تتواصل جلسات الحوار الوطنى سعيا لبناء توافق يرسى قواعد جمهورية جديدة، أو ما يسميه البعض عقدا اجتماعيا جديدا.ومصر وهى تتقدم فى هذا الطريق فإنها لا تبدأ من الصفر، لكنها تبنى على تراث سياسى أنتجته أجيال من المفكرين والمثقفين ورجال الدولة والزعماء.
رسالة الكلم الثمان، هو اسم الكتاب الذى نشره حسين المرصفى، خريج الأزهر، ومدرس آداب اللغة العربية ضمن الرعيل الأول من أساتذة مدرسة دار العلوم التى تم تأسيسها لتخريج مدرسين مكونين بطريقة حديثة لتلبية الطلب المتزايد على التعليم الحديث الذى شهدته هذه المرحلة.
نشر المرصفى كتابه هذا فى عام 1881، ولهذا التاريخ أهمية خاصة. كانت هذه سنوات نهضة فكرية، ففى عام 1867 أصدر عبدالله أبو السعود، أحد تلامذة رفاعة الطهطاوى، صحيفة وادى النيل، وهى أول صحيفة سياسية مصرية، وأول صحيفة خاصة بعد أن تكفلت الحكومة بنشر الوقائع المصرية بانتظام منذ عام 1828. كانت الوقائع هى أداة الحكومة للتواصل مع الموظفين وطلبة المدارس الحكومية، توزع عليهم فى المكاتب والمدارس، وكانت وادى النيل هى أول صحيفة تباع على الأرصفة لعامة الناس،دلالة على ظهور مجتمع سياسى وثقافى حديث، وظهور رأى عام لديه طلب على المعرفة ومتابعة الشأن العام. وشهد العقد التالى توالى صدور مزيد من الصحف، وتأسيس المطابع ودور النشر لإخراج الكتب.
كانت هذه أيضا سنوات اضطراب كبير بسبب الأزمة المالية والضغوط الأجنبية وحركة العرابيين، وكانت هناك حاجة لتخفيف الاضطراب عبر توضيح الأفكار التى تشوشت وتصارعت. كان كل هذا جديدا على بلد لم يعرف من قبل حياة فكرية وسياسية مفتوحة، وكان المصريون يتعرفون لأول مرة على مصطلحات جديدة، ويستخدمون الكثير من الكلمات القديمة بمعان جديدة تناسب التغيرات التى لحقت بالمجتمع. رأى الشيخ المرصفى هذا الاضطراب فكتب رسالة الكلم الثمان، وهو كتاب فى فلسفة الاجتماع والسياسة شرح فيه مصطلحات رأى الناس يتداولونها على نطاق واسع دون فهم أو اتفاق على معانيها. فإذا كان رفاعة الطهطاوى قد قدم أول كتابين للتفكير السياسى الحديث فى تاريخنا، وهما تخليص الإبريز ومناهج الألباب، فإن حسين المرصفى قد قدم فى الكلم الثمان ثالث الكتب المؤسسة للفكر المصرى الحديث.
الأمة، الحكومة، العدل، الظلم، السياسة، الحرية، التربية، هى أهم المصطلحات التى تناولها المرصفى فى كتابه. الأمة عنده هى الجماعة يربطها المكان أو اللسان أو الدين، أرضهم بالنسبة إليهم كالدار بالنسبة للشخص، لا يدخلها أحد إلا على سبيل الخدمة أو الضيافة. ومصر أمة بين أمم كثيرة، ينصلح حالها متى احترم صغار الأمة كبارها، وعطف كبارها على صغارها، وتلقوا الرأى ممن يراه، لا يرد صغير لصغرة، ولا يقبل رأى كبير لكبره، ولا يخاف أحد أن يرد، ولا يأنف أحد أن يرد عليه، وكانت الغاية المنظورة للكل إنما هى تحقيق الحق وتقرير الصواب وتحصيل الصلاح.
الغرض من كل هذا هو معرفة السبيل الموصلة إلى الخير الشامل والبركة العامة، ليمكن حصول الخيرات الخاصة الثابتة المأمونة من الزوال، فإن الغنى إذا لم يكن من رضا الجميع كان عرضة للتغيير ودوامه بدوام سلطة صاحبه وقوته وعجز الناس عنه، فمتى ضعف وقدر غيره عليه هلك لا محالة.
وفى باب الحكومة قال المرصفى إنه قد ركب فى الطباع الحرص وطلب ما يزيد على الحاجة، فوجب عند ذلك المحاجزة بين الناس، وربط قسمة الأرزاق بالأفعال الفكرية والبدنية،وهو معنى الحكومة، أما الغرض منها فهو حماية الوطن ممن يريده بسوء، وتأمين أهله من تعدى بعضهم على بعض، وإعانة كل على حفظ حقه والانتفاع به، حتى يظهر فى الجميع السرور والفرح والرضا. ومقصود الشيخ المرصفى هو أن للحكومة ثلاث وظائف هى الحماية ضد أعداء الخارج، وإقامة العدل بين الناس فى الداخل، ومساعدة الناس على تنمية ثروتهم والاستمتاع بها.
وفى باب العدل والظلم والسياسة قال الشيخ إن العدل أن يعمل كل أحد عمله الذى يعود نفعه على الناس كاملا، وأن يوفيه الناس قيمة ذلك العمل كاملة، فإذا لم يعمل وطلب قيمة، أو عمل ناقصا وطلب كاملا فقد ظلم، وإذا عمل ولم يوفه الناس قيمة عمله فقد ظلموه. أما السياسة فهى تحديد الأعمال، وتقدير القيم، وإلزام الكل بالعمل، وتوفية القيمة، وذلك فى أصناف العمل الأربعة الصناعة والزراعة والتجارة والإدارة.
فى باب الحرية تحدث الشيخ المرصفى عن الإنسان الحر أكثر مما تحدث عن الحرية نفسها، والتى لها عنده مكانة عالية، حتى أنه يكاد يساوى بين الإنسان الحر والإنسان الكامل، فقد عرف الحر بأنه الإنسان يعرف ما له وما عليه، وله شرف نفس يمنعه أن يتجاوز ما له لأخذ ما ليس له، وانقياد لتأدية ما عليه، وإباء يقيه من اغتصاب ما ليس له. فى تعريف الشيخ المرصفى للحرية توازن بين الحقوق والواجبات، وهو ينتقد مفهوما للحرية بدأ يظهر بين الشبان فى عصره، ورأى فيه اختلالا لهذا التوزان بين الحق والواجب، فقال إنه ليس للحرية تفسير غير ذلك، وما يجرى على بعض ألسنة الناشئين فى هذه الأوقات الحاضرة مما يوهم خلاف ذلك فحقه التنقيح والتهذيب، وإن أبوا وجب تناولهم بسياط التأديب.
لقد كان حقا عصر نهضة وثراء فكرى يستحق منا أن نستلهمه لنواصل مسيرة بدأها أسلافنا القريبون.
نقلًا عن الأهرام 11 مايو 2023
رئيس برنامج السياسات العامة السابق