لم تكن تحركات السياسة التجارية الأمريكية في الولاية الثانية لترامب مجرد سلسلة إجراءات لمعالجة العجز التجاري، بل جاءت كصدمةٍ مؤسسة للنظام الاقتصادي العالمي، تُعلن منذ يناير 2025 أن التجارة ليست ملفًا اقتصاديًا محضًا، وإنما «مكوّنٌ حرج» في الأمن القومي الأمريكي، فمنذ المذكرة الرئاسية “السياسة التجارية: أمريكا أولًا” ثم “التعريفات المتبادلة” وأجندة مارس، بدا أن واشنطن تعيد تعريف حدود السياسة التجارية لتتجاوز الأسواق نحو السيطرة على شروط النفاذ إليها، وعلى معاييرها وقواعدها ومفاتيحها.
وفي أبريل 2025 تحولت الصدمة إلى مسار حربٍ معلنة: أمرٌ تنفيذي يفرض «تعريفات متبادلة» بذريعة الممارسات غير العادلة، ويُقدّم الأرقام لا كحجة اقتصادية فحسب، بل كوثيقة اتهام: متوسط التعريفة الأمريكية 3.3% مقابل نسب أعلى لدى شركاء كبار، مع حواجز غير جمركية تُصوَّر كآلاتٍ لـ”تصنيع” التنافسية على حساب الصادرات الأمريكية، هنا لم تعد الرسوم مجرد ضريبة على الواردات؛ صارت آلية لإعادة توزيع الألم والربح، ورسالة بأن السوق الأمريكية ليست “حقًا” بل امتيازًا مشروطًا.
غير أن اختزال المشهد في «حرب تجارية» يضلل عن جوهره: إنها حرب سيادة ومكانة اقتصادية، فواشنطن لا تتحرك في محور التجارة وحده، بل تُوسّع ميدان المعركة إلى الطاقة والمعادن الحرجة والهيمنة البحرية ومسارات النقل وسلاسل الإمداد والبيانات والتكنولوجيا ومراكز التصنيع وسيادة الدولار، فالعجز التجاري هنا ليس سببًا فقط، بل عرضٌ لاهتزاز ترتيبٍ تاريخي كان يُنظر إليه كحقيقة ثابتة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن يكشف صعود الصين -وزحف الهند من بعيد- أن خرائط القوة ليست أبدية.
ومن هذا الإدراك، جاء استدعاء أدوات «الطوارئ» كمنطق حكم: تفعيل (قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA)، وتشديد (لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة CFIUS)، وحشد الوزارات والهيئات في جهدٍ وطني واحد يُعامل المصنع كجبهة، والملكية الفكرية كخط دفاع، والبيانات كسلاح، والمعادن كقفلٍ للأبواب الاستراتيجية، لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بدور الريادة؛ بل تسعى لضمان اعتماد تقنياتها ومعاييرها كي تبقى هي «القائد الذي تُدار على إيقاعه» بقية المنظومة، حتى لو اضطرّت لإعادة هندسة القواعد من الداخل بدل الالتزام بها من الخارج.
أما النتيجة، فهي عالمٌ يتجه إلى التجزؤ بدل الانسياب: انتقائية أمريكية تجاه قواعد النظام المتعدد -تتجاوزه حين يقيّدها وتستدعيه حين يخدمها- وتحييد لآليات التشاور الثنائية لصناعة مواقف تفاوضية ضاغطة، يقابلها تسارع في “التعددية الإقليمية”، وصعود ترتيبات ومؤسسات موازية، وهكذا يصبح النظام الجديد أكثر تكلفة وأقل كفاءة، وتعلو فيه معادلة الأمن على منطق الربح، بينما يتأكد أن أي تهدئة بين واشنطن وبكين ليست نهاية الصراع، بل انتقاله إلى أدواتٍ أشد ملاءمة لجولةٍ جديدة من حرب السيادة.
يستعرض الكتاب قراءة تحليلية شاملة للتحول العميق الذي يشهده الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد التجارة الدولية ساحة لتبادل المنافع بقدر ما أصبحت مجالًا مفتوحًا لصراع السيادة والمكانة الاقتصادية بين القوى الكبرى. ينطلق الكتاب من تفكيك السردية التقليدية للحرب التجارية، ليؤكد أن ما يجري يتجاوز الرسوم الجمركية والعجز التجاري إلى صراع بنيوي على النفوذ الاقتصادي، وإعادة تعريف مصادر القوة والتهديد في نظام عالمي يتجه نحو التعددية القطبية، مع صعود قوى جديدة وعلى رأسها الصين، وتراجع القدرة الغربية على احتكار القواعد.
ويركز الكتاب على التنافس الأمريكي الصيني باعتباره المحور الحاكم لهذا التحول، محللًا استراتيجيات الأمن القومي، والسياسات التجارية والصناعية والتكنولوجية التي اعتمدها الطرفان لإدارة هذا الصراع. ويُظهر كيف انتقلت الولايات المتحدة من الدفاع عن نظام تجاري متعدد الأطراف إلى تسليح التجارة، والدولار، وسلاسل الإمداد، في مقابل سعي الصين لبناء “قلعة اقتصادية ذاتية” قائمة على التفوق النوعي، والتداول المزدوج، والهيمنة على الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيات المتقدمة.
كما يتناول الكتاب التحولات التي أصابت النظام التجاري متعدد الأطراف، خاصة منظمة التجارة العالمية، في ظل الشلل المؤسسي، وتصاعد الأحادية، وتغليب منطق الأمن القومي على منطق القواعد. ويحلل انتقال الولايات المتحدة إلى الترتيبات الثنائية كأداة صراع جيو-اقتصادي في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، مقابل تمدد الصين عبر المبادرات الإقليمية وسلاسل الإمداد البديلة، بما أعاد تشكيل خريطة التجارة العالمية ومراكز النفوذ.
ويتوسع الكتاب في تحليل أبعاد الصراع غير التقليدية، مثل الصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا المتقدمة، والطاقة والبيئة، بوصفها ركائز جديدة للهيمنة الاقتصادية. ويبرز كيف أصبحت السيطرة على أشباه الموصلات، والمعادن الحرجة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل القيمة العالمية أدوات ردع اقتصادي لا تقل أهمية عن القوة العسكرية، مع تصاعد دور المعايير البيئية والتكنولوجية كوسائل إكراه ناعمة تُعيد توزيع القوة عالميًا.
وفي استشرافه للمستقبل، يخلص الكتاب إلى أن العالم يتجه نحو نظام تجاري أكثر تجزؤًا وتكلفة وأقل كفاءة، تحكمه اعتبارات الأمن والسيادة قبل الربحية، مع تآكل نموذج “العولمة الفائقة” وصعود تكتلات إقليمية متنافسة. ويؤكد أن هذا التحول يفرض على الدول، خاصة النامية، إعادة التفكير في استراتيجياتها التجارية والصناعية والتمويلية، بحثًا عن موقع آمن داخل نظام اقتصادي عالمي جديد تُعاد صياغته تحت ضغط صراع السيادة الاقتصادية.






























