في 20 فبراير 2026، يحتفل العالم بـاليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة ليصبح مناسبة سنوية تذكر بالحاجة إلى تعزيز العدالة والإنصاف والتضامن في مواجهة الفقر وعدم المساواة. وفي هذا العام، يأتي الاحتفال تحت شعار “الحماية الاجتماعية والعمل اللائق للجميع”، في سياق يؤكد على أهمية السياسات العملية التي تبني مجتمعات أكثر عدلًا وصمودًا أمام التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
في مصر، يتزامن هذا اليوم مع إعلان وتنفيذ الحزمة الاستثنائية للحماية الاجتماعية بقيمة 40.3 مليار جنيه، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي بدأت فورًا لتخفيف الأعباء المعيشية عن نحو 15 مليون أسرة من الفئات الأولى بالرعاية، خاصة مع قدوم شهر رمضان المبارك. تشمل الحزمة دعمًا إضافيًا مباشرًا للسلع التموينية، برامج “تكافل وكرامة”، العلاج على نفقة الدولة، التأمين الصحي الشامل، مبادرة “حياة كريمة”، ودعم المزارعين مما يجعلها تجسيدًا عمليًا لقيم العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها اليوم العالمي.
فهذه الحزمة ليست إجراءً عابرًا، بل امتداد طبيعي للانحياز الاستراتيجي للدولة نحو محدودي الدخل والريف، مدعومًا بمخصصات ثابتة في الموازنة العامة للعام 2025/2026 تتجاوز 742 مليار جنيه في الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية. وبهذا، يتحول اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية من مناسبة رمزية إلى واقع ملموس في السياسة المصرية، يعكس التزامًا مستمرًا ببناء مجتمع أكثر شمولًا وكرامة، حيث تُترجم مبادئ التضامن والإنصاف إلى إجراءات اقتصادية واجتماعية تحمي الأسر الأولى بالرعاية وتعزز الاستقرار في ظل التحديات المحلية والعالمية.
يوم التضامن الاجتماعي ودلالته
يُمثل 20 فبراير– اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 2007 – مناسبة سنوية تتجاوز الطابع الرمزي لتصبح إطارًا تحليليًا عميقًا لتقييم مدى التزام الدول بقيم التضامن والإنصاف والحماية الاجتماعية. وتعكس فلسفة الدولة في إدارة العلاقة بين العدالة الاجتماعية والسياسات العامة، خاصة في الفترات التي تتصاعد فيها الضغوط الاقتصادية وتتزايد فيها هشاشة الفئات محدودة الدخل. فقد بات التضامن الاجتماعي، معيارًا لمدى قدرة الدولة على تحويل القيم المعلنة إلى سياسات مالية ومؤسسية ملموسة، تُجسد التزامها بحماية الفئات الأكثر تأثرًا بتقلبات الأسعار وتآكل الدخول الحقيقية.
في عام 2026، يأتي الاحتفال بهذا اليوم تحت شعار “الحماية الاجتماعية والعمل اللائق للجميع” ، في سياق يؤكد على ضرورة بناء سياسات عملية تعزز المرونة الاجتماعية والاقتصادية أمام التحديات العالمية، بما في ذلك القضاء على الفقر، وتحقيق العمالة الكاملة والعمل اللائق، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وضمان الوصول إلى الرفاه الاجتماعي والعدالة للجميع، وتتقاطع مع أهداف التنمية المستدامة وأجندة منظمة العمل الدولية التي ترى في الحماية الاجتماعية الشاملة ركيزة أساسية للاستقرار والنمو الشامل.
تؤكد الدراسات الاقتصادية أن التضامن الاجتماعي لا يُقاس بالخطابات الرسمية، وإنما بمدى تجسيده مؤسسيًا في بنية السياسات المالية وهيكل الإنفاق العام، لا سيما خلال فترات الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. فتمثل نظم الحماية الاجتماعية تمثل أدوات مؤسسية لإعادة توزيع الدخل والموارد والمخاطر الاجتماعية، من خلال التأمينات الاجتماعية، والتحويلات النقدية، والدعم الموجه، أو التحويلات النقدية، بما يضمن حماية الفئات الأكثر هشاشة من مخاطر البطالة والمرض والصدمات الاقتصادية.
كما أن برامج التحويلات الاجتماعية، عند دمجها ضمن الإطار المالي العام، تعكس التزامًا هيكليًا طويل الأجل بالتضامن الاجتماعي، وتُسهم في تقليل الفقر وعدم المساواة، خاصة في سياقات التقلبات الاقتصادية. ويبرز دور السياسة المالية في تقليل عدم المساواة من خلال بنود الإنفاق الاجتماعي في الموازنة العامة والتي تمثل الأداة الأساسية لإعادة توزيع الموارد داخل المجتمع، لا سيما عندما تُدمج ضمن الإطار العام للموازنة ولا تُطرح كإجراءات مؤقتة معزولة، وأن فعاليتها تتعاظم في فترات التضخم والصدمات الاقتصادية.
ولقد أظهرت الحكومة المصرية والقيادة السياسية، على مدار السنوات الماضية، استجابة متكررة ومنهجية للصدمات الاقتصادية المتعاقبة، من خلال إطلاق حزم متعددة من المنح والدعم التضامني الاجتماعي لتخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر احتياجًا. بدءًا بتدشين معاش تكافل وكرامة، مرورًا بجائحة كورونا في مارس 2020، حيث أُقرت الحزمة الأولى بقيمة 100 مليار جنيه لدعم القطاع الصحي والمتضررين، وتداعيات أزمة أوكرانيا في 2022 التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، فتم إقرار حزم إضافية في 2022 لمواجهة موجات التضخم وتراجع القوة الشرائية.
وتواصلت هذه الاستجابات في السنوات التالية، مع حزم استثنائية متتالية، شملت زيادات في الأجور والمعاشات، وتوسيع برامج “تكافل وكرامة”، ومنح نقدية مباشرة، ودعمًا للعمالة غير المنتظمة والفئات الريفية. هذا النمط المتكرر يعكس انحيازًا استراتيجيًا للحماية الاجتماعية كأولوية وطنية، يُترجم إلى إجراءات عملية تضمن الاستقرار الاجتماعي وامتصاص الصدمات، حتى في ظل الضغوط المالية والإصلاحات الهيكلية، مما يؤكد التزام الدولة بتقاسم أعباء التحديات الاقتصادية مع المواطنين، وتحويل ثمار الإصلاح إلى دعم مباشر لمحدودي الدخل.
الحزمة الاجتماعية في ضوء التوجيه الرئاسي
الحزم الاجتماعية تعتبر أحد أدوات السياسة المالية التوسعية ذات الطابع الاجتماعي، إذ لا يقتصر أثرها على تخفيف الأعباء المعيشية الآنية، بل يمتد إلى امتصاص الصدمات الاقتصادية وتعزيز التماسك الاجتماعي. وفي هذا الإطار، تمثل الحزمة الاجتماعية التي أُقرت في 15 فبراير 2026 تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي ترجمة عملية لمفهوم التضامن الاجتماعي في صورته المؤسسية، حيث تعكس استجابة مباشرة للضغوط التضخمية وتآكل القوة الشرائية للفئات محدودة الدخل خاصة بالتزامن مع بداية شهر رمضان.
غير أن قراءة هذه الحزمة لا ينبغي أن تقتصر على بعدها الظرفي، بل يجب إدراجها ضمن الإطار الأوسع للسياسة المالية الاجتماعية للدولة. فتكتسب الحزمة الاجتماعية الأخيرة دلالة خاصة؛ مما يجعلها تجسيدًا عمليًا لمفهوم التضامن الاجتماعي كاختيار سياسي واعٍ، لا مجرد خطاب أخلاقي. فالحزمة الحالية تُقرأ باعتبارها امتدادًا للإنفاق الاجتماعي الهيكلي، وأداة لإعادة توزيع الدخل والمخاطر، ومؤشرًا دالًا على أولوية الفئات الهشة في حسابات السياسة العامة.
شمولية الحزمة
فقد أعلنت الحكومة المصرية تنفيذ حزمة حماية اجتماعية استثنائية بقيمة إجمالية 40.3 مليار جنيه، تُطبق فورًا وحتى 30 يونيو 2026، وتهدف إلى تخفيف الأعباء المعيشية عن الفئات الأولى بالرعاية والأقل دخلًا، خاصة قبيل شهر رمضان وعيد الفطر وتستهدف نحو 15 مليون أسرة بصورة مباشرة. وقد تم تدبير مخصصاتها من فوائض الإيرادات الناتجة عن تحسن المؤشرات الاقتصادية، بما يعكس توجيه الموارد الإضافية نحو أولويات اجتماعية، رغم الضغوط المالية (خدمة الدين، الإصلاحات الهيكلية، والتحديات الخارجية). وتُعد إضافة على المخصصات المعتمدة في الموازنة العامة 2025/2026. وتتكون الحزمة من عدة محاور رئيسية أبرزها:
- دعم السلع التموينية: بقيمة إجمالية 8 مليارات جنيه بصرف 400 جنيه إضافية لكل بطاقة تموينية (10 ملايين أسرة، نحو 25 مليون فرد) على دفعتين قبل رمضان وقبل العيد.
- برامج الحماية الاجتماعية: بقيمة إجمالية 4 مليارات جنيه بتقديم دعم إضافي بقيمة 400 جنيه لـ5.2 مليون أسرة مستفيدة من برنامج “تكافل وكرامة”، و300 جنيه لـ45 ألف مستفيد من معاش الطفل، والرائدات الاجتماعيات والريفيات.
- القطاع الصحي: بقيمة 6 مليارات جنيه لزيادة مخصصات العلاج على نفقة الدولة وإنهاء قوائم الانتظار للعمليات الجراحية ودعم الحالات الحرجة.
- التأمين الصحي الشامل: بدعم يقدر بحوالي 3.3 مليار جنيه، لتبكير دخول محافظة المنيا إلى المنظومة اعتبارًا من أبريل 2026 مع تغطية اشتراكات غير القادرين.
- مبادرة حياة كريمة: بقيمة تقدر بحوالي 15 مليار جنيه، لتسريع تنفيذ مشروعات نحو 1000 مشروع بالمرحلة الأولى في القرى، بما يعزز البعد الريفي للحماية الاجتماعية.
- دعم المزارعين: بحوالي 4 مليارات جنيه لرفع سعر توريد إردب القمح لموسم 2026 من 2200 إلى 2350 جنيهًا، لموسم 2026.
وتشمل الحزمة إجراءات مساندة للعاملين بالجهاز الإداري للدولة أيضًا؛ مثل تبكير صرف رواتب شهري فبراير ومارس، مع التأكيد على أن زيادات الأجور والمعاشات الهيكلية ستُدرج ضمن موازنة 2026/2027 اعتبارًا من يوليو 2026، مع تركيز خاص على المعلمين والأطباء. غير أن قراءة هذه الحزمة لا ينبغي أن تقتصر على بعدها الظرفي، بل يجب إدراجها ضمن الإطار الأوسع للسياسة المالية الاجتماعية للدولة.
فقد ارتكزت الحزمة الاجتماعية على ثلاثة محاور إنفاق رئيسية:
- التحويلات النقدية والدعم المباشر: تُعد من أكثر أدوات التضامن الاجتماعي كفاءة في دعم محدودي الدخل، خاصة عند تحسين آليات الاستهداف. فالتحويلات النقدية المشروطة وغير المشروطة تسهم في تقليل الفقر وتحسين الأمن الغذائي دون تشوهات سعرية كبيرة.
- الدعم السلعي والخدمي: رغم الانتقادات النظرية للدعم السلعي، إلا أن الإبقاء على حد أدنى منه يظل ضروريًا في الاقتصادات التي تواجه تضخمًا مستوردًا وارتفاعًا في أسعار السلع الأساسية.
- الأجور والمعاشات: حماية الدخول الثابتة عبر زيادات الأجور والمعاشات بما يتناسب مع معدلات التضخم تمثل أحد أكثر أشكال التضامن الاجتماعي وضوحًا، خاصة للفئات ذات الدخل الثابت، غير القادرة على تعويض التضخم ذاتيًا.
لذا تعتبر الحزمة الاجتماعية الأخيرة تجسيدًا مؤسسيًا للتضامن الاجتماعي، فهي ليست استجابة آنية معزولة لتحديات معيشية بالتزامن مع بداية شهر رمضان، بل امتداد للمخصصات الثابتة في الموازنة العامة 2025/2026 (التي تتجاوز 742 مليار جنيه في الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية)، وتعكس التزامًا مستمرًا بتحقيق التوازن بين الاستدامة المالية واعتبارات العدالة الاجتماعية. وعليه، يتحول اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية – في السياق المصري – من مناسبة دولية إلى سياسات ملموسة تحمي الأضعف وتعزز الاستقرار في ظل التحديات الاقتصادية.
دلالات الحزمة
تعكس الحزمة الأخيرة إلى جانب المخصصات الثابتة للحماية الاجتماعية التي تتجاوز مجتمعة 780 مليار جنيه، انحيازًا سياسيًا واضحًا نحو محدودي الدخل والريف، وتُعد جزءًا من استراتيجية أوسع تربط بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية، وتوظيف السياسة المالية بوصفها أداة لإدارة الصدمات الاقتصادية وتحقيق قدر من إعادة توزيع الدخل والمخاطر، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويعيد تأكيد أولوية العدالة الاجتماعية ضمن مسار الإصلاح الاقتصادي. ومن أهم أبعاد ودلالات الحزمة الأخيرة:
- فلسفة الدولة الاجتماعية: يعكس هذا الانحياز أن الاستقرار الاجتماعي شرط للنمو الاقتصادي. فالقيادة تُقدِّم الحماية الاجتماعية كاستثمار في رأس المال البشري، لا كإنفاق فقط. وهذا يتسق مع رؤية 2030، ويُظهر التزامًا بتقليل الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية، حتى في ظل برامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي.
- الاستهداف المباشر: تمتد الحزمة الجديدة إلى أكثر من 15 مليون أسرة، فضلًا عن عشرات الملايين من المستفيدين عبر منظومة التموين وبرامج التحويلات النقدية، مع تركيز تنموي على القرى الأكثر احتياجًا “مبادرة حياة كريمة” من خلال مشروعات تشمل ما يزيد على 4500 قرية، حيث تتركز معدلات الفقر.
- التوازن بين الدعم العيني والنقدي: حيث يجري الحفاظ على الدعم العيني للسلع الأساسية، وعلى رأسها الخبز والسلع التموينية، لضمان حد أدنى من الأمن الغذائي، بالتوازي مع التوسع في التحويلات النقدية المشروطة التي تعزز الاستثمار في رأس المال البشري عبر ربطها بالتعليم والصحة، وهو ما يؤدي لتحسين النتائج الاجتماعية على المدى المتوسط.
- الأولويات القطاعية: تعكس توجيهًا متقدمًا للإنفاق نحو الصحة والتعليم والتنمية الريفية، مع اهتمام خاص بتحسين أوضاع المعلمين والأطباء بالموازنة القادمة، بما يدعم جودة الخدمات العامة.
- بعد اجتماعي هيكلي: الحزمة ليست بديلًا عن المخصصات الثابتة للحماية الاجتماعية في الموازنة، بل إضافة ظرفية تعززها. فهي لا تُطرح بوصفها إجراءً استثنائيًا منفصلًا عن بنية الإنفاق العام، بل كتعزيز مرحلي لمخصصات قائمة بالفعل داخل الموازنة العامة، تشمل الدعم السلعي، وبرامج التحويلات النقدية، والإنفاق على الصحة والتعليم. فالحزمة تضيف موارد إضافية للفئات المستفيدة من منظومة الحماية الاجتماعية دون المساس بالإطار المؤسسي القائم، بما يعكس استمرارية الالتزام الاجتماعي للدولة.
- البعد الريفي والتنمية المحلية: توجيه 15 مليار جنيه لمشروعات مبادرة «حياة كريمة»، وهو ما يعكس انتقال مفهوم التضامن الاجتماعي من مجرد دعم استهلاكي إلى استثمار تنموي طويل الأجل في البنية التحتية والخدمات الأساسية بالقرى. هذا التوجه يربط بين الحماية الاجتماعية والتنمية الإقليمية، ويحد من الفجوات المكانية في الخدمات العامة، خاصة في المحافظات ذات الكثافة الريفية. فالدمج بين شبكات الأمان الاجتماعي والاستثمار في البنية التحتية المحلية يعزز الأثر المضاعف للإنفاق العام، إذ يجمع بين تخفيف الفقر الفوري وتحسين فرص النمو المستقبلي.
- بعد الاستدامة: يتجسد في تمويل الحزمة من فوائض إيرادات ناتجة عن تحسن المؤشرات الاقتصادية، وهو ما يحد من الضغوط المباشرة على عجز الموازنة والدين العام. ويعكس هذا النهج حرصًا على تحقيق توازن بين متطلبات العدالة الاجتماعية والانضباط المالي، بحيث لا تتحول التدخلات الاجتماعية إلى مصدر اختلال هيكلي في المالية العامة، فالاستدامة المالية يُعد شرطًا أساسيًا لاستمرار برامج الحماية الاجتماعية.
- أداة فعالة لإعادة توزيع الدخل والمخاطر الاجتماعية: إذ تُعيد توجيه جزء من الموارد العامة لصالح الفئات الأكثر تعرضًا للصدمات الاقتصادية. ويتحقق ذلك من خلال مزيج من الدعم النقدي المباشر، والدعم العيني عبر السلع التموينية، فضلًا عن توسيع الاستثمار في الخدمات الأساسية مثل الصحة والبنية التحتية المحلية. وهذا التنوع في أدوات التدخل يعزز القدرة على تخفيف الفقر قصير الأجل، وفي الوقت ذاته يقلل من التعرض طويل الأجل لمخاطر المرض والبطالة وارتفاع الأسعار.
- أولوية الفئات الهشة: تعكس الحزمة مؤشرًا واضحًا على أولوية الفئات الهشة في حسابات السياسة العامة، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية المرتبطة بالتضخم وتقلبات الأسواق العالمية. فاختيار توجيه موارد إضافية إلى الأسر منخفضة الدخل، والمستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية، والمناطق الريفية، يُظهر انحيازًا توزيعيًا مقصودًا داخل السياسة العامة، لا سيما في فترات التضخم الموسمي وارتفاع تكاليف المعيشة. وتشير دراسات الاقتصاد السياسي إلى أن توسيع الإنفاق الاجتماعي خلال فترات الضغوط يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحد من تفاقم عدم المساواة، بما يسهم في تدعيم التماسك المؤسسي والثقة بين الدولة والمجتمع.
- أداة مضادة: تُعد الحزمة أداة سياسة مالية مضادة للدورة الاقتصادية، تُستخدم للتخفيف من الآثار الانكماشية للتضخم وتراجع القوة الشرائية. حيث يحد التوسع في الإنفاق الاجتماعي خلال فترات الصدمات من تعمق الركود الاجتماعي، حتى مع وجود قيود مالية، شريطة أن يكون التوجيه دقيقًا -قدر الإمكان-نحو الفئات الهشة. فمن الضروري الموازنة بين الاستهداف الدقيق (الذي قد يقلل التغطية بسبب أخطاء الإدراج والاستبعاد) والشمول الواسع (الذي يعزز الاستقرار على حساب الكفاءة المالية)؛ لتحقيق أقصى أثر.
وفي هذا السياق، يأتي التوجيه الرئاسي بإطلاق حزمة اجتماعية موسعة ليؤكد استمرار توجه الدولة نحو استخدام الموازنة العامة كأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وليس فقط كإطار محاسبي لتجميع الإيرادات والإنفاق.
وبذلك، فإن أبعاد الحزمة ومخصصات الحماية الاجتماعية تكشف عن تصميم يسعى إلى الجمع بين الاستجابة السريعة للضغوط المعيشية، وترسيخ التزامات اجتماعية طويلة الأجل، والحفاظ في الوقت ذاته على التوازنات المالية الكلية، بما يعكس مقاربة متكاملة لإدارة السياسة الاجتماعية في سياق اقتصادي ضاغط.
الانحياز الاجتماعي في الموازنات العامة
لا يمكن تقييم الحزمة الاجتماعية الأخيرة بمعزل عن المخصصات الثابتة للحماية الاجتماعية في الموازنة العامة، والتي تشمل دعم السلع التموينية، والحماية الاجتماعية، والإنفاق على الصحة والتعليم. وتؤكد دراسات إدارة المالية العامة أن استقرار هذه البنود يعكس التزامًا سياسيًا طويل الأجل بتجسيد التضامن الاجتماعي مؤسسيًا، وتوجهًا استراتيجيًا للدولة نحو تحصين الفئات الهشة من تقلبات الدورة الاقتصادية، بينما تأتي الحزم الاجتماعية كآلية تعزيز ظرفية في فترات الأزمات.
ويمثل جانب الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية أحد المكونات الهيكلية الأساسية في الموازنة العامة للدولة، وليس بندًا ثانويًا أو ظرفيًا. فالإنفاق على الدعم السلعي، والتحويلات النقدية، وبرامج الحماية الاجتماعية، والخدمات الأساسية يعكس التزامًا مؤسسيًا مستمرًا بتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، خاصة محدودي الدخل.
وتؤكد دراسات السياسات الاجتماعية أن إدماج الحماية الاجتماعية ضمن البنية الدائمة للموازنة يعزز قدرتها على تقليل الفقر وعدم المساواة، ويُحسن من قدرة الأسر على مواجهة الصدمات الاقتصادية. كما تشير الدراسات إلى أن الحفاظ على مستويات مستقرة ومتنامية من الإنفاق الاجتماعي يمثل أداة مركزية لتحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ويُسهم في تعزيز التماسك المجتمعي في ظل التحديات الاقتصادية.
حيث تعكس موازنة عام 2025/2026 أولوية اجتماعية واضحة، حيث بلغ إجمالي الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية 742.6 مليار جنيه (زيادة 16.8% عن العام السابق، وتمثل حوالي 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي). فيما ارتفعت مخصصات الحماية الاجتماعية بالموازنة العامة بنسبة 241.7% مقارنة بعام 2014/2015، حيث بلغت مخصصات الحماية الاجتماعية حينها 217.3 مليار جنيه فقط.
وشملت أوجه الإنفاق المقترحة لمخصصات الحماية الاجتماعية لموازنة 2025/2026 عدة بنود أساسية أهمها:
- 150 مليار جنيه لدعم المواد البترولية والكهرباء.
- 160 مليارًا للسلع التموينية، مقارنة بـ 146.5 مليار جنيه عام 2024/2025 بمعدل نمو 9.2%، يشمل دعم رغيف الخبز والسلع التموينية (يستفيد منه 71 مليون مواطن في الخبز و63 مليون في التموين).
- 54 مليارًا لمعاش الضمان الاجتماعي وتكافل وكرامة، مقارنة بـ 44 مليار جنيه عام 2024/2025 (بزيادة 22.7%، مع زيادة 25% في المساعدات النقدية من أبريل 2025). يغطي 5.2 مليون أسرة (أكثر من 7 أضعاف 2014/2015)
- 13.6 مليار جنيه للإسكان الاجتماعي، بزيادة بنسبة 14.3%، مقارنة بـ 11.9 مليار جنيه عام 2024/2025
- 3.5 مليار جنيه لدعم توصيل الغاز الطبيعي للمنازل.
- 5.9 مليار جنيه لدعم التأمين الصحي على الطلاب والمرأة المعيلة والأطفال و«التأمين الصحي الشامل».
- 21.9 مليار جنيه مخصصات الأدوية.
- 17 مليار جنيه للإنفاق على الأغذية، بمعدل نمو سنوي قدره 19%، وذلك في إطار جهود الدولة لضمان الأمن الغذائي للمواطنين ومواجهة التقلبات في أسعار السلع الأساسية.
لتعكس بنود الموازنة سالفة الذكر، استهداف تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين مستوى معيشة المواطنين، ومراعاة جميع شرائح المجتمع بمن فيهم الأطفال والمرأة وكبار السن والشباب. مع التركيز المتزايد على البرامج النقدية المشروطة (“تكافل وكرامة”) والمبادرات الريفية (“حياة كريمة”) بما يعزز الكفاءة والاستهداف.
إجمالًا، تُظهر القراءة التحليلية للحزمة الاجتماعية في إطار التوجيه الرئاسي أنها ليست إجراءً استثنائيًا معزولًا، بل هي امتدادٌ مؤسسي للبنية الاجتماعية الراسخة في الموازنة العامة، يعزز مخصصات قائمة ويضيف إليها استجابةً للضغوط المعيشية. كما تعكس انحيازًا توزيعيًا واضحًا لصالح محدودي الدخل والفئات الأكثر هشاشة، من خلال توسيع نطاق الاستهداف، والحفاظ على أدوات الدعم العيني، والتوسع في التحويلات النقدية المشروطة، بما يعزز الاستثمار في رأس المال البشري ويحد من انتقال الفقر بين الأجيال.
وعلاوة على ذلك، تؤكد الحزمة استخدام السياسة المالية كأداة لإدارة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط لضبط العجز أو تحقيق التوازنات المحاسبية، بما يعكس تطورًا في فلسفة إدارة المالية العامة نحو مقاربة أكثر شمولًا. فالحزمة الاستثنائية، إلى جانب المخصصات الثابتة التي يتجاوز إجماليها 780 مليار جنيه، تمثل جزءًا من استراتيجية متكاملة تجمع بين الدعم المباشر قصير الأجل والاستثمار طويل الأجل في البنية التحتية الاجتماعية والتنمية الريفية. يعزز هذا النهج الثقة بين المواطن والدولة، ويدعم الاستقرار المجتمعي، ويمهد لمرحلة نمو أكثر احتواءً وعدالة، حيث يُنظر إلى الإنفاق الاجتماعي لا بوصفه عبئًا ماليًا، بل استثمارًا في التماسك الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد.