وحدة الدراسات الأوروبية

الدبلوماسية السلبية: أوروبا والتصعيد الإسرائيلي-الفلسطيني

تعامل الاتحاد الأوروبي مع عمليات التصعيد الأخيرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين باهتمام حذر؛ حيث أعلن منذ البداية ضرورة خفض التصعيد، وإنهاء حالة العنف تجنبًا لانتشاره بعد أن أصبح على ثلاث جبهات (القدس، والضفة الغربية، وغزة)، علاوة على معالجة الأسباب التي ساهمت في تأجيج حالة الصراع، تمهيدًا للتسوية السياسية بشكل سلمي ترتكز على حل الدولتين وفقًا للقواعد الدولية المتفق عليها. كما تتمثل أولوية الاتحاد الأوروبي في استقرار الأوضاع الداخلية بين الجانبين بما يساهم في توفير مناخٍ آمن للعيش لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين. أما فيما يتعلق ببناء المستوطنات وعمليات التهجير فقد اعتبرها الاتحاد الأوروبي غير شرعية بموجب القانون الدولي، علاوة على أنه غير…

آية عبد العزيز
باحثة بوحدة الدراسات الأوروبية

تعامل الاتحاد الأوروبي مع عمليات التصعيد الأخيرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين باهتمام حذر؛ حيث أعلن منذ البداية ضرورة خفض التصعيد، وإنهاء حالة العنف تجنبًا لانتشاره بعد أن أصبح على ثلاث جبهات (القدس، والضفة الغربية، وغزة)، علاوة على معالجة الأسباب التي ساهمت في تأجيج حالة الصراع، تمهيدًا للتسوية السياسية بشكل سلمي ترتكز على حل الدولتين وفقًا للقواعد الدولية المتفق عليها. كما تتمثل أولوية الاتحاد الأوروبي في استقرار الأوضاع الداخلية بين الجانبين بما يساهم في توفير مناخٍ آمن للعيش لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين.

أما فيما يتعلق ببناء المستوطنات وعمليات التهجير فقد اعتبرها الاتحاد الأوروبي غير شرعية بموجب القانون الدولي، علاوة على أنه غير مُعترف بأي تغييرات لحدود ما قبل عام 1967 باستثناء المناطق التي تم الموافقة عليها من قبل الجانبين. كما اعتبر أن عمليات الطرد بما في ذلك حي الشيخ جراح واحتمالية هدم المباني في قرية الولجة أمر يُثير القلق. وعليه، فإن الإجراءات الأحادية غير القانونية ما هي إلا إثارة للتوترات بين الجانبين، وذلك وفقًا لما صرّح به المتحدث باسم الممثل الأعلى للشئون الخارجية والسياسة الأمنية “بيتر ستانو” في بيان صادر في 5 مايو، وذلك بالتزامن مع إعلان إسرائيل عزمها بناء 540 وحدة سكنية جديدة في “هار حوما”. وقد استكمل الاتحاد الأوروبي نفس السياسات التي تجلى أبرزها على النحو التالي:

رفض الاعتداءات على الشيخ جراح: اعتبر الاتحاد الأوروبي أن طرد العائلات الفلسطينية من بعض المناطق في القدس الشرقية وحي الشيخ جراح أمر غير قانوني؛ حيث صرح “ستانو”، في بيان صادر في 8 مايو، بأن “الوضع فيما يتعلق بإخلاء العائلات الفلسطينية في الشيخ جراح ومناطق أخرى من القدس الشرقية يثير القلق الشديد”، وأن “هذه الأعمال غير قانونية بموجب القانون الإنساني الدولي، ولا تؤدي إلا إلى تأجيج التوترات على الأرض”. واستكمل أنه “يجب على القادة السياسيين والدينيين والمجتمعيين من جميع الأطراف التحلي بضبط النفس والمسئولية وبذل كل جهد لتهدئة هذا الوضع المضطرب”. هذا بجانب قيام وفد أوروبي بزيارة الحي في 11 مايو لمقابلة الأسر الفلسطينية المهددة بالطرد من قبل القوات الإسرائيلية.

دعم جهود التهدئة: أكد الممثل الأعلى للشئون الخارجية والسياسية الأمنية “جوزيب بوريل” في بيان له صادر، في 15 مايو، على مشاركة الاتحاد الأوروبي في الجهود الداعمة لإنهاء العنف المستمر بين الجانبين، ومنع انتشاره، حفاظًا على أرواح المدنيين، وداعيًا إلى الاحترام الكامل للقانون الدولي الإنساني، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية لمستحقيها في غزة، ومشددًا على معالجة الأسباب الجذرية للتصعيد، علاوة على احترام الوضع الراهن للأماكن المقدسة تجنبًا لأعمال التحريض حولها، هذا بجانب وقف الأنشطة الاستيطانية، وأعمال الهدم والإخلاء في كافة الاراضي الفلسطينية. 

إدانة حماس والجماعات الأخرى: أدان “بوريل” القصف العشوائي للصواريخ من قبل حماس والجماعات الأخرى التي استهدفت أهدافًا مدنية في إسرائيل، مؤكدًا أن إسرائيل يحق لها حماية سكانها، ولكن بشكل مناسب تجنبًا لوقوع إصابات بين المدنيين. كما أصدرت بعض وزارات خارجية الدول الأوروبية بيانات تُدين استهداف إسرائيل بصواريخ من غزة؛ حيث دعا “جاكوب كولهانك” -وزير الخارجية التشيكي- إلى “الوقف الفوري” لإطلاق الصواريخ من غزة على إسرائيل”، وهو ما وافقت عليه وزارة الخارجية النمساوية، فيما أوضحت ألمانيا “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس في وجه هجمات حماس”. أما فرنسا فقد استنكرت الهجمات الصاروخية على إسرائيل، وفي المقابل هاتف الرئيس الفرنسي نظيره الفلسطيني لتقديم التعازي له، كما دعاه إلى “استخدام كل وسائل نفوذه حتى يعود الهدوء بأسرع ما يمكن”.

تبادل وجهات النظر مع طرفي الصراع والشركاء الإقليميين: عمل “بوريل” على التواصل مع جميع الأطراف لمعرفة آخر مستجدات الأوضاع الراهنة، وكيفية التعاطي معها في المرحلة المقبلة؛ حيث تواصل هاتفيًا مع الرئيس الفلسطيني “محمود عباس”، ووزير الخارجية الإسرائيلي “جابي أشنكازي”، بجانب التواصل مع “سامح شكري” وزير الخارجية المصري، ونظيره الأردني “أيمن الصفدي”، والتركي “مولود جاويش أوغلو”، ونظرائهم الأوروبيين لتنسيق التعاون لإنهاء حالة العنف. كما كلف “سفين كوبمانز” الممثل الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط بالعمل مع المبعوثين الآخرين من اللجنة الرباعية للشرق الأوسط لمعالجة التصعيد المتنامي. كما شارك الاتحاد الأوروبي في إصدار بيان صحفي مشترك لمبعوثي المجموعة الرباعية للشرق الأوسط في 8 مايو حول الأوضاع في القدس الشرقية وحي الشيخ جراح والمدينة القديمة.

عقد اجتماع طارئ: أعلن “بوريل” على حسابه على تويتر، يوم الأحد 16 مايو، عن عقد اجتماع افتراضي طارئ لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يوم الثلاثاء الموافق 18 مايو بشأن مستجدات التصعيد بين الجانبين، ولبحث وتنسيق الإجراءات الممكن للاتحاد الأوروبي اتخاذها للإسهام بأكبر قدر ممكن لوقف العنف في الأراضي المقدسة. 

أولوية خفض التصعيد: أوضح الاتحاد الأوروبي، يوم 17 مايو، أن إمكانية فرض عقوبات على إسرائيل لم يتم مناقشتها، لكون الاهتمام الأوروبي مُنصبًا على عملية خفض التصعيد؛ إذ أشار “ستانو” قائلًا: “لم ترفع أي دولة عضو حتى الآن ورقة العقوبات ضد تل أبيب، والتركيز الآن على خفض التصعيد والعنف واستئناف المفاوضات”، كما أن “العقوبات أدوات تُطبق عندما تكون هناك وحدة في مواقف الدول الأوروبية”. فيما أكد “شارل ميشيل” رئيس المجلس الأوروبي على أهمية إعطاء الأولوية لوقف التصعيد، لتجنب الخسائر البشرية بين الجانبين.

دلالات الموقف

جاء الموقف الأوروبي تجاه التصعيد الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية على مستوى الخطاب الرسمي المُعلن داعمًا للتهدئة، وخفض التصعيد تمهيدًا للعودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن من الناحية العملية ما زال الموقف الأوروبي غير متماسك، ويفتقد لاستراتيجية واضحة يمكن تطبيقها على الأرض في وقت محدد تساهم في تهدئة الأوضاع الراهنة، علاوة على أن تحركاته ما زالت متأخرة، وتستند إلى الشجب والإدانة والاستنكار، ويرجع ذلك لعدد من الأسباب يتمثل أبرزها في:

محدودية التأثير : يرغب الاتحاد الأوروبي في تبني سياسة قد تكون ظاهريًا متوازنة تجاه طرفي الصراع على مستوى الخطاب والإجراءات، حتى يكون فاعلًا في عملية السلام من خلال المشاركة متعددة الأطراف، إلا أنه يفتقد للقدرة على التأثير على مسار الصراع، نتيجة استمرار حالة عدم التوافق بين الدول الأعضاء لاتخاذ موقف موحد قادر على ردع الانتهاكات الإسرائيلية، وعدوانها المستمر على الأراضي الفلسطينية. وبالفعل هذا ما تم إبان الاجتماع الأخير الذي عقد يوم 18 مايو؛ حيث لم يُسفر عن بيان مشترك حول التصعيد الجاري إلا أن “بوريل” أعلن بيانًا يدين هجمات حماس ووجود عدد كبير من الضحايا المدنيين، داعيًا إلى وقف إطلاق النار. وهو ما سبق أن أكد عليه “بوريل”، وتناسب مع  تصريح “وليد أبو هيا” نائب رئيس البعثة الإسرائيلية لدى الاتحاد الأوروبي، قائلًا: “إسرائيل حليف لأوروبا”، “تشترك إسرائيل في القيم مع أوروبا [و] لها تاريخ مع أوروبا. إسرائيل، في الوقت الحالي، بحاجة إلى أصدقاء من أوروبا. ولدينا العديد من الأصدقاء في أوروبا. و”تحتاج إسرائيل إلى أوروبا لإدانة حماس بشكل واضح وقوي، حماس إرهابية بحسب أوروبا، على أوروبا الوقوف مع اسرائيل.

وهذا بجانب أن بعض القوى الأوروبية ما زالت تُدرك أهمية الولايات المتحدة في عملية التهدئة، وهو ما أشار إليه “كليمان بون” وزير الخارجية الفرنسي للشئون الأوروبية، قائلًا: “من الواضح أنهم (الأمريكيون) هم الذين ما زالوا يملكون الروافع الدبلوماسية الرئيسية حاليًا، رغم أنه ينبغي لأوروبا أن تكون أكثر حضورًا”. لذلك سيُعد الاجتماع المقرر عقده الأسبوع المقبل تحديًا قويًا أمام الاتحاد الأوروبي، نظرًا إلى أن إسرائيل ترغب في إدانة “حماس”،

تأثير التداعيات: تتخوف بعض الدول الأوروبية من احتمالية نقل التصعيد بين إسرائيل وفلسطين إلى أراضيها، أو أن يتم توظيف حالة الغضب من بعض القوى الداخلية لتأجيج التوترات على أراضيها، وخاصة مع خروج المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في عددٍ من المدن الأوروبية، والقيام بحرق الأعلام الإسرائيلية، وحمل لافتات داعمة لفلسطين. في المقابل، خرجت بعض المظاهرات المضادة الداعمة لإسرائيل، الأمر الذي أدى إلى احتمالية التصادم. فعلى سبيل المثال، خرجت المظاهرات في بعض المناطق الألمانية مثل منطقة “أوستنزن” التي شهدت فرصًا للتصادم نتيجة ظهور بعض الأشخاص الذين يحملون أعلام إسرائيل، وانتهى الأمر بتدخل الشرطة لتفريقهم. كما حدث تراشق لفظي بين مؤيدين لفلسطين في مظاهرة مع “مظاهرة مضادة داعمة لإسرائيل في منطقة “لايبزيغ”. لذا فقد دعا بعض المسئولين الألمان إلى التصدي للأعمال المخالفة للقانون التي تشهدها المظاهرات. وفي اليونان تدخلت الشرطة وقامت بإطلاق الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين بعدما أحرقوا الأعلام والتماثيل أمام السفارة الإسرائيلية، علاوة على رشقها بالحجارة.

المصالح محركًا: قد يرجع نهج الاتحاد الأوروبي غير الحاسم لإدانة إسرائيل إلى أنها تحاول الحفاظ على استمرار الشراكة التجارية مع إسرائيل؛ حيث تعد الشريك التجاري رقم 24 للاتحاد الأوروبي، فيما يُمثل الاتحاد أكبر شريك تجاري لإسرائيل، إذ استحوذ على 29.3٪ من تجارة السلع في عام 2020. فيما بلغ إجمالي تجارة السلع بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل في عام 2020 ما يُقدر بـ31.0 مليار يورو. وقد قُدرت واردات الاتحاد الأوروبي من إسرائيل بنحو 11.5 مليار يورو. في المقابل، بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى إسرائيل 19.5 مليار يورو. وعليه من المحتمل أن يحافظ الاتحاد على استمرار العلاقات التجارية مع إسرائيل كجزء من مصالحه الأكبر في المنطقة.

أخيرًا، يمكن القول إنه على الرغم من الجهود الأوروبية في احتواء حالة التصعيد الأخيرة إلا أنه من غير المرجح أن تكون فاعلًا أساسيًا على طاولة المفاوضات وقد ينحصر دورها في إطار تقديم المساعدات المالية والإنسانية؛ حيث إن موقفها غير المؤثر الذي لا يتعدى الإدانة وعقد الاجتماعات لتنسيق الجهود لم يؤتِ ثماره ولم يساند القضية الفلسطينية، نتيجة دعمه السلبي لحل الدولتين دون ممارسة أي ضغوط على الجانب الإسرائيلي لتنفيذه.

آية عبد العزيز
باحثة بوحدة الدراسات الأوروبية