما الفصل الثاني فيحمل عنوان:” ما بعد صدمة العراق”، ويسلط الضوء على الاستراتيجية العالمية الجديدة التي تبنتها الولايات المتحدة بعد ما وصفه الكاتب بـ “الفشل” الكبير في العراق، نتيجة تعثر مبدأ “بوش” القائم على المبدأ الاستباقي لإجهاض الخطر المحتمل ضد المصالح الأمريكية. ورأى الساسة الأمريكيون بعد عام 2007 أن الولايات المتحدة لا تمتلك رفاهية البقاء دون استراتيجية طويلة المدى تضمن لها استمرارية قيادة النظام الدولي، ولكن حال دون ذلك حالة الاستقطاب الواسعة بين المحافظين والليبراليين؛ مما أفضى إلى تراجع الاحترام الدولي للقوة الأمريكية.
وفي هذا الفصل، يرى الكاتب أن الأخطاء التي وقعت في مسار السياسة الأمريكية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، يمكن حصرها في المبالغة في مساعي التوسع في الشرق الأوسط، وعدم التوازن في توزيع الوجود الأمريكي عالميًا؛ إذ ابتعدت واشنطن عن منطقة المحيط الهادئ وآسيا -روسيا والصين- والفناء الخلفي في أمريكا الوسطى والجنوبية، وهو ما جعل عديدًا يوصفون السلوك التوسعي غير المتزن لأمريكا بأنه غير استراتيجي وغير أخلاقي، وهو ما أفضى إلى فكرة “القرن الأمريكي الثاني”.
الفصل الثالث يحمل عنوان:” ظهور ترامب”، والذي يستعرض أبرز الأسباب المؤدية لوصول “ترامب” إلى السلطة تحت ذريعة تجديد السياسة الأمريكية، ولكن بخطاب شعبوي وظف خلاله حالة الاحتقان الداخلي من ملفات الهجرة والدين والهوية والعرق؛ مما دفع التيار المحافظ إلى السير وراء مرشح “غير تقليدي” يوجه انتقادات للأداء الحكومي، ويتبنى آراء مثيرة للجدل، إلى جانب كونه من أنجح رجال الأعمال الأمريكيين. ويتناول الفصل أيضًا السمات الأيديولوجية الاستعراضية التي دفعت ترامب لخوض الأسباق الرئاسية الثلاثة، وسيطرة تيار “ماجا MAGA” على الحزب الجمهوري والشارع الأمريكي رغم انتكاسة انتخابات 2020.
يأتي الفصل الرابع بعنوان:” جدل الدين والعرق والهوّية”، ويقدم قراءة معمقة عن العلاقة بين العرق والدين والهوية الوطنية في ظل التحولات السياسة والاجتماعية الكبرى. فتطرق الفصل إلى التغيرات الديموغرافية التي لعبت دورًا أساسيًا في تحدي المفاهيم التقليدية للهوية الوطنية المرتبطة ثقافيًا بعرق أو فئة معينة. هذا إلى جانب دور الحركات اليمينية المتطرفة، وفي القلب منها القومية المسيحية البيضاء والحركات المسيحية المحافظة، في تعزيز الخطاب المستند إلى التفوق العرقي بدعم من “ترامب” نفسه؛ مما تسبب في زيادة حدة الانقسامات الاجتماعية والسياسية في الداخل، وانعكس في الخارج على ملفات أبرزها دعم المسيحيين الإنجيليين لـ “إسرائيل”.
الفصل الخامس الذي يحمل عنوان:” أمة المهاجرين تغلق أبوابها”، يركز بالأساس على تاريخ الجدل القائم في الولايات المتحدة حول “الهجرة”، وكيف تحول هذا الملف إلى قضية سياسية كبرى بين الديمقراطيين والجمهوريين على مدى أكثر من عقدين، حتى جاء “ترامب” بسياسة قاسية تنهي هذا الجدل وتغلق الباب تمامًا أمام الوافدين من الحدود الشمالية والجنوبية، وتتعهد بإنفاذ أكبر قوة ترحيل في تاريخ الولايات المتحدة، برغم أن هذا القرار له تداعيات واسعة على قطاعات اقتصادية مهمة في الداخل الأمريكي، والتي تعتمد بنسبة كبيرة على المهاجرين، خاصة من الجنوب؛ الأمر الذي يفرض على ترامب خيارين: إما التشدد كما يرغب، أو التقنين للهجرة بما يعود بالنفع على المصالح الأمريكية.
أما الفصل السادس فيحمل عنوان:” صناعة السياسة الخارجية في عهد ترامب”؛ حيث يقدم مقارنة بين رؤية “ترامب” للسياسة الأمريكية الخارجية في ولايته الأولى والثانية. فالولاية الأولى قد نبعت صياغة سياتها الخارجية من عداء الرئيس الصريخ للمؤسسة التقليدية للسياسة الخارجية، وركزت بالأساس على المصالح الأمريكية والمصالح المشتركة للحلفاء، وذلك بإصلاح خمس نقاط ضعف وهي: التوسع في استنزاف الموارد، وعدم التزام حلفاء “الناتو” بالإنفاق الدفاعي، وتراجع الهيبة الأمريكية وانعدام ثقة الشركاء في قوتها، وكذلك عدم احترام الخصوم لها، وعدم وضع أسس للتعامل مع الإسلام الراديكالي وهزيمة الإرهابيين في الشرق الأوسط بما يعزز الاستقرار الإقليمي.
أما الولاية الثانية: فقد اختلفت تصورات “ترامب” إزاء سياستها الخارجية بشكل جذري، منتقلًا إلى مرحلة بناء مشروع محافظ وليس مجرد رئيس لفترة واحدة؛ حيث تطرق الفصل السادس إلى شكل الصراع داخل الحزب الجمهوري، بين المحافظين الجدد والجمهوريين التقليديين، وذلك بسبب السلوك السياسي الجديد لترامب. كما سلط الضوء على صعود تيار “العائدون من العراق” إلى مواقع قيادية في الإدارة الثانية، إلى جانب شخصيات “يهودية” تؤثر في القرار بالبيت الأبيض دون وجود أساس عقائدي واضح، وهو ما يعكس إما توجهات جديدة في السياسة الخارجية، أو صعوبة التنبؤ بمسار تلك السياسة على الإطلاق.
الفصل الأخير من القسم الأول يحمل عنوان:” ترامب بين إدارتين في الشرق الأوسط”، ويقدم هذا الفصل قراءة تحليلية حول سياسات “ترامب” في ولايته الأولى والثانية –الأكثر تعقيدًا- تجاه الشرق الأوسط، خاصة بعد الحرب في غزة والسياسات التوسعية لحكومة “نتنياهو” تحت مظلة الدعم الأمريكي، ومنح الأولوية لتصفية وكلاء إيران في المنطقة، إلى جانب التطورات في سوريا وصعود “الشرع” من التنظيم الجهادي لإدارة البلاد. ويشير الفصل إلى المبادئ الأساسية التي شكلت سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، أبرزها حماية المصالح الأمريكية والحلفاء ومنع انتشار الإرهاب، والدعم المطلق لإسرائيل، وتأمين الوصول لموارد الطاقة، وبناء التحالفات والشراكات، ودعم جهود السلام وحل النزاعات في المنطقة، خاصة النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي.
أما القسم الثاني من الكتاب، والذي يحمل عنوان:” حوارات مع النخبة الأمريكية”، فيتناول مجموعة كبيرة من الحوارات التي أجراها المؤلف مع عدد من نخب الحياة الفكرية والسياسية في الداخل الأمريكي، البعض منهم شارك بالفعل في صياغة مشاريع فكرية وسياسية مهمة في السنوات الماضية، لعل أبرزها “نهاية التاريخ”، و”القوة الناعمة”، و”مشروع القرن الأمريكي الجديد”، وغطت تلك الحوارات الفترة التي يركز عليها الكتاب، منذ بداية حرب العراق 2003 وحتى صعود ترامب للسلطة للمرة الثانية.






























