لم تكن الآثار المصرية يومًا مجرد شواهد تاريخية منقطعة عن الحاضر، بل تمثل مكوّنًا حيًّا من مكونات الهوية الوطنية المصرية، وركيزة أساسية في تشكيل الوعي الجمعي للدولة والمجتمع. ومع ذلك، تشهد الساحة الثقافية والإعلامية يومًا بعد يوم محاولات متزايدة لإعادة توظيف هذا التراث خارج سياقه العلمي والوطني، عبر خطاب أفروسنتريك الذي يتعامل مع مصر القديمة لا بوصفها حضارة تشكّلت داخل المجال المصري، بل باعتبارها كيانًا عرقيًا يُفصل عن جغرافيته وتاريخه، ويُعاد تعريفه وفق سرديات أيديولوجية معاصرة محرفة.
ويقوم هذا النمط من الخطاب على منطق مألوف في التاريخ السياسي للصراعات، قوامه استدعاء الماضي واستخدام السرديات التاريخية المزيفة لتكريس “حقوق” مُتخيَّلة ونزع الشرعية عن أصحاب التراث الفعليين. وهو منطق يوازي ما مارسته الحركة الصهيونية في بداياتها، حين جرى توظيف التاريخ والدين لتأسيس ادعاء “الحق التاريخي” في أرض فلسطين، مقابل تصوير الوجود الفلسطيني بوصفه طارئًا أو دخيلًا. الفارق أن توظيف الآثار المصرية يتم اليوم في المجال الثقافي والإعلامي الدولي، لا عبر الاحتلال العسكري، لكنه يشترك معه في جوهر واحد وهو تجريد أصحاب الأرض أو التراث من حقهم في تاريخهم، وإعادة تعريف الهوية عبر خطاب إقصائي يُقدَّم في صورة استعادة عدالة تاريخية.
ومن ثمّ، لا تقتصر أهمية هذا الطرح على كونه ردًا على خطاب طارئ، بل يفرض نفسه باعتباره ضرورة معرفية؛ إذ أن تفكيك السرديات الزائفة، القائمة على اجتزاء التاريخ يمثّل الخطوة الأولى في بناء منظومة وعي قادرة على تحصين المجتمع، لا سيما الأجيال الجديدة، ضد محاولات نزع الانتماء وإعادة تعريف الهوية المصرية من خارج سياقها الوطني.
وتأتي هذه الورقة بوصفها مدخلًا تحليليًا تأسيسيًا، يركّز على تتبّع الجذور الفكرية لفكر الأفروسنتريك ورصد آليات تشكّله وانتشاره، باعتبار أن فهم هذه البنية الفكرية ومسارات تمددها يمثل الشرط الأول لأي مقاربة علمية جادة تستهدف تفكيك هذا الخطاب ومواجهة آثاره على الوعي والهوية.
أولًا: جذور فكر الأفروسنتريك
تعود جذور فكر الأفروسنتريك إلى القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الأمريكية كرد فعل واتجاه مضاد للهيمنة الأوروبية والتمييز العنصري، الذي واجهه الأفارقة الأمريكيون، خاصة في أعقاب العبودية وبعد انتهاء الاستعمار الأوروبي في أفريقيا.
وبدأت فكرة المركزية الأفريقية بالظهور تدريجيًا كجزء من الحركة الفكرية التي نشأت داخل الشتات الأفريقي في محاولات لخلق وعي زائف بين الأمريكيين من أصول أفريقية، الذين كانوا يسعون إلى استعادة فخرهم وثقتهم بأنفسهم من خلال إيجاد جذور ثقافية وتاريخية.
وقد ساعدت مجموعة من العوامل على تعزيز انتشار هذا الفكر، من بينها تجارة العبيد العابرة للأطلسي، وتجربة الشتات الأفريقي الممتدة لقرون، إلى جانب حركات الحقوق المدنية وصعود ما عُرف بـ«الفكر الأسود» في خمسينيات القرن الماضي، الذي طالب بالمساواة الكاملة بين الأمريكيين السود ونظرائهم من ذوي البشرة البيضاء. ويتضح من دوافع الأفروسنتريك أن أغلبها دوافع فئوية شخصية تخفي وراءها قائمة من العنصرية والشعور بالمظلومية بجانب رغبة ملحة في عدم الشعور بالدونية وتحقيق المساواة مع الأعراق الأخرى في أوساط المجتمعات الغربية.
وفي هذا السياق، برز عدد من الأفراد الذين أسهموا في بلورة خطاب الأفروسنتريك بصوره المختلفة، منهم “ماركوس غارفي” Marcus Garvey في بدايات القرن العشرين، الذي روج لفكرة الشتات الأفريقي ودعا إلى دولة أفريقية منفصلة للأمريكيين السود.
كما يُعدّ السنغالي شيخ أنتا ديوب (Cheikh Anta Diop) إحدى أكثر الشخصيات تأثيرًا في هذا الفكر منذ خمسينيات القرن العشرين، من خلال أطروحاته التي سعت إلى ربط الحضارة المصرية القديمة بالجذور الأفريقية السوداء، من خلال عمله الأكاديمي في فرنسا والسنغال.
وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، شهد فكر الأفروسنتريك انتقالًا من المجال الخطابي العام إلى الإطار الأكاديمي المؤسسي، خاصة مع أعمال موليفي كيتي أسانتي (Molefi Kete Asante)، الذي صاغ مفهوم «الأفروسنتريّة» بشكل منهجي داخل الجامعات الأمريكية، وأسّس له من خلال قسم الدراسات الأفريقية–الأمريكية بجامعة تمبل(Temple University)، الذي أصبح أحد أبرز المراكز المؤسسية المنتجة لهذا الخطاب، كما أنشأ معهد موليفي أسانتي للدراسات الأفروسنتريكية؛ مما أسهم في تحويل الأفروسنتريك من خطاب ثقافي إلى إطار أكاديمي منظم.
ومنذ ذلك الوقت يجرى احتضان ودعم هذ الفكر داخل الإطار الجامعي الأمريكي فبجانب أسانتي وديوب، برز عدد من الأكاديميين المرتبطين بهذه الأقسام مثل جون هنريك كلارك، الذي درّس في برامج الدراسات الأفريقية–الأمريكية وكان من أوائل من دعوا إلى إعادة كتابة التاريخ العالمي من منظور “مركزي أفريقي”، وإيفان فان سيرتيما(Ivan Van Sertima)، أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة روتجرز، الذي روّج لأطروحات مثيرة للجدل وجدت صدى واسعًا داخل الأوساط الأفروسنتريكية رغم رفضها أكاديميًا في تخصصات التاريخ والآثار.
وبذلك، لا يمكن فهم انتشار فكر الأفروسنتريك بمعزل عن الدور المؤسسي الذي لعبته أقسام الدراسات الأفريقية والأفريقية–الأمريكية في الجامعات الأمريكية؛ حيث تحولت هذه الأقسام إلى حاضنة فكرية أتاحت إعادة إنتاج هذا الخطاب في صورة مقررات دراسية، وكتب جامعية، ومراكز بحثية، ومنصات نشر؛ مما منح الأفروسنتريك غطاءً أكاديميًا ساعد على تمدده خارج المجال الجامعي إلى الفضاء الإعلامي والثقافي الأوسع.
ثانيًا: آليات الانتشار والأدوات الخطابية
يعتمد فكر الأفروسنتريك على إعادة قراءة التاريخ المصري القديم وإبراز الهوية الأفريقية السوداء للمصريين. هذه القراءة لا تقتصر على البحوث الأكاديمية، بل تمتد لتشمل أدوات عملية متعددة لنشر هذا الفكر والادعاءات الباطلة، بدءًا من الجولات التعليمية والورش الميدانية، مرورًا بالإعلام المرئي والمطبوع، وصولًا إلى الشبكات الفكرية الدولية التي تربط الباحثين والمؤسسات المتخصصة. مسعاة إلى ترسيخ رواية بديلة تمتد لما هو أبعد من مجرد إعادة لقراءة التاريخ ومن أهم أدوات الانتشار ما يلي:
- الجولات التعليمية لمصر تحت غطاء سياحي
تعتمد الجولات التعليمية في إطار فكر الأفروسنتريك على إعادة قراءة التاريخ المصري القديم وتقديمه كامتداد طبيعي للهوية الأفريقية السوداء. ولا تقتصر هذه الجولات على عرض المواقع الأثرية، بل تُوظف أيضًا كنشاط ميداني متكامل يربط المشاركين بمفاهيم ثقافية وفكرية محددة، بدءًا من الأهرامات والمعابد، مرورًا بالمقابر والمتاحف، وصولًا إلى التفاعل مع المجتمعات المحلية “النوبة”. وتقدم الجولات نفسها كمسار دراسي يربط بين الخبرة الميدانية والتعليمية.
ومن ناحية أخرى، تعتمد الجولات التعليمية الأفروسنتريك والتي تتم “تحت غطاء سياحي”، على آلية الجمع بين التعليم والتجارة، من خلال فرض رسوم مرتفعة على المشاركين (7000-5000 دولار تقريبًا للجولة)؛ مما يضمن تمويلًا مستدامًا لتلك الأنشطة.
وبالنظر إلى هذه الآليات، فإن الجولات التعليمية ليست مجرد نشاط سياحي أو أكاديمي، بل أداة استراتيجية لتوسيع النفوذ الفكري والسياسي لهذا الخطاب. فهي تمنح الشرعية البصرية لطرح الأفروسنتريك عبر عرض المحاضر أمام الأثر مباشرة، وتوظف التكرار والتوثيق الرقمي لضمان انتشار الرسالة عالميًا؛ مما يجعلها بداية لتأطير الهوية المصرية ضمن سردية خارجية أكثر اتساعًا.
ومن الملاحظ أن هذه الجولات غالبًا ما تُدرج ضمن البرامج السياحية العادية، بحيث تبدو كرحلات تعليمية عادية، غير أن المواد البصرية التي تُجمع خلالها تُوظف لاحقًا بعد عودة المشاركين إلى بلدانهم في إنتاج محتوى ترويجي يروّج لهذا الفكر.

صور إحدى الجولات التعليمية التابعة لمؤسسات تتبنى فكر الأفروسنتريك تحت الغطاء السياحي

زيارة كابا أحد عناصر الافروسنتريك للمتحف المصري في التحرير 2024
- الانتقاء التأويلي للأدلة الأثرية
يستخدم هذا الخطاب برامج انتقائية موجّهة تخدم سردية أيديولوجية أحادية؛ حيث تقتصر الجولات التعليمية على مواقع أثرية بعينها مثل الأهرامات، وأبو الهول، والكرنك، وفيلة، والمتحف المصري، وهي مواقع يُعاد تأطيرها بوصفها «أدلة» على أن الحضارة المصرية ذات جذور أفريقية سوداء. ولا يقتصر هذا الانتقاء على اختيار المواقع فقط، بل يمتد إلى انتقاء أدلة بعينها داخل الموقع الأثري نفسه، عبر عزل عناصر بصرية محددة عن سياقها التاريخي واللغوي والأثري الأشمل، وتجاهل شواهد أخرى مادية ونصية حاضرة في المكان ذاته، لكنها تتعارض مع السردية المطروحة.
ويعكس ذلك اعتمادًا على ما يُعرف بالانتقائية التأويلية للأثر؛ حيث تُمنح الأولوية للدليل البصري السريع القابل للاستهلاك الجماهيري، على حساب الأدلة الأكثر تعقيدًا التي تتطلب معرفة متخصصة، مثل النصوص الهيروغليفية، والتنوع الزمني والإقليمي، وتحولات السمات البشرية عبر العصور. وفي المقابل، تتجاهل هذه الجولات مواقع أخرى في مصر تُجسّد التعددية التاريخية والحضارية، مثل الآثار اليونانية–الرومانية والمعالم القبطية والإسلامية، بما يؤكد أن الهدف من هذه الجولات ليس دراسة مصر كوطن حضاري ممتد ومتعدد الطبقات، بل توظيفها كأداة رمزية لتثبيت سردية اختزالية تُسقط مصر في إطار “الأمة الأفريقية السوداء”.
.
برامج إحدى الجولات التعليمية التي تحمل فكر الأفروسنتريك لمصر 2024
- الربط مع المجتمع المحلي
يستخدم منتمو هذا الفكر استراتيجية الربط بين التراث المصري والمجتمع المحلي، من خلال زيارة القرى النوبية لعقد ورش عمل وأنشطة تعليمية. مما يعطي الانطباع بأن التراث المصري القديم لا يزال حيًا ومتصلًا بالمجتمع؛ حيث يوظف حضور النوبيين في الجولات كدليل حي على الانتماء الأفريقي، وجعل الرسالة أكثر مصداقية بالنسبة للجمهور الخارجي.
علاوة على ذلك، تخلق هذه الزيارات صورة أكثر تفاعلية للخطاب؛ حيث يشارك الجمهور المحلي والزوار الأجانب في تجارب عملية؛ مما يحوّل الجولات التعليمية إلى حدث ثقافي يقوم على إقناع المتلقين بأن الهوية الأفريقية لم تكن مجرد نظرية أكاديمية، بل واقعًا حيويًا وحيًا.
- التوثيق والتكرار
تعتبر إعادة إنتاج المحتوى وتوثيقه بشكل مستمر من أبرز أدوات انتشار خطاب الأفروسنتريك. حيث يتم تسجيل المحاضرات أثناء الجولات وإعداد فيديوهات تعليمية قصيرة ومقالات رقمية تنشر عبر الإنترنت ومواقع التواصل المختلفة مثل “يوتيوب – تيك توك- انستجرام- فيسبوك”؛ مما يضمن سهولة وصول الجمهور المعني للمحتوى في أي وقت ومشاركته بسهولة.
وتُستكمل هذه الآلية بتحويل المادة الناتجة عن الجولات إلى منتجات معرفية قابلة للتسويق، مثل تسجيلات فيديو ومواد مرئية تُقدَّم في صورة أقراص أو محتوى مدفوع، بما يحقق عائدًا ماديًا يدعم استمرارية النشاط وانتشار الرسالة. وبهذا الشكل، يُعاد إنتاج الأفكار نفسها بصورة منهجية، بما يسهم في ترسيخها تدريجيًا في وعي المتلقين وجعلها مألوفة ومقبولة، لا سيما بين فئات الطلاب وأبناء الشتات الأفريقي، ويضمن للخطاب حضورًا طويل الأمد يتجاوز إطار الجولة المؤقتة إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل الوعي.

تسجيلات فيديو ومواد مرئية تُقدَّم في صورة أقراص أو محتوى مدفوع على منصات أفروسنتريك
- الخطاب الأكاديمي الجماهيري
يُنتَج هذا الخطاب في صورة مواد مكتوبة موجّهة بالأساس إلى جمهور الشتات الأفريقي، مثل المقالات التعليمية والكتيبات والمنشورات التفسيرية، ويعتمد على لغة تجمع بين الصياغة الأكاديمية لإضفاء الشرعية والطابع الجماهيري لسهولة الاستيعاب، ولإقناع المتلقي غير المتخصص بأنه لا يطّلع على معرفة تاريخية فحسب، بل يعيد بناء صلته الشخصية بتراثه الأفريقي المفقود.
ومن زاوية النشر، يعتمد المؤلفون المتبنون لهذا الفكر على دور نشر صغيرة متخصصة في الأدبيات الأفرو–دياسبورالية وليست دورًا أكاديمية محكمة. وذلك للهروب من آليات المراجعة العلمية الرصينة، مقابل مساحة أكبر في إعادة تزييف التاريخ بما يخدم أهدافهم المزعومة. لأن النشر عبر هذه القنوات يوفر غطاءً مؤسسيًا يسمح بتسويق الأعمال كمنتجات ثقافية، ويوسّع من قاعدة انتشارها بين الجمهور العام والشتات الأفريقي.



بعض الكتب المنشورة على منصات تحمل أفكار الأفروسنتريك
- إعادة إنتاج التراث المادي كأداة للهيمنة الثقافية
تتجاوز خطورة خطاب الأفروسنتريك نطاق الجولات التعليمية والأنشطة التوعوية، لتصل إلى مجال أكثر تأثيرًا يتمثل في إعادة إنتاج التراث المادي المصري ذاته. إذ يجري توظيف المستنسخات الأثرية، المصنوعة بأحجام ومقاسات مطابقة للأصول، كوسيط لإعادة تشكيل الرموز والدلالات البصرية للحضارة المصرية القديمة وفق سردية بديلة تعيد تعريف ملامح المصري القديم، خاصة على مستوى اللون والسمات الشكلية، بما يخدم أطروحاتهم الأيديولوجية.
إضافة إلى ذلك، تحول هذه النسخ إلى سلعة ثقافية قابلة للتداول والاقتناء داخل البيوت، والمتاحف المجتمعية، والمؤسسات التعليمية باعتبارها تمثيلًا “موثوقًا” للأثر؛ مما يمنحها سلطة بصرية ومعرفية، تتيح لها أن تؤدي دورًا بديلًا عن الأصل في تشكيل الوعي، لا سيما لدى الجمهور غير المتخصص.

صورة بيع مستنسخ مشهد المحاكمة من كتاب الموتى بـ 199 دولار على إحدى منصات الأفروسنتريك وقد صبغت الوجوه والأجساد باللون الأسود

المشهد الأصلي من كتاب الموتى والمعروض في المتحف البريطاني


مستنسخ بردية لزودياك دندرة للبيع بسعر 100 دولار وصورة لزودياك دندرة الأصلي المعروض في متحف اللوفر
- الأفلام الوثائقية وتزييف الواقع
يمثل التوظيف البصري في الأفلام الوثائقية والمعارض المتحفية إحدى أخطر أدوات ترسيخ خطاب الأفروسنتريك، لما يتمتع به من قدرة عالية على التأثير في الوعي الجمعي وتشكيل “الأكاذيب التاريخية” لدى المتلقي بوصفها حقيقة لا تقبل الجدل. ومن أشهر الأمثلة الدالة على ذلك المسار، عرض منصة «نتفلكس» عملًا دراميًا–وثائقيًا عن كليوباترا عام 2023، قُدِّمت فيه الشخصية التاريخية بملامح أفريقية سوداء.

كليوباترا بملامح زنجية على منصة نتفلكس
استدعى الإعلان عن عرض فيلم «الملكة كليوباترا»، قيام وزارة السياحة والآثار بإصدار رد رسمي؛ نظرًا لما تضمنه العمل من معالجة تُصنَّف كفيلم وثائقي، في حين أنها تتعارض مع الثوابت التاريخية والعلمية المستقرة. وأكدت الوزارة أن تصوير الملكة كليوباترا السابعة بملامح لا تتسق مع ما أثبتته الشواهد الأثرية يُعد مغالطة تاريخية وتزييفًا للتاريخ المصري القديم، خاصة أن هناك كمًا وافرًا من الأدلة المادية، تشمل التماثيل والنقوش والعملات المعدنية، إلى جانب كتابات المؤرخين الكلاسيكيين، التي تُجمع على انتماء الملكة إلى أصول مقدونية هيلينستية وظهورها بملامح يونانية وبشرة فاتحة اللون.
وشددت الوزارة على أن الملكة كليوباترا السابعة تنتمي إلى الأسرة البطلمية التي حكمت مصر قرابة ثلاثة قرون، وحافظت على نقاء نسبها المقدوني عبر التزاوج الداخلي وفقًا لعادات العصر، وهو ما تؤكده الدراسات الأثرية والأنثروبولوجية والبيولوجية المتعلقة بسكان مصر القديمة. وأوضحت أن الاعتراض على الفيلم ينطلق من منطلق علمي وأكاديمي بحت دفاعًا عن دقة التاريخ المصري، وضرورة التزام صُنّاع الأعمال الوثائقية بالرجوع إلى المتخصصين وتحري الدقة العلمية عند تناول تاريخ وحضارات الشعوب.
كما أعلن الدكتور زاهي حواس، عالم المصريات ووزير الآثار الأسبق، عن إطلاق فيلم وثائقي مضاد بعنوان «كليوباترا الحقيقية» يعرض الحقائق التاريخية حول نسب الملكة وسياق حكمها، مؤكدًا أهمية الحفاظ على الدقة العلمية في عرض التاريخ المصري. كما أسهم الدكتور مصطفى وزيري، عالم المصريات، في دعم هذه الجهود من خلال إصدار بيانات وتصريحات تصحح المعلومات المغلوطة وتؤكد على الهوية التاريخية الدقيقة لمصر القديمة.


الرد الرسمي لوزارة السياحة والآثار على فيلم كليوباترا
وبالتزامن مع عرض الفيلم جرى تنظيم معرض للآثار المصرية في المتحف الوطني للآثار بهولندا، تضمّن نماذج بصرية أُعيد توظيفها ليخدم سردية الأفروسنتريك حول الهوية العرقية للمصريين القدماء. وبرز من بين هذه المعروضات مستنسخ لقناع الملك توت عنخ آمون، جرى تحوير ملامحه ليظهر ببشرة داكنة وسمات أفريقية، في تعارض واضح مع الخصائص الأصلية للقناع الذهبي ومع ما استقر عليه البحث العلمي في علم المصريات. وعلى إثر هذا الحدث في يونيو 2023، منعت وزارة السياحة والآثار فريقًا من علماء الآثار الهولنديين من الحصول على تصريح للتنقيب في منطقة سقارة.

مستنسخ لتمثال توت عنخ آمون بملامح زنجية تم عرضه في المتحف الوطني للآثار بهولندا لخدمة فكرة الأفروسنتريك
وفي عام 2023، كان من المقرر إقامة عرض للفنان الكوميدي الأمريكي كيفن هارت في القاهرة بعنوان «Reality Check 2023»، إلا أنه تعرض لحملات مقاطعة واسعة على خلفية تصريحاته بشأن توصيف ملوك مصر القديمة باعتبارهم «أفارقة سود»؛ حيث صرح قائلًا: “يجب أن نُعلّم أطفالنا التاريخ الحقيقي للأفارقة السود عندما كانوا ملوكًا في مصر، لا أن نحصر تاريخهم في حقبة العبودية”. وشارك في حملات المقاطعة عدد من الشخصيات العامة والأكاديمية في مجال التاريخ والآثار، وعلى أثر تلك الحملات تم إلغاء الحفل نهائيًا.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى تلك الأعمال باعتبارها مجرد اجتهادات فنية أو قراءات بديلة للتاريخ، بل بوصفها عملية تزييف بصري ممنهج يستغل سلطة الصورة، سواء في الفيلم الوثائقي أو في المتحف، لإضفاء شرعية زائفة على خطاب أيديولوجي إقصائي.
- إعادة تصنيف الحضارة المصرية ضمن “خط الحضارات السوداء” المتحفي
شهدت السنوات الأخيرة توجهًا متصاعدًا داخل عدد من المتاحف الغربية لإعادة تنظيم العروض الدائمة والمؤقتة وفق ما يُعرف بـ«خط الحضارات السوداء»، وهو إطار تصنيفي يقوم على جمع حضارات أفريقية متعددة ومتباينة زمنيًا وجغرافيًا داخل سردية واحدة قائمة على اللون والعرق، لا على الخصوصية الحضارية أو المسار التاريخي.
وفي هذا السياق، جرى إدراج الحضارة المصرية القديمة في أكثر من مناسبة باعتبارها حلقة ضمن سلسلة حضارات “سوداء”، بما يطمس خصوصيتها التاريخية، ويعزلها عن سياقها الجغرافي والحضاري الطبيعي داخل وادي النيل والعالم المتوسطي القديم. في تصنيف لا يستند إلى مناهج علم المصريات، بقدر ما يعكس توظيفًا أيديولوجيًا للعرض المتحفي، ويُعيد ترتيب التاريخ ذهنيًا وفق اعتبارات معاصرة تتجاوز الدقة الأكاديمية.
- تشبيك المسارات
تكشف قراءة مسارات خطاب الأفروسنتريك وأدواته المختلفة أن هذا الفكر لا يستهدف في الأساس المجتمع المصري بوصفه جمهورًا مباشرًا، بقدر ما يُوجَّه أساسًا إلى جماعات الشتات الأفريقي في الغرب، عبر خطاب حماسي قائم على استعادة كرامة تاريخية مُتخَيلة وبناء هوية جمعية عابرة للحدود. وتأتي مصر القديمة في هذا السياق بوصفها الرمز الأعلى والأكثر جاذبية داخل هذا الخطاب كأصل مؤسس يُعاد توظيفه لإنتاج سردية جديدة تخدم جمهورًا خارجيًا.
وفي المقابل، تُظهر القراءة والتحليل العميق للخطاب أن هذا الفكر لم ينشأ بوصفه ظاهرة طارئة أو رد فعل لحظي، بل هو نتاج مسار تمهيدي طويل بدأ منذ خمسينيات القرن الماضي داخل السياق الأمريكي، وتطور عبر عقود ليصبح منظومة فكرية متكاملة تمتلك خطابًا، وآليات انتشار، وأدوات تعليمية، وشبكات مؤسسية، وسوقًا ثقافيًا عابرًا للحدود. وهو ما يعني أن التعامل معه باعتباره «ضجة إعلامية» أو جدلًا عابرًا على منصات التواصل الاجتماعي يُعدّ تبسيطًا مخلًا بطبيعة التحدي، ويغفل عمق المشروع وقدرته على الترسخ في الوعي الغربي بمرور الوقت.
في الختام، إن مواجهة هذا الخطاب لا يمكن أن تتم عبر ردود انفعالية أو سجالات رقمية مؤقتة، بل تتطلب انتقالًا واعيًا إلى مستوى الرد الأكاديمي المتخصص والمؤسسي. فمصر تمتلك رصيدًا علميًا ومعرفيًا هائلًا من علماء المصريات، والمؤسسات البحثية، والمراكز الثقافية، القادرة على إنتاج خطاب علمي عالمي موازٍ، يفكك الادعاءات الأفروسنتريكية على أسس منهجية، بلغة يفهمها العالم ويثق بها. لأن استمرار التعامل مع هذا الفكر بوصفه بعيدًا عن المجال المصري المباشر يفتح المجال لترسخه تدريجيًا في الغرب، ليتحول من خطاب هامشي إلى “واقع معرفي “يصعب تفكيكه لاحقًا. حينها، لن تكون المعركة دفاعًا عن تفسير تاريخي فحسب، بل دفاعًا عن الحق الشرعي في الإرث الحضاري والملكية الرمزية لمصر القديمة. ومن هنا، فإن التحرك المبكر، المنهجي، والعلمي، لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية الهوية والتاريخ.






























