وحدة الدراسات الأسيوية

التحوّط الاستراتيجي: التوجه الياباني نحو المحيطين الهندي والهادئ

أبدى رئيس الوزراء الياباني “يوشيهيدي سوجا” اعتراضه على محاولات التغيير من جانب واحد في بحر الصين الجنوبي، وحث على التعاون لإقامة منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة FOIP، في إشارة ضمنية للصين. كان ذلك خلال المؤتمر الدولي السادس والعشرين حول مستقبل آسيا الذي عقدته مؤسسة “نيكاي” اليابانية في 23 مايو 2021. فما هي طبيعة الأهمية الاستراتيجية للمنطقة؟ وما النهج الذي تتبعه اليابان تجاهها؟ وكيف يمكنها القيام بدور ريادي فيها؟ وهل اليابان قادرة على التخطيط لموقف يمكنها فيه التعامل مع الصين دون التأثير سلبًا على العلاقات الاقتصادية؟. الأهمية الاستراتيجية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ ظهر مصطلح “المحيطين الهندي والهادئ” حديثًا في الوثائق…

فردوس عبدالباقي
باحثة بوحدة الدراسات الأسيوية

أبدى رئيس الوزراء الياباني “يوشيهيدي سوجا” اعتراضه على محاولات التغيير من جانب واحد في بحر الصين الجنوبي، وحث على التعاون لإقامة منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة FOIP، في إشارة ضمنية للصين. كان ذلك خلال المؤتمر الدولي السادس والعشرين حول مستقبل آسيا الذي عقدته مؤسسة “نيكاي” اليابانية في 23 مايو 2021. فما هي طبيعة الأهمية الاستراتيجية للمنطقة؟ وما النهج الذي تتبعه اليابان تجاهها؟ وكيف يمكنها القيام بدور ريادي فيها؟ وهل اليابان قادرة على التخطيط لموقف يمكنها فيه التعامل مع الصين دون التأثير سلبًا على العلاقات الاقتصادية؟.

الأهمية الاستراتيجية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ

ظهر مصطلح “المحيطين الهندي والهادئ” حديثًا في الوثائق الدبلوماسية والأكاديمية كبديل عن مصطلح “آسيا والمحيط الهادئ” تعبيرًا عن صعود الهند والصين، وأن المنطقة باتت جزءًا لا يتجزأ من منظور الترابط العسكري والاقتصادي، حيث الرغبة في تأمين الممرات البحرية الإقليمية وصعود التوجه الصيني بمبادرة “الحزام والطريق” BRI، وتوسيع أنشطة بكين العسكرية إلى ما وراء بحر الصين الجنوبي والمحيطين الهندي والهادئ. بناءً على ذلك، جاء الحديث عن بناء استراتيجية أمنية لا تشمل المحيط الهادئ فقط الذي يركز بالأساس على شبه الجزيرة الكورية وتايوان وبحر الصين الجنوبي، بل يجب أن تشمل المحيط الهندي أيضًا. وهذا يعني أن الانتقال من مفهوم “آسيا والمحيط الهادئ” في القرن العشرين إلى “المحيطين الهندي والهادئ” في القرن الحادي والعشرين يعكس نقاشات سياسية متطورة بشأن كيفية معالجة الشواغل الأمنية دون تعريض الروابط الاقتصادية في المنطقة للخطر؛ إذ تضم المنطقة العديد من النقاط الساخنة على المستوى الجيوسياسي، والقوى الناشئة والشراكات السياسية والاقتصادية، كما أن هناك عددًا من البؤر الأمنية الخطيرة مثل البرنامج النووي لكوريا الشمالية، والنزاعات الحدودية في بحر الصين الجنوبي التي يمكنها تهديد الاستقرار الإقليمي. بالإضافة إلى أنها منطقة تقع ضمن التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين الذي أدى لتعقيد التوترات خاصةً مع ظهور جائحة كورونا.

وقد عملت الولايات المتحدة على استعارة الفكرة اليابانية لتعميق تعاونها مع اليابان والهند وأستراليا وأنتج “الحوار الأمني الرباعي”، بجانب تصعيدها للمخاوف بشأن قضية بحر الصين الجنوبي، وعليه استخدمت دول الآسيان مصطلح “المحيطين الهندي والهادئ” في 2019.

نهج اليابان في منطقة المحيطين الهندي والهادئ

ذكرت اليابان ما يخص المنطقة لأول مرة بعد الحوار الاستراتيجي بينها وبين الهند الذي بدأ عام 2006، إذ كشف رئيس الوزراء السابق “شينزو آبي” عن مصطلح “المحيطين الهندي والهادئ” في خطاب ألقاه في البرلمان الهندي في أغسطس 2007، قدّم فيه خطابًا عن رؤية اليابان للمنطقة كمنطقة مبنية على القيم المشتركة، مثل الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان. وبالإضافة إلى قيام شبكة ضخمة تمتد عبر المحيط الهادئ بأكمله، تضم الولايات المتحدة وأستراليا، على اعتبار أن هذه الشبكة ستسمح بتدفق الأشخاص والسلع ورأس المال والمعرفة بحرية. وقد تم الربط بين هذا الإعلان ومفهوم “قوس الحرية والازدهار” الذي تم وضعه لأول مرة في خطاب ألقاه وزير الخارجية “تارو آسو” عام 2006. لكن بعد قطع فترة رئاسة “آبي” للوزارة، تلاشت حملة اليابان لتطوير أجندة سياسية شاملة تجاه المنطقة.

وبعد عودته إلى منصبه مرة أخرى عام 2012، ونجاحه في تمرير تشريع أمني عام 2015، أعاد “آبي” إحياء مفهومه، إذ ذكر المنطقة مرة أخرى خلال مؤتمر طوكيو للتنمية في إفريقيا TICAD الذي عُقد في كينيا عام 2016، إذ طرح “آبي” استراتيجية “منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة FOIP” كمبادرة دبلوماسية –ليست لاحتواء الصين- تسعى لتطوير المنطقة بشكل تكون فيه رابطة دول الآسيان أساسًا لحفظ النظام القائم على قواعد. إذ تتضمن رؤية اليابان للمنطقة ثلاثة أركان: تعزيز سيادة القانون وحرية الملاحة والتجارة الحرة؛ تعزيز الاتصال من خلال البنية التحتية لتحقيق الازدهار؛ والمساهمة في السلام والأمن من خلال بناء القدرات، والمساعدة الإنسانية، والإغاثة في حالات الكوارث، ومكافحة القرصنة. وترى التحليلات أن هذه الاستراتيجية هي رؤية جيوسياسية مرنة وتطورية تقدم بديلًا لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية.

ورغم أن المقترحات الخاصة بأن تكون منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة لا تشير صراحةً للشراكات العسكرية اليابانية، لكن من الممكن العمل على تعزيز الروابط بين الاستراتيجية وجهود اليابان للترويج لقطاع بحري. وقد ظهر في هذا النطاق تعزيز العلاقات البحرية مع الهند وأستراليا والولايات المتحدة من خلال الحوار الأمني الرباعي عام 2007. بجانب سعيها لتوسيع شراكتها الثنائية مع الهند، لأن “آبي” كان يرى أن توطيد الشراكة الاستراتيجية مع نيودلهي هي الركيزة الأساسية لاستراتيجية المحيطين الهندي والهادئ. لكن الخلط بين الحوار الأمني الرباعي ومبادرة اليابان كي تكون منطقة المحيطين حرة ومفتوحة يضيف نوعًا من التشويش على الطبيعة الحقيقية للمبادرة، خاصةً لأنها تسعى للتأكيد على مسألة الشمولية والشفافية.

بناءً عليه، تتبع اليابان نهجًا يهدف لضمان استقلالها الاستراتيجي من خلال تشكيل بيئة إقليمية وتوسيع خياراتها الدبلوماسية والأمنية، فهي تحاول الاطمئنان تجاه الصين جيوسياسيًا، وتعميق الشراكة الاقتصادية معها في الوقت نفسه. كما تسعى للتقارب الاستراتيجي مع شركائها الهند والولايات المتحدة وأستراليا في الحوار الأمني الرباعي. وتحاول أيضًا العمل على ضمان أكبر مشاركة من دول المنطقة في مبادرتها “منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة”. 

مما سبق، فإن اليابان تتبع نهجًا متعدد الأوجه أو مختلطًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ للتعامل مع التحديات السياسية التي من المحتمل أن تواجهها، إذ تسعى لـ”التحوط” ضد الصين، وإبقاء الولايات المتحدة منخرطة في آسيا. 

بين التنافس والشراكة مع الصين

تعد إقامة قواعد ومعايير لتنظيم التعامل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أساسًا لتقليل احتمالية تحوّل الصين لتصبح هي القوة المهيمنة من جانب واحد، وهو أحد الأولويات الاستراتيجية لليابان منذ الألفية الجديدة على الأقل، حيث بات التوسع البحري الصيني يهدد المصالح اليابانية في بحر الصين الشرقي بشكل مباشر في ظل عمليات الاقتحام المتكررة في المياه الإقليمية لليابان حول جزر “سينكاكو” التي تطالب بها الصين تحت اسم جزر “دياويو”.

كما أن مطالبات الصين الموسعة وعسكرة بحر الصين الجنوبي وتقويض سيادة القانون وحرية الملاحة دفع اليابان للعمل على تحقيق التوازن الداخلي من خلال تعزيز قدراتها الدفاعية. وعلى مستوى الموازنة الخارجية؛ تعمل على تعميق تحالفها مع الولايات المتحدة، وتوسيع شراكاتها الاستراتيجية للحفاظ على تعدد القطبية في آسيا. 

وفي إطار وجود صعوبة كبيرة أمام الاستراتيجية اليابانية وقدرتها على منافسة مبادرة الحزام والطريق، فهي تعمل في هذا الإطار على المراهنة على جودة عرضها ومزاياها من حيث الشفافية والامتثال للمعايير البيئية والاجتماعية، كما يمكن للاستراتيجية اليابانية تبني مرونة البلدان المتلقية وقدرتها على تحمل بعض المطالب الصينية التي قد تتعارض مع مصالحها مثل تقييد الوصول للموانئ أو المناطق الاقتصادية الخاصة.

من جانب آخر، تعمل اليابان على ضمان التعاون الوظيفي مع الصين من خلال التركيز على التعاون الاقتصادي والالتزام بالمؤسسات المتعددة الأطراف في المنطقة وعدم تأثرها سلبًا بعلاقات سياسية مشحونة. ففي أكتوبر 2018، أعلن آبي خلال لقائه بالرئيس الصيني “شي جين بينغ” في بكين، عن حقبة جديدة من العلاقات الثنائية، تتطور من المنافسة إلى التعاون. وبناءً عليه عمل الطرفان على تعزيز التعاون الاقتصادي في بلدان ثالثة، مع تحديد 52 مشروعًا للبنية التحتية للتنمية المشتركة. بل بات هناك دعم ياباني مشروط لمبادرة الحزام والطريق، إذ ستدرس طوكيو دعم مشاريع المبادرة من حيث مطابقة ممارسات الإقراض للمعايير الدولية وضمان الجدوى الاقتصادية للمشروعات وانفتاح البنية التحتية الممولة. 

بجانب هذا، أنشأ البلدان في مايو عام 2018 آلية للاتصال البحري والجوي لمنع الحوادث في بحر الصين الشرقي، حتى لو استمر الخلاف حول جزر “سينكاكو”. ونُشرت تقارير بأن طوكيو اقترحت على بكين عقد اجتماع (2+2) بين وزيري الخارجية والدفاع كوسيلة لتعميق الثقة المتبادلة، وأجريا تدريبًا يختبر النوايا الحسنة لإظهار الجهود المبذولة في هذا الشأن.

دور ريادي

من المرجح أن تظل اليابان مرتبطة بآسيا أمنيًا ومؤسسيًا واقتصاديًا، بما يدفعها للقيام بدور فعال ونشط. فهي من جانب تحاول التخلص من ماضيها المظلم مع الدول المحيطة عبر تقديم المساعدات الاقتصادية التي ظهرت مع “مبدأ فوكودا” رئيس الوزراء الأسبق في فترة السبعينيات من القرن العشرين. بجانب ذلك، فهي تعمل على تعميق علاقات الاستثمار وسلاسل التوريد، ظهر ذلك في الأزمة المالية الآسيوية في عام 1997، التي ساهمت في بناء مستوى عالٍ من الثقة بين اليابان ودول جنوب شرق آسيا بمعدل يقترب من توقعات تلك الدول تجاه الولايات المتحدة والصين. أثبتت ذلك إحدى الدراسات الصادرة من معهد دراسات جنوب شرق آسيا في يناير عام 2020، أن تلك الدول باتت تفضّل توسيع الشراكات الاستراتيجية مع اليابان كوسيلة للتحوط ضد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.

تجلى هذا التعاون أيضًا خلال جائحة كورونا، إذ أكد البيان الصادر عن اجتماع وزراء الاقتصاد اليابان ودول الآسيان في أبريل عام 2020 على ثلاثة أهداف هي الحفاظ على العلاقات الاقتصادية التي طورها الجانبان، والتخفيف من الآثار السلبية للجائحة على الاقتصاد، وتعزيز المرونة الاقتصادية. بجانب أنه تم الإعلان عن خطة عمل لتحقيقها في يوليو عام 2020.

يمكن لليابان أيضًا العمل على مسألة تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي عبر استغلال انسحاب الهند من اتفاقية الشراكة الإقليمية الشاملة RCEP، وانسحاب الولايات المتحدة من الشراكة العابرة للمحيط الهادئ TPP. بما يمكّنها من تبني وجهة نظر متعددة الأوجه للتنويع والتكامل والشفافية والاستدامة من أجل تعزيز مرونة سلاسل التوريد العالمية. إذ أنه في الوقت الذي تنجذب فيه بلدان المنطقة لمبادرة الحزام والطريق لكنها تتخوف من “فخ الديون”، تظهر اليابان بخبرتها في استثمارات القطاع الخاص والتمويل بما يؤهلها لتولي دور قيادي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ في تمويل مشروعات البنية التحتية وإظهار ريادتها في هذا المجال، وفي نفس الوقت عليها إبقاء الباب مفتوحًا للحوار مع الصين لأنه سيكون من الجيد استخدام منصات التعاون اليابانية الصينية لإشراك الصين على مستويات مختلفة.

كما أنه يمكنها الاستفادة من تعاونها مع الولايات المتحدة وأستراليا في إطار شبكة النقطة الزرقاء Blue Dot Network لتعزيز مشاريع البنية التحتية، حيث تقوم على دمج المعايير الدولية الحالية مثل مبادئ مجموعة العشرين للاستثمار في البنية التحتية بالإضافة لدورها في تعبئة أموال القطاع الخاص، إلى أن تم وصفها بأنها تقوم بدور موازن لمبادرة الحزام والطريق.

ومن الناحية الأمنية، يمكن لليابان أن تأخذ زمام المبادرة في تعزيز التعاون الأمني من خلال الآسيان، وليس فقط من خلال الحوار الأمني الرباعي الذي أثار مخاوف الصين من احتمالية تشكيل نسخة أسيوية من حلف الناتو. سيساعد ذلك اليابان كي تكمل التنسيق بين الديمقراطيات البحرية لتعزيز الأمن البحري، حيث وافقت اليابان مع دول الآسيان في نوفمبر 2016 على تعزيز الامتثال القانوني وبناء القدرات والتدريبات المشتركة، بهدف تعزيز مركزية الآسيان ووحدة ومرونة الرابطة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ومع تولي “يوشيهيدي سوجا” رئاسة وزراء اليابان، بات هناك حديث أكثر عن رؤية يابانية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، فهو لا يؤيد ترتيبات أمنية شبيهة بحلف الناتو في آسيا، لكنه يهتم أكثر بقيام شبكة تعاون للقوى المتوسطة مع اليابان مثل دول الآسيان والهند وأستراليا.

ومن التحديات التي تواجه مسألة محورية الآسيان من وجهة نظر اليابان، أن الرابطة تقصر ولايتها على قضايا القوة الناعمة، وهذا سيجعلها غير ذات صلة بمعالجة التحديات الأمنية الكبرى. وهذا يرجح أنه من المنطقي قيام اليابان بتطوير شبكة ثنائية الأطراف من الشركاء الاستراتيجيين مثل فيتنام. ومن جانب آخر، تعد الصين شريك اقتصادي مهم لدول الرابطة، فقد بلغ حجم التجارة بين الصين ودول الآسيان –وفقًأ لبيانات منظمة التجارة الخارجية اليابانية- حوالي 577.4 مليار دولار في عام 2018، بزيادة قدرها حوالي 250% مقارنة بعام 2008. حتى في ظل جائحة كورونا، ظلت الآسيان الشريك التجاري الأكبر للصين في الربعين الأول والثاني لعام 2020 بفضل نجاح الآسيان في منع انتشار الجائحة، وتعميق التعاون الاقتصادي عبر تعزيز اتفاقية التجارة الحرة بين الصين والآسيان.

أخيرا، فإنه من المتوقع أن تكون منطقة المحيطين الهندي والهادئ من أكثر المناطق أهمية للسلام والازدهار العالمي، لكن مع اشتداد التنافس بين الولايات المتحدة والصين فيها وفي العديد من المناطق، يجب على الدول المتوسطة مثل اليابان لعب دور نشط لضمان مزيد من الاستقرار والازدهار في تلك المنطقة، لكن بالرغم من أهمية تلك القوى لا تزال هناك أهمية أيضًا للدور القيادي الأمريكي. لكن يجب العمل على بناء شبكة من القوى المتوسطة لخلق مستوى متعدد الأقطاب في المنطقة. ناهيك عن وجود مجموعة انتقادات لاستراتيجية اليابان بشأن منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة، حيث تركز التعليقات الإعلامية اليابانية على الاستراتيجية في شقين أساسيين هما قوة الصين الصاعدة والالتزام الأمني للولايات المتحدة. لكن على المستوى الرسمي لم يتم تقديم الاستراتيجية بهذا الشكل، إذ اعتبر “آبي” أنها استراتيجية مكملة لمبادرة الحزام والطريق، وتحدث عن ضرورة التعاون مع الصين. وتؤدي هذه الضبابية لفجوة حول كيفية تناسب تلك الاستراتيجية مع السياسة الخارجية والدفاعية لليابان.

بالإضافة إلى ذلك، من غير السهل على طوكيو المضي قدمًا في استراتيجيتها لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ بشكل متوازن باستمرار، لأن الأمر يتطلب تحديد مصالحها الوطنية بشكل أوضح وتحديد الأولويات وتنمية الشركاء، لأنه من شأن دخول الولايات المتحدة والصين في صراع مفتوح أن يعرّض هذه الجهود للخطر. لذا فإنه على طوكيو العمل للحفاظ على مقاربة تركز على بناء الثقة والتوافق والشراكة مع كلا القوتين، لأن ذلك سيساهم في أن يصبح لديها مرونة كافية تسمح لها بالحصول على خيارات مفتوحة وقدرة على المناورة للحفاظ على علاقات وثيقة صريحة مع الولايات المتحدة، والحفاظ على ثباتها تجاه الصين مع إتاحة المجال للتعاون، وفي نفس الوقت تجنب العزلة بوضع نفسها في مركز شبكة من الشركاء تمتد من أستراليا إلى الهند ودول جنوب شرق آسيا إلى بريطانيا وفرنسا.

من ناحية أخرى، فإن استراتيجية اليابان في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لن تكون قابلة للتطبيق دون مشاركة دول رابطة الآسيان، لذا من المفترض أن تكون المبادرات الاقتصادية والأمنية التي ستقترحها اليابان في جنوب شرق آسيا محط تنسيق مع دول الرابطة لجعلها مدمجة مع المفاهيم الأوسع التي تدعم الاستراتيجية، كما أنها ستكون دليلًا على الأهمية التي توليها الحكومة للعلاقات مع دول الرابطة.

فردوس عبدالباقي
باحثة بوحدة الدراسات الأسيوية