أدى القصف الأمريكي لفنزويلا واعتقال رئيسها، نيكولاس مادورو، إلى تجدد المخاوف من سيطرة أمريكية محتملة على جرينلاند. فبعد ساعات فقط من العملية الأمريكية في فنزويلا، نشرت مقدمة البودكاست اليمينية كاتي ميلر -زوجة ستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض للشئون السياسية ومستشار الأمن الداخلي-، على موقع X”” خريطة لجرينلاند مُزينة بالنجوم والخطوط الأمريكية مع تعليق: “قريبًا”.
تلت ذلك بساعات تصريحات لمجلة أتلانتك، عند سؤال الرئيس ترامب عما إذا كان الهجوم على فنزويلا قد يُشير إلى استعداد الولايات المتحدة لاتخاذ إجراء عسكري للسيطرة على جرينلاند، فأجاب الرئيس ترامب بأن الأمر متروك للآخرين ليقرروا ما يعنيه العمل العسكري الأمريكي في فنزويلا بالنسبة لجرينلاند. وأضاف: “سيتعين عليهم النظر في الأمر بأنفسهم. أنا حقًا لا أعرف. لقد كان كريمًا جدًا معي، ماركو، بالأمس”. وتابع: “كما تعلمون، لم أكن أشير إلى جرينلاند في ذلك الوقت. لكننا نحتاج جرينلاند، بكل تأكيد. نحتاجها للدفاع عن الأمن القومي”[1]. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مراسل المجلة كان قد استشهد حينها بتصريحات سابقة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي قال فيها: إن على العالم أن ينتبه بعد العملية في فنزويلا. حيث قال روبيو تعليقًا على نوايا وتصريحات الرئيس ترامب: “عندما يقول لكم إنه سيفعل شيئًا ما، وعندما يقول لكم إنه سيعالج مشكلة ما، فهو يعني ما يقول”.
واستطرد الرئيس ترامب تبريره المعتاد لحاجة الولايات المتحدة للاستحواذ على جرينلاند: “نحن بحاجة إلى جرينلاند من منظور الأمن القومي. فجرينلاند مُغطاة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان”. وأوضح أن الدنمارك لن تستطع الوقوف في وجه تلك التهديدات جرينلاند وأضاف: “سنتعامل مع جرينلاند في غضون شهرين تقريبًا. فلنتحدث عن جرينلاند بعد 20 يومًا”، دون أن يُفصح عن مزيد من التفاصيل حول ما قصده. كما قام الرئيس ترامب بتعيين حاكم ولاية لويزيانا، جيف لاندري، مبعوثًا له إلى جرينلاند بنهاية ديسمبر الماضي. وكرر الرئيس ترامب حينها ادعاءاته ذاتها في مؤتمر صحفي، قائًلا: إن الولايات المتحدة “يجب أن تمتلك جرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي”. وقال لاندري: إنه سيسافر إلى جرينلاند لإقناع السكان المحليين بالانضمام إلى الولايات المتحدة.
الوضع الحالي وتطورات ردود الأفعال
لم يتوقف الجانب الأمريكي منذ اعتقال الرئيس الفنزويلي عن إطلاق التصريحات، باختلاف المستويات، بشأن الاستحواذ عن جرينلاند. وكان آخرها، بخلاف تصريحات الرئيس ترامب، التصريحات التي نشرتها وكالة رويترز يوم 8 يناير عن مصادر مطلعة بأن هناك مسئولين أمريكيين في الإدارة الأمريكية يناقشون إرسال مبالغ تتراوح ما بين 10 و100 ألف دولار لكل فرد في جرينلاند مقابل الانفصال عن الدنمارك والانضمام للولايات المتحدة.[2]
تلك التصريحات قوبلت بغضب شديد من الجانب الدنماركي، انعكس في عدد من التحركات. فردًا على التهديدات المتواصلة الموجهة ضد الإقليم، صنّف جهاز الاستخبارات الدفاعية الدنماركي، الشهر الماضي، الولايات المتحدة الأمريكية كخطر أمني، في تحوّل جذري في العلاقات عبر الأطلسي. وقال رئيسا وزراء الدنمارك وجرينلاند، ميتي فريدريكسن، وينس فريدريك نيلسن، آنذاك: “لقد أوضحنا ذلك جليًا من قبل، ونؤكده مجددًا. الحدود الوطنية وسيادة الدول راسخة في القانون الدولي.. لا يمكن ضم دول أخرى”.
ففي بيانٍ صريحٍ وحازم، اتهم رئيس وزراء جرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، الولايات المتحدة بخطابٍ “غير مقبول بتاتًا”، مصرحًا: “طفح الكيل”. حيث قال نيلسن في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاثنين 5 يناير: “لا مكان للتهديدات والضغوط والحديث عن الضم بين الأصدقاء. هذه ليست طريقة التحدث إلى شعب أظهر المسئولية والاستقرار والولاء مرارًا وتكرارًا. لقد طفح الكيل. لا مزيد من الضغوط. لا مزيد من التلميحات. لا مزيد من أوهام الضم”. وأضاف أن جرينلاند “منفتحة على الحوار”، لكن يجب أن يتم ذلك عبر القنوات المناسبة ووفقًا للقانون الدولي، “وليس عبر منشورات عشوائية على وسائل التواصل الاجتماعي”. وتابع: “جرينلاند وطننا وأرضنا. وستبقى كذلك”[3]. كما كتبت رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، على وسائل التواصل الاجتماعي بعد تصريحات الرئيس ترامب لمجلة أتلانتك بأنه: “لا معنى على الإطلاق للحديث عن حاجة الولايات المتحدة للاستيلاء على جرينلاند. ليس للولايات المتحدة أي حق في ضم أي من الدول الثلاث في المملكة الدنماركية”.
هذا الرفض يمتد لسكان جرينلاند أنفسهم، فقد أظهر استطلاع رأي أُجري في يناير أن الغالبية العظمى من سكان جرينلاند البالغ عددهم 57 ألف نسمة يرغبون في الاستقلال عن الدنمارك، لكنهم لا يرغبون في الانضمام إلى الولايات المتحدة؛ حيث يحق للإقليم إعلان استقلاله منذ عام 2009.[4]
هذا الموقف الدنماركي يدعمه الجانب الأوروبي، فعندما سُئل السير كير خلال زيارة لمركز مجتمعي في بيركشاير عن رد رئيسة الوزراء الدنماركية، قال لشبكة سكاي نيوز: “حسنًا، أنا أؤيدها، وهي محقة بشأن مستقبل جرينلاند” مضيفًا: “الدنمارك حليف وثيق في أوروبا، وهي عضو في حلف الناتو، ومن المهم جدًا أن يكون مستقبل جرينلاند، ملكًا لمملكة الدنمارك وجرينلاند، ولا غيرهما”.[5]
بينما قال مارغوس تساخنا، وزير خارجية إستونيا، في منشور على موقع X: “جرينلاند جزء لا يتجزأ من مملكة الدنمارك، ولا يمكن اتخاذ أي قرارات بشأنها دون مشاركة كل من جرينلاند والدنمارك”. وأضاف: “إستونيا تتضامن تضامنًا كاملًا مع حليفنا في منطقة الشمال والبلطيق”. وقال الرئيس اللاتفي إدغارس رينكيفيتش في منشور على موقع X إن الدنمارك “ديمقراطية راسخة وحليف موثوق به في حلف الناتو، وجرينلاند جزء لا يتجزأ من مملكة الدنمارك”. وتابع: “أتفهم الاحتياجات الأمنية المشروعة للولايات المتحدة، وأعتقد أنه يمكن معالجتها، من خلال حوار مباشر بين الدنمارك والولايات المتحدة، وفي إطار الدفاع الجماعي” [6].
وكذا كتب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك على وسائل التواصل الاجتماعي: إن أوروبا لن تُؤخذ على محمل الجد إذا كانت ضعيفة ومنقسمة: لا من عدو ولا من حليف. وأضاف: “لقد بات الأمر واضحًا الآن. يجب أن نؤمن أخيرًا بقوتنا، ويجب أن نواصل تسليح أنفسنا، ويجب أن نبقى متحدين كما لم نكن من قبل. الواحد للجميع، والجميع للواحد. وإلا فسننتهي”.[7]
كما صرّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منشور: “جرينلاند تنتمي إلى شعبها”، مضيفًا أن “الدنمارك تقف بوصفها الضامن لها”. وأشارت كذلك رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى أن السلامة الإقليمية والسيادة تمثلان مبدأين أساسيين في القانون الدولي. وكتبت فون دير لاين على وسائل التواصل الاجتماعي: “نحن نتضامن تضامنًا كليًا مع الدنمارك وشعب جرينلاند”. وقالت وزيرة الخارجية السويدية، ماريا مالمر ستينرغارد: إن السويد “ستظل دائمًا حاميةً للقانون الدولي”. وقال نظيرها النرويجي، إسبن بارث إيدي: إن أوسلو “تدعم الدنمارك دعمًا كاملًا”.[8]
وقد حاول الجانب الدنماركي العمل على الجانب الدفاعي سواء على مستوى الدنمارك ككل أو على مستوى جرينلاند بالأخص، في محاولة للاضطلاع بدور أمني أكبر. ففي سبتمبر الماضي، أبرمت الدنمارك أكبر صفقة أسلحة في تاريخها، شملت أنظمة دفاع جوي أوروبية الصنع بقيمة 58 مليار كرونة دنماركية (9.2 مليار دولار أمريكي)، وأعلنت بشكل منفصل عن “تحول جذري” في استراتيجيتها؛ حيث ستقتني -للمرة الأولى- صواريخ بعيدة المدى.[9]
تلاه في أكتوبر الماضي، إعلان مسئولين دنماركيين عن اتجاه الدنمارك لإنفاق 4 مليارات دولار لحماية القطب الشمالي، ويشمل هذا الاستثمار شراء أو استئجار سفينتين جديدتين مخصصتين للقطب الشمالي، وعدد من طائرات الدوريات البحرية والطائرات المسيّرة. كما سيشمل إنشاء مقر جديد لقيادة القطب الشمالي الدنماركية، وبناء كابل بحري في شمال المحيط الأطلسي يربط بين جرينلاند والدنمارك، وإنشاء رادار إنذار مبكر في شرق جرينلاند. يأتي هذا الاستثمار في منطقة القطب الشمالي، بالإضافة إلى إعلان الدنمارك في ديسمبر2024 أنها ستنفق 1.5 مليار دولار لحماية جرينلاند.
بالوقت ذاته سعت الدنمارك لشراء ود الولايات المتحدة من خلال إعلانها تخصيص مبلغ إضافي قدره 4.5 مليار دولار لشراء 16 طائرة مقاتلة جديدة من طراز إف-35 من الولايات المتحدة، ليصل إجمالي أسطول الدنمارك إلى 43 طائرة. وتخطط دول أوروبية أخرى لشراء عشرات الطائرات من طراز إف-35؛ إذ تخطط هولندا لشراء 52 طائرة، بينما سيصل أسطول المملكة المتحدة في نهاية المطاف إلى 138 طائرة.[10]
الدوافع المحتملة لمحاولة الولايات المتحدة الاستحواذ على جرينلاند
لم يكن طرح الرئيس ترامب المتكرر لشراء جرينلاند عرضًا غير مسبوق متصل برئاسته، بل إن له جذورًا تاريخية لدى الإدارات الأمريكية السابقة. ففي عام 1867، تم طرح الفكرة للمرة الأولى، وقد صدّق البرلمان الدنماركي بالفعل على بيعها ولكن فشلت الصفقة حينها من قبل الجانب الأمريكي. وجاءت المحاولة الثانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. حين وقّع السفير الدنماركي، اتفاقية مع حكومة الولايات المتحدة تسمح لها باحتلال الجزيرة وتحصينها لمنع ألمانيا من استخدامها كقاعدة ضد الولايات المتحدة وكندا. وحينها تم احتلالها من قبل الجانب الأمريكي، وقامت ببناء عديد من المنشآت العسكرية هناك، بما في ذلك قاعدة جوية. وحينها تم طرح احتمال شراء جرينلاند بجدية كافية مرة أخرى، إلا أن الدنماركيين رفضوا العرض، وعرضوا على جرينلاند وضعًا أعظم كجزء كامل من مملكة الدنمارك بدلًا من كونها مستعمرة. في المقابل، تركت الدنمارك للولايات المتحدة حرية إنشاء واستعمال المنشآت العسكرية في جميع أنحاء الجزيرة.[11]
وتوقفت الإدارات الأمريكية المتتابعة منذ ذلك الوقت عن إثارة هذا الأمر، إلا أن الرئيس ترامب أعاد تلك المطالب مرة أخرى عندما اقترح لأول مرة شراء جرينلاند عام 2019، وبرر حينها مطالبه بأنها “صفقة عقارية ضخمة” من شأنها تخفيف الضغط على مالية الدولة الدنماركية. بخلاف ادعاءاته هذه المرة بأن سيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة أمر حيوي للأمن القومي.
مواجهة التهديدين الصيني والروسي
وضع التقييم السنوي الذي صدر في ديسمبر الماضي، عن دائرة المخابرات الدفاعية الدنماركية (DDIS)، الولايات المتحدة للمرة الأولى ضمن قائمة الدول التي تُشكل تهديدًا للبلاد، وحذر من أن الدنمارك “تواجه تهديدات وتحديات أمنية أكثر خطورة من أي وقت مضى”. مرجعًا ذلك للتنافس الدولي، فوفقًا لما أتى بالتقرير: “لقد أدى تزايد التنافس بين القوى العظمى في القطب الشمالي إلى زيادة الاهتمام الدولي بالمنطقة بشكل ملحوظ. وينطبق هذا بشكل خاص على اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بجرينلاند وأهميتها للأمن القومي الأمريكي”.[12] هذا التنافس الدولي الذي أرجع المنطقة لدائرة الاهتمام الأمريكي، هو بالأساس موجه للتحركات الروسية والصينية وفق ما هو معلن. وهو ما يتسق في جزء كبير منه مع الواقع بالفعل.
فبالنسبة للجانب الروسي، تمتد السيادة الروسية عبر 53٪ من ساحل المحيط المتجمد الشمالي، ويقدر أن أكثر من نصف سكان القطب الشمالي (2.5 مليون شخص) يعيشون في القطب الشمالي الروسي. ويُعرّف مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023، الذي تم اعتماده بعد أكثر من عام من الغزو الروسي لأوكرانيا، القطب الشمالي كواحدة من أهم مناطق الأولوية في روسيا. وترجع أهمية تلك المنطقة بجانب توفيرها ممر مائي عالمي لروسيا على باقي مناطق العالم، بخاصة بعد الذوبان السريع للجليد في تلك المنطقة، إلى انها من الناحية الاستراتيجية محورية للأمن الروسي. حيث إن معظم الأصول النووية الاستراتيجية لروسيا، تتركز في شبه جزيرة كولا في القطب الشمالي. تلك الأهمية الذي دفعت روسيا على مدى العقد الماضي، لتوسيع وتحديث 7 قواعد عسكرية ومطارات موجودة في جميع أنحاء القطب الشمالي، بما في ذلك روجاشيفو في نوفايا زيمليا (أقصى شمال روسيا)، كما قامت أيضًا ببناء 3 قواعد على الأقل في مواقع جديدة أو بالقرب من منشآت الحرب الباردة المتهالكة[13].
وإذا كانت منطقة القطب الشمالي تُمثل لروسيا مصلحة أمنية واستراتيجية، فيجتمع مع ذلك أهمية اقتصادية كبرى لها، وفي هذه الأهمية تقاربت روسيا والصين، هذا التقارب الذي يمثل التهديد الأكبر للولايات المتحدة.
فقد عززت الصين وجودها في تلك المنطقة طمعًا في الموارد الطبيعية وتيسير النقل وهما المصلحتان الاستراتيجيتان الأساسيتان اللتان تدفعان الصين لتعظيم وجودها في القطب الشمالي. وهو ما أعلنته في استراتيجيتها للقطب الشمالي لعام 2018. فقد اعتبرت أن المنطقة توفر لها القدرة على خفض تكاليف الخدمات اللوجستية، بل وأوقات النقل، من خلال التوسع في استخدام طريق البحر الشمالي (NSR) وهو ممر ملاحي روسي استراتيجي يمتد على طول الساحل القطبي الشمالي لروسيا، رابطًا بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ عبر المحيط المتجمد الشمالي. ويبلغ متوسط وقت السفر به بين آسيا وأوروبا حوالي 23 يومًا، مقارنة بمتوسط قناة السويس البالغ 37 يومًا.[14]
تلك العلاقات الوثيقة بين روسيا والصين في القطب الشمالي، قد تعمقت بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا. فالعقوبات الاقتصادية التي فرضتها عديد من البلدان (الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي، من بين دول أخرى) على روسيا بسبب ضمها شبه جزيرة القرم في عام 2014، والتي توسعت بشكل شامل منذ الغزو الكامل؛ عزلت البلاد ليس فقط دبلوماسيًا ولكن أيضًا عن أسواق الغرب واستثماراته، ودفعت روسيا منذ عام 2014، للاعتماد بشكل متزايد على التعاون الصيني. وكان من ضمن تلك التحركات فيما يتصل بمنطقة القطب الشمالي، اتفاق الدولتين في ربيع عام 2023، على إنشاء منظمة مظلة مشتركة لحركة المرور على طول طريق البحر الشمالي، وتوقيعهما مذكرة تنص على تعاون واسع النطاق في إنفاذ القانون في بحر بارنتس ومياه القطب الشمالي.[15]
تعزيز الوجود العسكري
في ضوء الوجود الروسي التاريخي في المنطقة ثم الصيني حديثًا، نظر المسئولون الأمريكيون لجرينلاند باعتبارها ذات أهمية بالغة لمصالح الأمن القومي الأمريكي، على الرغم من تقلص الوجود العسكري الأمريكي فيها من 17 قاعدة عام 1945 إلى قاعدة واحدة فقط اليوم، وهي قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي كانت تُعرف سابقًا باسم قاعدة ثول الجوية حتى عام 2023[16]. وهي واحدة من أهم المواقع العسكرية الاستراتيجية في العالم للولايات المتحدة وبخاصة خلال الحرب الباردة، حينها كانت “ثول” تُمكن القاذفات الأمريكية بعيدة المدى من الوصول إلى الاتحاد السوفيتي، وبها بُنيت أنظمة رادار ضخمة لرصد الصواريخ التي تعبر المسار القطبي، وهو أقصر طريق بين البلدين حينها. وحاليًا يتمركز بها نحو 150 فردًا من القوات الجوية وقوة الفضاء الأمريكية بشكل دائم في “بيتوفيك”، ويديرون برامج الدفاع الصاروخي ومراقبة الفضاء، ويمكن لرادار الإنذار المبكر المُحسّن الموجود بالقاعدة من رصد الصواريخ البالستية في اللحظات الأولى من انطلاقها.
وقد بدأ الوجود العسكري الأمريكي المكثف في جرينلاند خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كانت جرينلاند مستعمرة دنماركية. حينها أبرمت الولايات المتحدة صفقة سرية مع سفير الدنمارك في واشنطن، تتضمن بناء القوات الأمريكية مطارات ومحطات أرصاد جوية في الجزيرة، متجاوزةً بذلك الحكومة التي تسيطر عليها ألمانيا في كوبنهاجن. وبعد مرور عقد، أضفت الدنمارك والولايات المتحدة طابعًا رسميًا على هذه الاتفاقية بمعاهدة دفاعية تمنح واشنطن حقوقًا واسعة لتشغيل منشآت عسكرية على الجزيرة. وهذا الاتجاه استمر حتى الآن، فقد أقر البرلمان الدنماركي في يونيو 2025 مشروع قانون يُتيح إقامة قواعد عسكرية أمريكية على الأراضي الدنماركية، موسّعًا اتفاقًا عسكريًا سابقًا وُقّع عام 2023، منح القوات الأمريكية وصولًا واسعًا إلى قواعد جوية دنماركية.
وهو ما يعني أنه من الناحية العسكرية، لا يوجد ما يمنع الولايات المتحدة من توسيع نفوذها ووجودها العسكري في الجزيرة دون الحاجة للاستحواذ عليها. بل إن ما يمكن أن يحدث هو العكس، فوفقًا لما كتبه وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوكه راسموسن، ردًا على أسئلة من عدد من النواب، فإن كوبنهاجن تستطيع إنهاء الاتفاق إذا حاولت الولايات المتحدة ضمّ كل جرينلاند أو جزء منها.[17]
الموارد والموقع الاستثنائيان
تتمتع جرينلاند بموقع استراتيجي يمتد على شمال المحيط الأطلسي والقطب الشمالي، وهي منطقة تتنافس فيها الولايات المتحدة ومنافسوها الاستراتيجيون الصين وروسيا على ثروات هائلة من المعادن الحيوية والوقود الأحفوري. حيث يُسهّل ذوبان الغطاء الجليدي في جرينلاند المتسارع نتيجة لتغير المناخ الوصول إلى هذه الرواسب.[18] فقد أظهر مسح أُجري في 2023 أن 25 من أصل 34 معدنًا تعتبرها المفوضية الأوروبية من “المواد الخام الأساسية” تسنى العثور عليها في جرينلاند. وتشمل هذه المعادن المواد المستخدمة في البطاريات مثل الغرافيت والليثيوم وما تسمى بالعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المركبات الكهربائية ومولدات طاقة الرياح.
تلك المواد لا توجد بكميات عادية، بل بكميات قادرة على قلب السوق العالمية، فوفقًا لبيان جريء أصدرته شركة التعدين الأسترالية Energy Transition Minerals (ETM)، فإن جرينلاند لديها القدرة على أن تصبح أكبر منتج في العالم الغربي للعناصر الأرضية النادرة الحرجة، منافسةً بذلك الصين التي تُعد المصدر الرئيسي للعناصر الأرضية النادرة. فوفقًا لوكالة الطاقة الدولية، تهيمن الصين على استخراج خامات العناصر الأرضية النادرة (60٪ من السوق) والتكرير (90٪ من السوق). وقد استغلت الصين هذه الهيمنة على السوق، بخاصة حين قامت بحظر على تصدير التكنولوجيات اللازمة لاستخراج المعادن النادرة وفصلها وتنقيتها. ولهذا كان كسر هذا الاحتكار شبه الكامل هدفًا رئيسيًا للخطط الصناعية الخضراء الغربية، التي ركزت على تأمين سلاسل القيمة العالمية.[19]
إلا أن استغلال تلك الموارد من قبل الغرب، العائق الرئيس أمامه، هو قرار حكومة جرينلاند منذ 2021 بوقف تقديم تراخيص استخراج النفط والغاز الطبيعي لأسباب بيئية، وقد واجه قبل هذا الإيقاف قطاع التعدين العامل بالجزيرة عراقيل بسبب البيروقراطية ومعارضة السكان الأصليين لأعماله. وأدى هذا إلى اعتماد اقتصاد جرينلاند على الصيد الذي يمثل أكثر من 95 بالمائة من الصادرات، وعلى الإعانات السنوية من الدنمارك والتي تغطي ما يقرب من نصف الميزانية العامة. وتنفق الدنمارك في المجمل ما يقل قليلًا عن مليار دولار سنويًا على جرينلاند، أو 17500 دولار سنويًا لكل فرد من سكانها.[20]
وعليه؛ فإن التوجه الأمريكي الذي يحكمه فكرة تأمين المجال الحيوي للولايات المتحدة وفق مبدأ مونرو، استراتيجيًا واقتصاديًا، تجعل التوجه نحو السيطرة على الجزيرة سواء باللين أو الشدة كما صرّح الرئيس ترامب، أمرًا لا مناص عنه.
هل تفعل الولايات المتحدة ما فعلته بفنزويلا في جرينلاند؟
بداية، هناك اختلافات جوهرية بين الحالتين الدنماركية والفنزويلية؛ أولها: أن الدنمارك ليست دولة مارقة تُصدر تهديدات للولايات المتحدة، بل إنها تُعد من أقرب الحلفاء للولايات المتحدة. ثانيها: أن الدنمارك تُعطي بالفعل للولايات المتحدة وجودًا عسكريًا غير محدود بالجزيرة، وبهذا فلا يوجد منطق أو تهديد عسكري بالجزيرة أو من الدنمارك على الولايات المتحدة.
وعليه؛ فإن العائق الرئيس الذي تواجهه الولايات المتحدة لتحقيق كافة اهتماماتها، هو من قبل سكان جرينلاند أنفسهم، فهم من يتحكمون في سياسات الجزيرة الداخلية، وبخاصة المتعلقة باستغلال موارد الجزيرة. ووفق قانون الحكم الذاتي لعام 2009، فإن سكان جرينلاند هم شعب مستقل، لهم الحق منذ ذلك الوقت في الخروج عن السيادة الدنماركية حال القيام باستفتاء ينص على ذلك. إلا أن شعب جرينلاند بالرغم من رغبتهم القديمة في الاستقلال، بعد دعوة الرئيس ترامب منذ 2019 لضم الجزيرة، زادت مخاوفهم من الانفصال عن الدنمارك. وقد تجلى هذا الخوف في انتخاباتهم المحلية بمارس الماضي؛ حيث صوّت ثلاثة من كل أربعة ناخبين جرينلانديين لأحزاب تدعم فقط خطوةً تدريجيةً نحو الاستقلال.[21]
ولهذا، فإن سياسة الضغط القصوى التي يقوم بها الرئيس ترامب، تهدف إلى التوصل لتفاهم جديد يُعيد لشركات التعدين العمل مرة أخرى بالمنطقة، سواء كان ذلك بدفع مواطني جرينلاند للاستقلال والانضمام للولايات المتحدة، وحينها سيسهل ترحيلهم لأي منطقة أخرى، أو يؤدي ضغطه سواء العسكري أو الاقتصادي على الدنمارك لتراجع الدنمارك عن دعم الجزيرة وأهلها، بما قد يدفعهم في حال زيادة تراجع أحوالهم الاقتصادية، لقبول تسوية اقتصادية تسمح باستغلال موارد الجزيرة.
وفي كل الأحوال، فإنه لا يمكن توقع تراجع الإدارة الأمريكية في المدى المنظور عن الاستمرار في تصعيدها تجاه الدنمارك، مستغلة الزخم الذي ولّدته لحظة اعتقال الرئيس الفنزويلي بهذا الشكل غير المسبوق. هذا التصعيد الذي يهدف منه تحقيق عدد من المكاسب؛ أولها: الاستحواذ على موارد الجزيرة، وثانيها: التوضيح للجانبيين الروسي والصيني بأن الولايات المتحدة تتعامل مع ما تعتبره مجالها الحيوي بشكل لا تهاون فيه.
[1] Michael Scherer, Trump Threatens Venezuela’s New Leader With a Fate Worse Than Maduro’s, 4\1\2026
https://www.theatlantic.com/national-security/2026/01/trump-venezuela-maduro-delcy-rodriguez/685497
[2] سكاي نيوز عربية، ترامب يسعى لإغراء سكان جرينلاند بالمال.. كم سيدفع لكل منهم؟، 8\1\2026
[3] Miranda Bryant ,Trump must give up ‘fantasies about annexation’, says Greenland’s PM, 5\1\2026
[4] Deborah Cole, US attack on Venezuela raises fears of future Greenland takeover, 4\1\2026
[5] PA News Agency, Starmer says he ‘stands’ with Denmark amid Donald Trump’s threats over Greenland, 5\1\2026.
[6] Shane Croucher, Greenland: NATO Allies Who Fear Russia Invasion Warn Donald Trump, 5\1\2026.
https://www.newsweek.com/greenland-nato-russia-baltic-donald-trump-11306788
[7] Seb Starcevic, Europe must unite or it’s ‘finished,’ Poland’s Tusk warns as Trump salivates over Greenland, 5\1\2026
[8]Jon Henley, You cannot annex other countries, Danish and Greenlandic leaders tell Trump, 22\12\2025.
[9] Fiona Kelliher, Denmark to boost Arctic defence by $4.26bn, plans to buy 16 new F-35s, 11\10\2025.
[10] Lara Seligman, Denmark to Spend $8.5 Billion on Weapons in Message to Trump, 10\10\2025.
[11] Paul Musgrave, American Imperialists Have Always Dreamed of Greenland, 16\8\2019.
[12] Miranda Bryant, Danish intelligence accuses US of using economic power to ‘assert its will’ over allies, 12\12\2025. https://www.theguardian.com/world/2025/dec/12/danish-intelligence-accuse-the-us-of-using-economic-power-to-assert-will-over-allies
[13] الشرق، قواعد عسكرية ومراكز بحثية.. “القطب الشمالي” بؤرة صراع استراتيجي جديد بين القوى العظمى، 22\9\2024.
[14] Elizabeth Buchanan, Why Russia and China Won’t Go the Distance in the High North, 5\2024.
[15] Gabija Leclerc, Russia’s war on Ukraine: Implications for the Arctic, EPRS | European Parliamentary Research Service, 1\2024. https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/BRIE/2024/754604/EPRS_BRI(2024)754604_EN.pdf
[16] Lara Seligman, IBID.
[17] Maya Tekeli and Jeffrey Gettleman, What’s the American Base on Greenland? Here’s What to Know, 25\3\2025. https://www.nytimes.com/2025/03/25/world/europe/greenland-us-space-base.html
[18] Sanne Wass and Sara Sjolin, President Trump Is Obsessed With Taking Over Greenland. Why?, 5\1\2026.
[19] Christine Schwöbel-Patel, The Coming Battle for Greenland, 19\1\2025.
https://jacobin.com/2025/01/greenland-trump-climate-imperialism-mining
[20] الشرق الأوسط، لماذا يريد ترامب جرينلاند وهل يمكنه الحصول عليها؟، 9\1\2025. https://shorturl.at/Guj7q
[21] Sanne Wass and Sara Sjolin, IBID.






























