يبرز إقليم أودال، ومدينة زيلع على وجه الخصوص، كنموذج لتشابك الهوية العشائرية مع أزمة الشرعية السياسية في إقليم أرض الصومال؛ حيث تكشف احتجاجات مدينتي بوراما وزيلع عن هشاشة التوافقات التاريخية وتراجع قدرة حكومة هرجيسا على إدارة نزاعات الأطراف، في إعادة إنتاج لنموذج ولاية شمال الشرق الصومالية الناشئة مؤخرًا والتي نالت اعتراف الحكومة الفيدرالية في مقديشيو. وتتفاقم هذه الهشاشة بفعل الأهمية الاستراتيجية للإقليم باعتباره منفذًا محتملًا لمشاريع النفاذ البحري الإثيوبية، ووقوعه ضمن المجال الاجتماعي التقليدي لقبائل العيسى، في مقابل محاولات جيبوتي موازنة النفوذ عبر الامتدادات العشائرية. وقد تجلّى هذا التداخل بوضوح في أزمة “قانون عيسى”، ديسمبر 2025، حين تحوّل الاحتجاج الرمزي إلى تعبئة عشائرية مسلحة في زيلع وبوراما، بما يؤكد أن صراع أودال يتجاوز الخلاف الثقافي المحلي ليشكّل نقطة تقاطع بين أزمة الشرعية الداخلية، والتنافس على الساحل، والتحولات الجيوسياسية في القرن الأفريقي.
مسار الأزمة
أثار قرار حكومة أرض الصومال بإلغاء تنظيم الاحتفال الثقافي المرتبط بـ “قانون عيسى”، الذي كان مقررًا عقده في مدينة زيلع الساحلية في 14 ديسمبر 2025، موجة تصعيد أمني واجتماعي غير مسبوقة في إقليم أودال. تجلى هذ التصعيد في اندلاع احتجاجات واسعة النطاق في مدينتي زيلع وبوراما، سرعان ما تحولت إلى اشتباكات عنيفة بين عشيرتي عيسى وغادابورسي (سامارون). ويأتي هذا التطور في سياق نزاع ممتد حول الحقوق الثقافية والرمزية، وتنازع سرديات الملكية التاريخية والسيادة المحلية على مدينة زيلع، التي تمثل بالنسبة لعشيرة عيسى مركزًا رمزيًا لهويتها كونها موقع تتويج السلطان الأكبر (الأوغاس)، بينما تُعدّ جزءًا من المجال الاجتماعي والتاريخي لمجتمعات غادابورسي.
وقد تصاعدت حدة التوترات بشكل ملحوظ عقب إصدار السلطان الأكبر لعشيرة عيسى دعوة عاجلة للحشد، دعا فيها أبناء العشيرة إلى التجمع في زيلع، متهمًا سلطات أرض الصومال بالانحياز لمجتمع السامارون في النزاع القائم حول المدينة، ومعلنًا ضرورة “الدفاع عن الوطن”. وأسفرت هذه الدعوة عن تعبئة سريعة لمئات المقاتلين من عشيرة عيسى القادمين من إقليم الصومال الإثيوبي ” الأوجادين” وجيبوتي؛ مما أثار مخاوف من تمدد النزاع إقليميًا وزعزعة الاستقرار الهش في إقليم أودال، لا سيما في ظل التداخل الجغرافي للعشائر مع الحسابات السياسية والإقليمية لكل من أديس أبابا وجيبوتي.
وأدت الاحتجاجات إلى مواجهات مباشرة مع قوات الأمن، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى؛ مما دفع رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله “عرّو” إلى إصدار قرار بإلغاء فعالية إطلاق الكتاب في مدينة زيلع، استجابة لضغوط شيوخ عشائر غادابورسي بهدف الحفاظ على السلم الأهلي. ومع ذلك، لم ينجح هذا التراجع الرسمي في احتواء الأزمة؛ إذ أعلنت قبيلة العيسى دخولها في حالة قتال، معتبرة القرار مساسًا بحق ثقافي واجتماعي متجذر؛ مما حول الأزمة من احتجاج مدني إلى تعبئة عشائرية مفتوحة.
وشكّل قرار إلغاء المهرجان الثقافي، بعد الاعتراف الذي منحته منظمة اليونسكو ديسمبر 2024 لـ«حير عيسى» باعتباره منظومة عرفية تقليدية تمثل أحد أشكال التراث الثقافي غير المادي، لنظام عرفي قبلي يمتد لحوالي خمسة قرون، ويشكل جزءًا من المنظومة القانونية والثقافية التقليدية للعشائر الصومالية: الشرارة المباشرة للأزمة. غير أن الاعتراض الصريح من جانب مجتمع الغادابورسي، ولا سيما تجاه المادة التوثيقية المصاحبة للمهرجان التي وُزّعت قبيل الإلغاء، أسهم في انتقال سريع من حالة التوتر الاجتماعي إلى تصعيد عنيف امتد لعدة أيام في أنحاء متفرقة من إقليم أودال، أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 18 شخصًا وإصابة أكثر من 100 آخرين، إضافة إلى أعمال نهب للبنك المركزي وإحراق ممتلكات عامة. إذ يعزو شيوخ الغدبورسي هذا التصعيد إلى ما رأوه أن الكتاب يتضمن خرائط وسرديات تاريخية ذات دلالة إقصائية للغدبورسي، على نحوٍ اعتُبر مساسًا بتوازنات الملكية والشرعية المحلية في زيلع وأودال، بما حوّل الخلاف من المجال الثقافي إلى مواجهة عشائرية مفتوحة.
في المقابل، وجّه شيوخ العشائر ونواب منتخبون عن إقليم أودال انتقادات حادة للاستخدام المفرط للقوة من قبل سلطات أرض الصومال في التعامل مع الاحتجاجات، مطالبين بسحب القوات الأمنية من المدن المتوترة، وملوّحين بخيارات “الدفاع الذاتي” في حال استمرار النهج الأمني القائم. في ظل هذه التطورات، أعلن أحمد ياسين شيخ علي أيانلي، وزير الإعلام في حكومة أرض الصومال، استقالته على خلفية الاضطرابات في بوراما.

الجذور العميقة للنزاع في غرب أرض الصومال
لطالما شكّلت مدينة بوراما، كمدينة حدودية ذات تركيبة عشائرية متداخلة، أحد مراكز التوتر في العلاقة بين المركز السياسي في هرجيسا والأقاليم الغربية لأرض الصومال، ولا سيما إقليم أودال. وتعود هذه التوترات إلى تداخل مركّب لعوامل تاريخية وسياسية واجتماعية، انعكست في المطالب المتكررة لبعض النخب المحلية بإنشاء كيان إداري مستقل ” إقليم أودال”. إلى جانب الإرث التاريخي لمذبحة بوراما عام 1991، وما صاحبه من غياب مسار رسمي للمصالحة التاريخية؛ الأمر الذي رسّخ شعورًا بالإقصاء في الوعي الجمعي المحلي.
ديموغرافيًا، تشكّل قبائل إسحاق نحو 60–70% من سكان أرض الصومال، وتتركز أساسًا في هرجيسا ومحيطها؛ مما يمنحها السيطرة سياسيًا واقتصاديًا؛ خصوصًا أنها قد اضطلعت بدور مركزي في تأسيس الحركة الوطنية الصومالية، ثم في إعلان الاستقلال وبناء المؤسسات بعد عام 1991 مستندة إلى شبكات عشائرية واسعة النفوذ. وإلى جانبها، لعبت الغدبورسي دورًا توافقيًا مهمًا في الغرب، في حين تمتلك قبيلة العيسى امتدادًا جغرافيًا عابرًا للحدود يشمل غرب أرض الصومال وجيبوتي وأجزاء من الإقليم الصومالي الإثيوبي (الأوغادين)؛ مما يمنحها وزنًا اجتماعيًا معتبرًا، لم يترجم إلى نفوذ مركزي فعّال خلال مرحلة التأسيس.
وتاريخيًا، اكتسبت مدينة بوراما مكانة مركزية في مسار انفصال أرض الصومال، بدءًا من مذبجة بوراما عام 1991، قبل أن تتراجع حركة الصومال الوطنية (SNM)، الذي شكّل الإسحاق قوامها الأساسي؛ لتنتهج نهج المصالحة مع القبائل في الشرق والغرب؛ إذ استضافت “مؤتمر بوراما” عام 1993، الذي مثّل محطة محورية في إعادة صياغة التوازنات السياسية والعشائرية، وسعى إلى توسيع قاعدة السلطة لتشمل جماعات خارج الإسحاق، ولا سيما من قبيلتي دير ودارود. وقد لعبت الغدبورسي دورًا محوريًا في هذا التحول؛ فبعد انحيازها الطويل إلى نظام سياد بري خلال الصراع مع الحركة الوطنية الصومالية، بادرت إلى عقد مصالحة مع قبائل إسحاق عام 1991، وأسهمت في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في “اتفاق الشيخ” (أكتوبر 1992)، قبل أن تستضيف مؤتمر بوراما الذي أسّس لإطار سياسي أكثر شمولًا. ونتيجة لذلك، حصلت الغادابورسي على موقع متقدم داخل السلطة التنفيذية، تمثل في منصب نائب الرئيس، كما جرى إرساء برلمان متعدد العشائر على نحو أكثر توازنًا مقارنة بمؤتمر بورعو عام 1991، الذي احتكرت فيه قيادة الحركة الوطنية -المهيمن عليها إسحاق- السلطة الفعلية. وبذلك، تحولت الغادابورسي إلى ركيزة لإعادة إنتاج توازنات السلطة بين العشائر.
غير أن هذا التوازن ظل هشًا؛ فمنذ إعلان الاستقلال عام 1991، اتسم توزيع السلطة التنفيذية، وبخاصة منصب الرئاسة، بنمط شبه ثابت قائم على هيمنة فروع بعينها من قبيلة إسحاق. فقد تولّى الرئاسة كل من محمد إبراهيم عقال وأحمد محمد سيلانيو من هابر عوال، وموسى بيهي من هابر جعلو، في حين لم يصل إلى الرئاسة من خارج الإسحاق سوى مرة واحدة فقط فرع السمارون (الغدبورسي). وأسهم هذا النمط في ترسيخ إدراك واسع بالإقصاء القائم على الانتماء القبلي، ليس فقط لدى القبائل غير الإسحاقية، بل داخل إسحاق نفسها، وعلى رأسها فرع الغرهاجي، الذي يتمتع بثقل ديموغرافي وسياسي.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة التوتر الأخير، باعتباره أزمة هامش تحمل في طياتها أزمة بنيوية لمركز الحكم في هرجيسا وقبيلة إسحاق، أفضت إلى إعادة هندسة توازناتها مع الجماعات غير المنتمية إليها. فقد اتجهت السلطة، في مرحلة أولى، إلى إقرار الاحتفالية الخاصة بـ”قانون عيسى” كآلية احتوائية تستهدف استيعاب عشيرة العيسى، قبل أن تتراجع عن هذا القرار في مرحلة لاحقة، في مسعى لاسترضاء الغادابورسي وتهدئة التوتر المحلي، وكذلك لتحييد المخاوف المرتبطة بالامتدادات والارتباطات الإقليمية لعشيرة عيسى.
تطور النظام السياسي في إقليم أرض الصومال
منذ إعلان إقليم أرض الصومال انفصاله عام 1991، يتخذ من تطوير نظام الحكم مرجعية يستند إليها في تصوير نموذج فريد للديمقراطية، تستحق أن تتوج بالاعتراف الدولي، مقارنة بالصومال الأم الذي تزامن انفصال الإقليم عنه مع حالة من الانهيار لمؤسسات الحكم وحرب أهلية، لا يزال الصومال يعالج آثارها حتى الآن. وعلى الرغم من تطوير نموذج انتخابي والحرص على دورية عقد الانتخابات، فإن حالة الحكم في الإقليم لا تعدو كونها ديمقراطية رعوية، يتجذر فيها الحكم العشائري المهيمن على حالة السياسة والمؤسسات، وفي هذا السياق يمكن تناول مراحل الحكم في الإقليم منذ أن كان محمية بريطانية وصولًا إلى المشروع الانفصالي القائم على النحو التالي:
- محمية أرض الصومال
أسست محمية أرض الصومال البريطانية عام 1884 في سياق فراغ أمني، عقب انسحاب الحاميات المصرية نتيجة الثورة المهدية؛ مما دفع بريطانيا لتأمين مصالحها الاستراتيجية في خليج عدن ومواجهة الطموحات الإثيوبية في عهد الإمبراطور منليك الثاني، عبر إبرام معاهدات حماية مع عشائر محلية، أبرزها إسحاق والغدبورسي والعيسى، دون ترسيم حدود دقيق، تم تحديدها لاحقًا باتفاقيات دولية مع فرنسا وإيطاليا وإثيوبيا بين 1888 و1897.
اتسم الحكم البريطاني بسياسة الإدارة غير المباشرة وضعف التدخل الاقتصادي، مقارنة بالنموذج الإيطالي في الجنوب. وقد واجهت هذه السياسة اختبارًا خلال ثورة الدراويش (1899–1920) بقيادة الشيخ محمد عبد الله حسن، التي عمّقت الانقسامات العشائرية؛ حيث تعاونت عشائر إسحاق مع البريطانيين، بينما دعمت فروع دارود حركة الدراويش.
وقد خضعت أرض الصومال لاحتلال إيطالي قصير أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم عادت للإدارة البريطانية ضمن إطار عسكري أوسع. وبعد الحرب، فشل مشروع بيفن (1946) لتوحيد الأقاليم الصومالية، بينما تصاعد الحراك القومي بقيادة رابطة الشباب الصومالي مطالبًا بالاستقلال، الذي أُعلن في 26 يونيو 1960، واجهت الدولة الوليدة تحديات جوهرية شملت ضعف الموارد البشرية، هشاشة البنية التحتية، وغياب قاعدة اقتصادية مستقلة. وبعد أيام قليلة، وحدت مع الصومال الإيطالي في 1 يوليو 1960 لتشكيل جمهورية الصومال، منهية وجودها القانوني المستقل.
أسفر هذا الاتحاد عن اختلالات هيكلية تمثلت في مركزية السلطة في مقديشو وتهميش الشمال سياسيًا وإداريًا؛ مما انعكس في رفض الاستفتاء الدستوري لعام 1961 ومحاولة انقلابية فاشلة، ومع ذلك استمر دور النخب الشمالية وظهور شخصيات سياسية مؤثرة مثل رئيس الوزراء محمد حاجي إبراهيم عقال عام 1967.
- مرحلة ما بعد الاستقلال
شهدت الصومال تحولات جذرية بعد اغتيال الرئيس عبد الرشيد علي شرماركي في أكتوبر 1969، وقيام انقلاب عسكري بقيادة الجنرال محمد سياد بري، الذي تبنى خطابًا قوميًا يركز على “مشروع الصومال الكبير سرعان ما تبدد التفاؤل عقب هزيمة حرب الأوجادين (1977–1978)، التي عمّقت القمع السياسي، لا سيما في الشمال، مع تصاعد نفوذ الشبكات القبلية المنتمية إلى الدارود؛ مما أسهم في بروز حركات مسلحة معارضة، أبرزها «جبهة الإنقاذ الديمقراطية الصومالية». وتزامن ذلك مع تفاقم تهميش الشمال الغربي سياسيًا واقتصاديًا، وتصاعد التوترات القبلية بفعل توطين اللاجئين الأوجادين وتعزيز هيمنة شبكات الدارود.
في هذا السياق، أُسست الحركة الوطنية الصومالية (SNM) عام 1981، مستندة إلى قاعدة إسحاقية، وأطلقت عملياتها من الأراضي الإثيوبية، فكانت حملة النظام للقمع واسعة، شملت قصف هرجيسا وبورعو عام 1988؛ مما أدى إلى تهجير مئات الآلاف وانهيار البنية العمرانية والاجتماعية في الشمال الغربي.
مع انهيار نظام سياد بري مطلع 1991، أعلن الشمال الغربي في 18 مايو 1991 قيام جمهورية صوماليلاند، مستقلًا بذلك سياسيًا عن الجنوب الذي غرق في حرب أهلية وانهيار مؤسسي، مقابل سعي الإقليم الانفصالي لتعزيز تقاليد الديمقراطية الرعوية القائمة على التوازنات القبلية.

- مرحلة ما بعد الانفصال
بعد سيطرة الحركة الوطنية الصومالية (SNM) على شمال غرب البلاد مطلع عام 1991، انهارت مؤسسات الدولة المركزية، ووجدت الحركة نفسها أمام إدارة إقليم منهك يفتقر إلى جهاز إداري فاعل وموارد مالية مستقرة؛ مما دفعها إلى نقل العاصمة مؤقتًا إلى بربرة في ظل انتشار المليشيات المحلية وتفشي أعمال النهب والصراعات القبلية. وانتهجت القيادة سياسة حذرة تجاه القبائل غير الإسحاقية، قائمة على الحوار بدل المواجهة؛ الأمر الذي مهّد لعقد مؤتمرات عشائرية هدفت إلى احتواء العنف وبناء السلام. وفي مايو 1991، أُعلن الاستقلال استنادًا إلى ميثاق وطني مؤقت منح الحركة إدارة شئون الإقليم خلال فترة انتقالية مدتها عامان، مع تمثيل رمزي لبقية العشائر، في حين ظلت السلطة الفعلية متركزة بيد عشائر إسحاق.
اتسمت رئاسة عبد الرحمن أحمد علي «تور» بضعف السيطرة التنفيذية والانقسامات الداخلية؛ مما أفضى إلى اندلاع صراع مسلح بين تحالفات إسحاقية مطلع عام 1992. وانتهت هذه المرحلة بتدخل شيوخ القبائل الذين نجحوا في فرض وقف لإطلاق النار خلال مؤتمر «توفيق» في أكتوبر 1992، مع الاتفاق على عقد مؤتمر بوراما عام 1993، الذي مثّل نقطة تحول أساسية نحو نظام توافقي أكثر استقرارًا.
شكّل مؤتمر بوراما 1993 محطة تأسيسية في مسار بناء الدولة في صوماليلاند؛ إذ جمع مئات المندوبين من مختلف العشائر، وأسفر عن اتفاق سلام وميثاق وطني، وتشكيل حكومة مدنية برئاسة محمد حاجي إبراهيم إيغال. وتمثل الإنجاز الأبرز للمؤتمر في الانتقال من حكم فصائلي إلى إدارة مدنية عبر نظام «بيل»، الذي مزج بين المؤسسات الحديثة وآليات التمثيل العشائري التقليدي. واضطلع شيوخ العشائر ومجلس الشيوخ (الغورتي) بدور محوري في إضفاء الشرعية الاجتماعية على السلطة، وتنفيذ برامج نزع السلاح ودمج المليشيات في الجيش الوطني. وأسهم التحسن الأمني وتعاظم الثقة الشعبية في توفير بيئة مواتية لإعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد؛ مما أكسب الحكومة شرعية داخلية معتبرة رغم غياب الاعتراف الدولي.
وامتد أثر مؤتمر بوراما إلى توسيع قاعدة الحكم لتشمل عشائر دير ودارود، كما حمل اختيار مدينة بوراما، معقل قبيلة غدبورسي، دلالة رمزية على التحول من الخصومة التاريخية إلى دور الوساطة. ومع ذلك، لم يخلُ نظام «بيل» من أوجه قصور؛ إذ أثار شعورًا بالتهميش لدى بعض عشائر الهرتي، واستمرت التوترات داخل الإسحاق؛ مما أدى بين عامي 1994 و1996 إلى مواجهات مسلحة محدودة انتهت باتفاقات محلية دون سلام شامل. وفي هذا السياق، عُقد مؤتمر هرجيسا (1996–1997) بهدف تصحيح الاختلالات وإعادة ضبط التوازن بين التمثيل العشائري ومتطلبات بناء مؤسسات أكثر استقرارًا.
- نحو إرساء ديمقراطية دستورية
شهدت الولاية الثانية للرئيس محمد حاجي إبراهيم إيغال انتقالًا مؤسسيًا مهمًا من نظام الحكم العشائري (نظام بيل) إلى إطار دستوري دائم، تُوِّج بإقرار دستور 2001 عبر استفتاء شعبي حاز تأييدًا يقارب 97%، مع تفعيل مبدأ التعددية الحزبية. وقد أسس الدستور لقيود واضحة على التسييس العشائري، من خلال حصر عدد الأحزاب في ثلاثة فقط، وحظر قيامها على أسس قبلية أو إقليمية، مع السعي إلى تحقيق تمثيل متوازن للمناطق، بما يعزز الاستقرار السياسي ويحد من الانقسامات البنيوية.
وعلى الرغم من وفاة إيغال عام 2002، نجحت أرض الصومال في إنجاز أول انتقال دستوري سلمي للسلطة بتولي نائب الرئيس داهر رايالي كاهين الرئاسة (عشيرة غدبورسي)؛ مما عكس ترسخ القواعد الدستورية الناشئة. وشهدت الفترة بين 2002 و2003 تنظيم انتخابات محلية ورئاسية، مثّلت اختبارًا عمليًا للإطار الدستوري الجديد. وكشفت أنماط التصويت عن انقسامات حضرية وإقليمية واضحة؛ حيث استحوذت المناطق الغربية على نحو 71% من الأصوات مقابل 29% للمناطق الشرقية، في دلالة على تباينات جغرافية وسياسية بالغة.
إذ شكّلت الانتخابات المحلية التي جرت في ديسمبر 2002 محطة مفصلية في مسار التحول الديمقراطي، إذ أسهمت في تفكيك إرث المركزية المفرطة الذي ساد منذ استقلال 1960. ورغم أن مؤتمر بوراما 1993 نصّ على مبدأ اللا مركزية، فإن هذا المبدأ ظل معطّلًا بفعل قيود إجرائية أبقت الإدارات المحلية خاضعة للتعيين المركزي حتى عام 2001.
كذلك، كرّس دستور 2001 الإطار القانوني لتأسيس الجمعيات السياسية والمشاركة في الانتخابات المحلية، مع اعتماد آلية تحويل أعلى ثلاث جمعيات تصويتًا إلى أحزاب رسمية. وفي هذا السياق، أسس إيغال حزب حزب الشعب الديمقراطي المتحد UDUB كحزب سلطة بحكم الواقع. في المقابل، برز حزب كولميه Kulmiye بقيادة أحمد سيلاني كمنافس رئيسي، مستندًا إلى رمزيته التاريخية المرتبطة بالحركة الوطنية الصومالية SNM، بينما عانت قوى أخرى من ضعف تنظيمي وانقسامات داخلية.
في المقابل، مثّل حزب العدالة والتنمية UCID، الذي أُسس عام 1992 بقيادة فيصل علي وربي، نموذجًا لمعارضة إصلاحية ذات توجهات اجتماعية وديمقراطية، بعيدة نسبيًا عن إرث SNM أو نظام سياد بري، ورغم حلوله ثالثًا بفارق كبير، فقد اضطلع بدور معارض رمزي.
إذ أُسست انتخابات 2002 لترسيخ هيمنة حزب UDUB آنذاك، مع الحفاظ على تعددية حزبية محدودة، تأثرت بالانقسامات العشائرية وتركيز الموارد المالية لدى الحكومة المركزية. ولاحقًا، شهدت أرض الصومال انتخابات رئاسية وحزبية في نوفمبر 2024 بمشاركة واسعة قاربت 1.2 مليون ناخب، وأسفرت عن هيمنة حزب Kulmiye على الرئاسة منذ 2010، مع استقرار النظام الحزبي الثلاثي منذ 2012 (Kulmiye، UCID، UDUB). ويُعد نظام الانتخابات الحزبية الدورية مرجعًا للديمقراطية الإجرائية في إقليم أرض الصومال، وإن ظل محل جدل بسبب قيوده على التعددية واتساع مطالب توسيع المشاركة السياسية، مع استمرار سيطرة منطق العشائر على تقاسم السلطة.
في الأخير، تُجسِّد أزمة إقليم أودال هشاشة التوازنات الاجتماعية والسياسية داخل بنية أرض الصومال، وتكشف في الوقت ذاته عن محدودية أدوات الحكومة الإقليمية في إدارة الخلافات العشائرية عبر مقاربات سياسية مؤسسية، مقابل ميل متزايد إلى المعالجة الأمنية، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر إعادة إنتاج العنف وعدم الاستقرار. إذ تتقاطع في أودال توترات الهوية العشائرية، والنزاعات الثقافية حول السيادة المحلية، مع حسابات إقليمية متشابكة؛ مما يجعل الإقليم ساحة اختبار مركزية لقدرة هرجسيا على احتواء الانقسامات العشائرية ضمن إطار سياسي جامع. وعليه، لا يمكن اختزال صراع أودال في كونه نزاعًا محليًا أو خلافًا ثقافيًا حول “قانون عيسى”، بل يتعين فهمه كجزء من أزمة الشرعية الداخلية في أرض الصومال، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة تعيد بناء التوافق الاجتماعي من المركز إلى الأطراف، ليبقى إقليم أودال في غرب أرض الصومال مرشحًا للتحول إلى بؤرة مفتوحة لصراعات متعددة قد تحمل تداعيات مركبة وممتدة.






























