يبدو أن تقديرات الدوائر الاستراتيجية العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المسبقة لنتائج العمليات العسكرية احتاجت إلى تعديلات، وذلك في ضوء الآتي:
استيعاب حلف الأطلنطي لمعارضة بعض الدول في المشاركة، خاصة إسبانيا، ولعل إشادة ترامب بأمين عام الحلف يؤكد أن الحلف اتخذ قراره بالمشاركة في العمليات، وذلك الواضح بدخول قطع بحرية فرنسية وبريطانية وإسبانية أيضًا إلى المنطقة، يضاف إلى ذلك انتشار قطع عسكرية أسترالية في المنطقة أيضًا، وهو ما يعني أن هناك نسجًا لصيغة تحالف دولي لضرب إيران.
يشير ذلك إلى أن مخزون الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية، رغم التصريحات المتتالية لكبار المسئولين في البلدين على أنها كافية ولم تستنزف، فإن الإلحاح الأمريكي على الدول الأخرى للمساندة يشير إلى الخوف من أن تستنزف قبل أن يسقط النظام الإيراني.
الواضح الآن أن إيران تحارب وحدها في مواجهة كل هذه الدول، وقد انخرطت فرنسا وبريطانيا بصورة واضحة. يتحدثون عن مشاركة دفاعية، ولكن مجرد إسقاط الصواريخ المتجهة إلى إسرائيل أو إلى دول أخرى في المنطقة يعني مشاركة فعلية.
أجرى الرئيس الأمريكي اتصالات بقيادات كردية، الطلباني زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني المسيطر على السليمانية في شمال العراق، وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني المسيطر على باقي منطقة كردستان في شمال العراق، وكذلك مع إحدى قيادات الفصائل المعارضة الكردية الإيرانية الموجودة أيضًا في شمال العراق. استهدف الاتصال الأمريكي بتلك القيادات في البداية أن تشارك قوات البيشمركة التابعة للحزبين الرئيسيين في شمال العراق في عملية برية ضد إيران، وهو ما رفضته تلك القيادات. الأسباب كثيرة ومتعددة ترتبط بطبيعة الأوضاع في العراق وموقف الحشد الشعبي من أي تحرك على هذا المستوى والمكاسب التي حققها الأكراد ويمكن أن تضيع.
وبالتالي فإن التركيز الأمريكي والإسرائيلي الآن هو على قوات المعارضة الكردية الإيرانية، والتي نجحت إسرائيل منذ بداية الحديث عن ضرب إيران في توحيد خمس فصائل معًا. والشاهد هنا أن علاقات الموساد الإسرائيلي وإسرائيل بصفة عامة بكل المستويات الكردية قديم وتاريخي.
الحديث عن أن هذه الفصائل الكردية الإيرانية يمكن أن تبدأ بالدخول إلى منطقة الحدود إلى المحافظات الكردية والاستيلاء عليها في محاولة لإقناع أو الترويج للقوى المعارضة الأخرى العراقية وغيرها للاستيلاء على مناطق سيطرتها أو أماكن انتشارها.
وفي الحقيقة، فإن ذلك يدل على عدم فهم الدوائر الاستراتيجية الأمريكية لطبيعة الأوضاع وقدرة الأكراد الإيرانيين على تحقيق ذلك، بسبب أن محافظة كرمانشاه نسبة كبيرة من سكانها من الأكراد الشيعة الفيليين، وهم يلتزمون بالمذهب الاثني عشري وولاية الفقيه.
النقطة الثانية والأهم أن تركيا لن تسمح بإقامة كيان كردي في هذه المنطقة يمكن أن يغري ويتمدد في المنطقة الكردية المجاورة داخل تركيا ذاتها، وهو ما رفضته. وأن أهم فصيل من هذه الفصائل الكردية والتابع لحزب العمال الكردستاني سبق أن صنفته أمريكا تنظيمًا إرهابيًا.
إن مجرد نجاح مثل هذه الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية فيما يتعلق باستثمار الأكراد، سوف يعوق ما قامت به أمريكا في سوريا من تخلٍ عن الأكراد وسلطة الحكم الذاتي ودمجهم، وبالتالي سوف يغري سلطة الحكم الذاتي الكردية في سوريا للتمسك بمطالبها. إذا ما نجح الأكراد الإيرانيون، وهو أمر في تقديري مستحيل، لكنه سوف يصعب من عمليات الدمج التي ترعاها أمريكا في سوريا.
إن المعارضة الإيرانية الداخلية التي تصاعدت خلال السنوات الماضية وشهدت إجراءات صارمة من النظام، بل إن النظام في بداية العمليات العسكرية مارس إجراءات متشددة لا تتفق وضرورة تحصين نفسه في ظل هذه الأزمة بشعبه؛ حيث اعتقل كثيرًا من القيادات المعتدلة التي وقفت إلى جانبه في الضربة الأولى. وهو ما أغرى الأمريكيين والإسرائيليين بإمكانية استثمار ذلك، ولعل ضرب مراكز الشرطة ومخازن الأمن والمعسكرات التابعة لها استهدف أن يفتح ذلك الباب للمعارضين للحصول على الأسلحة منها ومحاربة النظام داخليًا. إلا أن ذلك يتجاهل دور الباسيج الذي ينتشر في جميع أنحاء الدولة وأحيائها ومدنها وقراها، ويعتبر هو جهاز الأمن الأساسي. في تقديري أن الحرب سوف تستمر أكثر مما كان مقدرًا لها أربعة أسابيع، بل يمكن أن تصل إلى أكثر أشهر.
والسؤال هنا: هل تصمد إيران في مواجهة ذلك أم أن الضربات المتتالية يمكن أن تغير من طبيعة ما يجري والأهداف المرجوة وتفتح الباب على أمور لم تكن مطروحة من قبل؟
إن عملية تغيير النظام في إيران وانتخاب مرشد أعلى جديد ستمثل نقطة مهمة أو رسالة إلى العالم الخارجي. فإذا ما تم اختيار شخص يتصف بعدم التشدد، ولا أقول بالاعتدال فكل النظام الإيراني وعناصره متشددون، لكن أن يكون أقل تشددًا في التعامل وذا إدراك لفهم التطورات والمخاطر التي يتعرض لها النظام، عندها يمكن أن تتحرك الأمور في اتجاه آخر.
يحضرني هنا عبارة كان أستاذنا في العلاقات الدولية الدكتور إبراهيم صقر في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية يرددها دائمًا عندما يشرح أزمة في العلاقات الدولية، وهي أن السياسة هي فن الممكن، أقصى الممكن.
وأضيف عليها مع تقدير موازين القوى: إذا لم تنتبه الإدارة الإيرانية إلى أنه إذا كان الممكن هو المحافظة على الدولة الإيرانية والنظام والدولة أولًا، فإن ما هو أقصى ممكن أن تقوم به تلك الإدارة لتحقيق هذا الهدف هو أنها لن تنتصر على الولايات المتحدة الأمريكية ولا على إسرائيل، ولكن يمكن أن تتخذ مواقف سياسية تستوعب ذلك، خاصة وأن ترامب يريد أن يحقق نصرًا ما، وإلا ستستمر المعارك وتتزايد الخسائر. فهل تعلو الإدارة الإيرانية الجديدة على أحزانها ومشاكلها وتمارس مبدأ التقية الذي مارسته قبل ذلك عندما قال الخميني: “أتجرع السم الآن” وقبل وقف إطلاق النار؟
فلتتحرك على هذا المستوى الإدارة الجديدة وتقبل بالوساطات المطروحة. البرنامج النووي تم تدميره ويمكن أن تستغني عنه، خاصة أن لديها القدرات على إحيائه في أي وقت تريد، فقد اقتربت من العتبة النووية. كما أن البرنامج الصاروخي قد تعرض لضربات شديدة، وإذا استمرت المعارك سيتم القضاء عليه، فيمكنها أن تبقي على ما بقي منه وتقبل التفاوض على أن توقف إطلاق النار وأن يتزامن ذلك مع رفع العقوبات.
الضربات الإيرانية على دول الخليج غيرت من طبيعة الموقف في الخليج بصفة عامة، ولا شك أن ضرب أهداف مدنية وتحقيق خسائر طالت هذه الدول سوف يغير من طبيعة التعامل الخليجي مع إيران في السنوات القادمة، خاصة أن دول الخليج التي كانت صادراتها الغذائية والمختلفة إلى إيران تتجاوز العقوبات المفروضة عليها وتؤدي دورًا اقتصاديًا واجتماعيًا لإيران سوف يتوقف.
سوف تتجه دول الخليج خلال السنوات القادمة لدعم قدراتها العسكرية، ولا شك أن أنظمة الدفاع الجوي في تلك الدول، خاصة في دولة الإمارات، قد أثبتت قدراتها حيث أسقطت أكثر من 90% من الصواريخ التي أُطلقت عليها. وبالتالي سوف نشهد إعادة بناء المنظومة الدفاعية الجوية أو الدفاع بصفة عامة في منطقة الخليج، وإنشاء قوة مشتركة وتعاون أكثر مما شهدته السنوات السابقة.
إن إسرائيل التي قادت الحرب وأقنعت ترامب بالعمليات العسكرية سوف تحرص على استمرار العمليات لتحقيق أهدافها، فهل الإدارة الإيرانية يمكن أن تفوت عليها هذه الفرصة؟ هذا ما ستحدده الأيام القادمة.
الخلاصة أن الحرب سوف تستمر لأسابيع قادمة، وأن الأيام القادمة سوف تشهد ضربات لأهداف اقتصادية إلى جانب الأهداف العسكرية، في محاولة لدفع القوى الشعبية لاتخاذ مواقف ضد النظام. وأن الضربات التي كانت تقوم بها إيران لدول خليجية سوف تتراجع بنسبة كبيرة خلال الأيام القادمة، إدراكًا منها للنتائج السلبية التي ترتبت عليها.
