يبرز رئيس الوزراء الإسباني “بيدرو سانشيز” من بين القادة الأوروبيين الرافضين للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، متحديًا الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” برفضه دعم الضربات الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، إلى جانب رفضه استخدام القوات الأمريكية للقواعد العسكرية في إسبانيا لشن الضربات، وهو ما دفع “ترامب” للتهديد بقطع جميع العلاقات التجارية مع إسبانيا، فيما قللت مدريد من تلك التهديدات، وتعهدت بالتمسك بموقفها الرافض للحرب. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات عدة؛ أبرزها عما إذا كان “ترامب” قادرًا بالفعل على تنفيذ تهديده تجاه دولة تقع ضمن نطاق دول الاتحاد الأوروبي، وعما إذا كان يمكن لهذه التهديدات أن تكون بداية للانفصال الاستراتيجي بين أوروبا وواشنطن.
الموقف الإسباني من حرب إيران
مع بداية الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، برز موقف إسبانيا بوصفه أحد أبرز مظاهر الحذر الأوروبي تجاه الانخراط في صراع قد تكون تداعياته واسعة على الأمن الدولي والاقتصاد العالمي، فقد أعلن رئيس الوزراء الإسباني موقف حكومته الرافض للحرب، مشيرًا إلى الضربات بوصفها “تدخلًا عسكريًا غير مبرر وخطير “وينتهك القانون الدولي، داعيًا إلى خفض التصعيد واستئناف الحوار، وداعيًا أوروبا لاتخاذ الموقف نفسه.[1]
إلى جانب التصريحات الرسمية، رفضت إسبانيا الانضمام إلى دول أوروبية أخرى، مثل المملكة المتحدة وفرنسا، في تقديم الدعم الدفاعي لواشنطن ردًا على هجمات إيران، فرفضت أن تستخدم القوات الأمريكية قاعدتي “روتا” و”مورون” العسكريتين بإسبانيا -واللتين تديرهما الولايات المتحدة وإسبانيا بشكل مشترك منذ عام 1953- لشن أي هجوم على طهران، وذلك باعتبار أن العمليات العسكرية لا بد وأن تتم دائمًا في إطار ميثاق الأمم المتحدة وبجهود جماعية في عالم قائم على قواعد يمكن التنبؤ بها بدلًا من أن تكون القوة هي القاعدة الوحيدة. لكنها أرسلت في وقت لاحق سفينة حربية إلى شرق البحر المتوسط في أعقاب استهداف إيران –الأول والوحيد حتى الآن- للقاعدة الجوية البريطانية “أكروتيري” في قبرص بطائرتين مسيرتين.
وعلى الرغم من أن إسبانيا تُعد حليفًا تقليديًا للولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي، فإن موقفها من المواجهة مع إيران –التي توجه إليها انتقادات على خلفية البرنامج النووي والسياسة الداخلية القمعية- يبدو أكثر تحفظًا مقارنة ببعض الدول الأوروبية الأخرى[2]، والتي اتسم ردها بدعم الضربات على إيران مع التزام الصمت حول شرعية الهجوم. ويعكس هذا الموقف مزيجًا من الاعتبارات السياسية الداخلية، والمصالح الاستراتيجية، إضافة إلى التجارب التاريخية التي لا تزال تؤثر في الرأي العام الإسباني.
- حسابات الداخل
تعتبر مناوشات سانشيز مع ترامب بمثابة “حشد سياسي” لتأييده قبل الانتخابات الوطنية التي من المقرر أن تشهدها إسبانيا العام المقبل، ويرى مراقبون أن كل هجوم يشنه ترامب على الحكومة الإسبانية ورئيس الوزراء يعزز من شعبيتهم في استطلاعات الرأي، وذلك في ظل مواجهة حكومته الائتلافية لانتقادات عدة من قبل المعارضة المتمثلة في حزب الشعب المحافظ وحزب فوكس القومي اليميني المتشدد، إلى جانب الاتهامات بالفساد وتعطيل التحقيقات التي تطال أعضاء حكومته باستمرار.[3]
ومن المعروف أن “سانشيز” يحكم إسبانيا من خلال تحالف حكومي مع حزب “سومار”، وهو ائتلاف يساري يمارس ضغطًا مستمرًا على الحكومة لتبني سياسات أكثر تشددًا في مواجهة ما يعتبره الإسبان إمبريالية ترامب وجرائم إسرائيل، وهو ما انعكس بشكل كبير على ردود الفعل تجاه السياسات الأمريكية والإسرائيلية. علاوة على ذلك، لعب الحراك الشعبي المؤيد للقضية الفلسطينية دورًا بارزًا في تعزيز هذا الاتجاه، كما أن الرأي العام الإسباني بشكل عام يتخذ حاليًا موقفًا واضحًا من التصعيد العسكري ضد إيران.
فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة (40 dB) لصالح صحيفة”El País” الإسبانية[4] أن نحو 68% من الإسبان يعارضون الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، مقابل 23% فقط يؤيدونها، وأظهر الاستطلاع أن تقييم المواطنين لإدارة الأزمة كان أكثر إيجابية تجاه موقف الحكومة بقيادة “سانشيز” الرافض لاستخدام الولايات المتحدة للقواعد العسكرية بنسبة 53%، فيما أيد 62% نشر فرقاطة إسبانية في قبرص كدليل على الالتزام بالدفاع عن الاتحاد الأوروبي. وفي السياق ذاته، عكس المزاج الشعبي الإسباني صورة سلبية للرئيس الأمريكي “ترامب”؛ إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن نحو 76% من الإسبان يحملون آراء سلبية تجاهه، ويرون أنه يشكل خطرًا على السلام.
- التجارب التاريخية
لا يمكن فهم الحذر الإسباني من الانخراط في حروب في الشرق الأوسط دون العودة إلى “حرب العراق عام 2003″، والتي يشبهها سانشيز بالضربات الحالية على إيران. وقد أدى انخراط الحكومة الإسبانية آنذاك بقيادة رئيس الوزراء الإسباني “خوسيه ماريا أثنار” في التحالف الذي قادته الولايات المتحدة إلى موجة واسعة من الاحتجاجات الشعبية داخل البلاد، وهو ما شكل نقطة تحول في المزاج السياسي الإسباني؛ حيث أصبح الرأي العام أكثر حساسية تجاه أي مشاركة في عمليات عسكرية خارجية تقودها واشنطن، رافعين شعار “لا للحرب”، وهو الشعار الذي أعاد سانشيز إحياءه.
ومنذ ذلك الحين، تميل الحكومات الإسبانية المتعاقبة إلى تبني مواقف أكثر حذرًا في القضايا العسكرية الدولية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بصراعات قد تؤدي إلى عدم استقرار طويل الأمد في مناطق قريبة من أوروبا مثل الشرق الأوسط.
- حسابات المصالح والاستقرار الإقليمي
إلى جانب العوامل السياسية الداخلية، تلعب المصالح الاقتصادية والاستراتيجية دورًا مهمًا في صياغة الموقف الإسباني. فإسبانيا، مثل عديد من الدول الأوروبية، ترتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية مع دول الشرق الأوسط، كما تعتمد بشكل جزئي على استقرار المنطقة فيما يتعلق بأسواق الطاقة والتجارة البحرية. كما أن لها موقفًا شديد الوضوح تجاه العدوان الإسرائيلي على “غزة”، بداية من الاعتراف بدولة فلسطين، مرورًا بقطع العلاقات التجارية مع إسرائيل، وصولًا إلى سحب السفير الإسباني من تل أبيب[5]. وبالتالي فهي لا تريد الوقوف مع حليف يقدم الدعم غير المشروط لمن يسهم في الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، ويتسبب في المقام الأول في زعزعة الاستقرار في المنطقة.
كما أن أي تصعيد عسكري واسع قد يؤدي إلى موجات جديدة من الفوضى التي قد ينتج عنها سيل من الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وهو سيناريو تحاول الحكومات الأوروبية –بمن فيهم إسبانيا- تجنبه في ظل الضغوط السياسية الداخلية المرتبطة بملف الهجرة.
قطع العلاقات التجارية بين إسبانيا والولايات المتحدة
على الصعيد التجاري، تعتبر الولايات المتحدة من بين أفضل 10 شركاء تجاريين لإسبانيا، بينما تقع إسبانيا خارج قائمة أفضل 20 شريكًا تجاريًا للولايات المتحدة، وهو ما يفسر العجز التجاري الذي تعانيه مدريد مع واشنطن. فوفقًا لبيانات مكتب الإحصاء الأمريكي[6]، صدرت إسبانيا سلعًا بقيمة .321 مليار دولار إلى أمريكا في عام 2025؛ حيث شملت أهم صادراتها السلع الرأسمالية والآلات، والأدوية، وزيت الزيتون (يتم تصدير 14% من إنتاج زيت الزيتون الإسباني للولايات المتحدة)، والنبيذ الأحمر. بينما استوردت إسبانيا منتجات أمريكية بقيمة .126 مليار دولار في العام نفسه، بما في ذلك النفط والغاز الطبيعي المسال؛ حيث إن ما يقرب من ثلث واردات البلاد من الغاز جاء من الولايات المتحدة في عام 2025.

وقد ألمح ترامب إلى امتلاكه صلاحية فرض حظر كامل على البضائع الإسبانية، استنادًا إلى الضغوط السابقة التي قد مارسها على دول بعينها باستخدام قانون الطوارئ لعام 1977 لفرض تعريفات جمركية شاملة على جميع بضائعها، إلا أن هذا الخيار لم يعد في متناول الرئيس الأمريكي بعد حكم المحكمة العليا الأمريكية في 20 فبراير الماضي[7]، والذي قضى بأن “ترامب” لا يستطيع الاستناد إلى هذا القانون لفرض تعريفات جمركية على أي دولة.
ومع ذلك، فإذا رغبت إدارة ترامب في مراجعة علاقاتها التجارية مع إسبانيا، فإن ذلك سيكون أمرًا صعبًا بافتراض أن واشنطن تتعامل تجاريًا مع إسبانيا وحدها كدولة مستقلة؛ لأنها تعتبر دولة تقع ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي الذي يتعامل تجاريًا مع واشنطن ككتلة واحدة، وهو ما يعيدنا إلى الإطار القانوني لتنفيذ التهديد الأمريكي تجاه مدريد.
فوفقًا للقانون الدولي، فإن الإطار القانوني الذي يقوم عليه التبادل التجاري الدولي في أوروبا هو” السوق الأوروبية الموحدة”[8]، وهو ما يضمن به الاتحاد الأوروبي حرية حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال، وبالتالي يتيح ممارسة التجارة والأعمال بحرية. أما فيما يتعلق بالسلع الواردة من الخارج، فقد أنشأ الاتحاد الأوروبي عام 1968 ما يسمى بـ “الاتحاد الجمركي” والذي يُنشئ منطقة تعريفة موحدة لجميع السلع المستوردة من خارج الاتحاد الأوروبي؛ مما يسمح للسلع بالتحرك بحرية بين الدول الأعضاء دون رسوم جمركية. وهذا يعني أن جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هم جزء لا يتجزأ من الاتحاد الجمركي.
وبالتالي فإن واشنطن لا تتاجر مع إسبانيا كدولة منفردة، بل تتاجر مع الاتحاد الأوروبي، مع العلم أنه ومنذ إنشاء السوق الموحدة عام 1993، أصبحت القرارات المتعلقة بالتعريفات الجمركية واتفاقيات التجارة وتدابير الحماية التجارية للدول الأعضاء من اختصاص الاتحاد الأوروبي وحده؛ مما يعني أن العلاقات التجارية الخارجية تدار على المستوى الأوروبي، وليس المستوى الوطني، وهذا يعني أن أي إجراء تجاري موجه ضد دولة عضو بالاتحاد سيؤثر بالتبعية على السوق الأوروبية بأكملها، وقد تعتبر بروكسل الإجراءات التي تستهدف إسبانيا بمثابة بداية نزاع تجاري بين واشنطن والاتحاد ككل، وفي هذه الحالة، ستتحول المشكلة من شأن ثنائي إلى نزاع تجاري عابر للأطلسي.
ومع ذلك، يمتلك “ترامب” عدة أدوات قانونية بديلة لفرض الرسوم الجمركية على الدول الأجنبية، وإن كانت أقل مرونة من الإجراءات التقليدية، من أبرزها المادة 122 من قانون التجارة الأمريكي لعام 1974[9]، والتي استخدمها “ترامب” لفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على بعض الدول بعد صدور قرار المحكمة، غير أن هذا الإجراء يحمل قيودًا محددة؛ إذ يتيح للرئيس فرض الرسوم لمدة أقصاها 150 يومًا فقط، وبعد انتهاء هذه المدة يصبح الحصول على موافقة الكونجرس شرطًا أساسيًا لاستمرار أو تمديد الرسوم.
خلافات أخرى
لا يعتبر الصدام بين مدريد وواشنطن الأول منذ عودة “ترامب” بولايته الثانية، فقد قاومت إسبانيا بمفردها في حلف الناتو رفع إنفاقها الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو هدف حدده حلف شمال الأطلسي العام الماضي تحت ضغط من ترامب[10]، بينما لا تريد إسبانيا تجاوز نسبة 2.1% من الناتج المحلي[11]، وهو الأمر الذي جعل الرئيس الأمريكي يتهم إسبانيا بالسعي إلى “الاستفادة المجانية” من دفاع الحلف، ملمحًا إلى ضرورة معاقبة إسبانيا بطردها من الناتو وفرض عقوبات تجارية عليها. [12]
ويجادل سانشيز في هذا الصدد بأن حلف الناتو لطالما عمل على أساس القدرات التقنية والبشرية التي يحتاجها الحلفاء لتحييد المخاطر والتهديدات التي تواجههم، وليس على أساس نسب الناتج المحلي الإجمالي، وأن تعزيز الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا لا ينطوي على زيادة الإنفاق الذي قد يضر المواطنين في الداخل، بل على “الإنفاق الأمثل، والإنفاق المشترك” من أجل زيادة قابلية التشغيل البيني للقوات المسلحة، وإنشاء آليات شراء مشتركة، وتطوير الصناعات الأوروبية الدفاعية، وإنشاء جيش أوروبي مشترك، مع معارضة فكرة “إعادة التسلح النووي” الأوروبي في ظل تزايد الشكوك حول التزام واشنطن الاستراتيجي.[13]
كما انتقد “سانشيز” بدوره مرارًا سياسة ترامب الداخلية والخارجية، بما في ذلك سياسات الهجرة الأمريكية، وطريقة التعامل مع المهاجرين داخل الولايات المتحدة، كما انتقد ما حدث في فنزويلا والإطاحة بالرئيس “نيكولاس مادورو”[14]، معتبرًا أن التدخل الأمريكي يشكل سابقة خطيرة تنتهك الشرعية الدولية. إلى جانب ذلك، تتخذ إسبانيا موقفًا واضحًا داعمًا لغزة، فكانت من أوائل الدول الأوروبية التي انتقدت رد إسرائيل على هجمات حماس في السابع من أكتوبر عام 2023، ووصفتها بـ “الإبادة الجماعية”، كما كانت من أوائل الدول التي اعترفت رسميًا بدولة فلسطينية، وفرضت عديدًا من الإجراءات العقابية ضد إسرائيل، لعل أحدثها هو سحب السفير الإسباني من تل أبيب اعتراضًا على الهجمات ضج إيران؛ مما يضعها في موضع أكثر الدول الأوروبية عداء لإسرائيل.
على صعيد آخر، تسعى إسبانيا إلى تعزيز العلاقات مع الصين باعتبارها فاعلًا عالميًا رئيسيًا[15]، وذلك عبر جذب مزيد من الاستثمارات الصينية في قطاعات مهمة كصناعة السيارات والطاقة المتجددة، في ظل قيام ترامب بالتحكم في مصير النظام الاقتصادي العالمي. وقد زار “سانشيز” الصين في أبريل عام 2025[16]، وكان آنذاك أول رئيس حكومة أوروبي يلتقي بالزعيم الصيني منذ أن فرض “ترامب” تعريفاته الجمركية آنذاك، وهو ما أثار استياء واشنطن، خاصة وأن هذا النهج يخالف الاستراتيجية الأوروبية التي تنظر إلى الصين كمنافس اقتصادي أضر بالصناعات الأوروبية، بينما تصر مدريد على أن يضع الاتحاد الأوروبي شروطه الخاصة التي تنظم العلاقات مع الصين بدلًا من التبعية لسياسات الولايات المتحدة.
الموقف الأوروبي إزاء الصدام الإسباني–الأمريكي
اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا اتسم بالحذر والتوازن تجاه الصدام الإسباني–الأمريكي؛ حيث جمع بين التضامن مع مدريد حول تهديدات ترامب التجارية، وبين التحفظ لتجنب تصعيد النزاع مع واشنطن، بينما سعت المؤسسات الأوروبية لتفادي الانقسام داخل التكتل، مؤكدين على أهمية الحوار والتفاوض كآلية أولية لحل الخلافات. وفيما يتعلق بالحرب الإيرانية، فالموقف الأوروبي بشكل عام يتسم بالتناقض مع الموقف الإسباني إلى حد كبير، وهو ما يثبت أن الدول الأوروبية لا تزال تسعى لاستمالة ترامب بأي طريقة عبر دعم ومباركة السياسات الأمريكية.
فبريطانيا رفضت في بداية الهجمات على إيران أن يتم استخدام قاعدتها في “دييغو غارسيا” لتنفيذ أولى الغارات الأمريكية ضد طهران، وذلك بسبب شكوكها حول شرعية الهجوم، لكنها تراجعت عن موقفها لاحقًا في أعقاب تصريحات “ترامب” الذي أعلن عن خيبة أمله الشديدة من تخاذل رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر”، مبررة أن القواعد سيتم استخدامها فقط “لأغراض دفاعية” ردًا على الهجمات الإيرانية بما يتوافق مع القانون الدولي.[17]
كما أعلن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بالإعلان عن خطط لتوسيع الترسانة النووية الفرنسية وإرسال حاملة طائرات نووية إلى شرق المتوسط لأغراض “دفاعية”[18]، دون التصريح بأن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي ينتهك القانون الدولي إلا بعد تصريحات “سانشيز” وتهديدات ترامب ضد إسبانيا. ومع ذلك، سمح ماكرون باستخدام القواعد العسكرية الفرنسية في الهجوم الذي قادته الولايات المتحدة وإسرائيل[19]، ليقع بذلك في تناقض آخر بين الأقوال والأفعال.
أما ألمانيا، فقد كان موقف المستشار الألماني فريدريش ميرز، الذي التقى ترامب في البيت الأبيض في مطلع الشهر الجاري، متوافقًا مع الرئيس الأمريكي حول هدف إسقاط النظام الإيراني، بل إن “ميرز” حثه على الإسراع من ذلك، في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة بينه وبين “ترامب” دون الوقوع في فخ الانتقادات. وكان من اللافت هو عدم رده على تهديدات ترامب التي كررها مجددًا تجاه إسبانيا، مكتفيًا بمحاولة إقناع “سانشيز” بتلبية مطالب الرئيس الأمريكي بشأن زيادة إسبانيا لحصتها في الإنفاق العسكري، وهو ما جعله في مرمى نيران تصريحات “سانشيز” الذي رأى في موقفه خيانة أوروبية[20].
وبشكل عام، تشهد العلاقات عبر الأطلسي توترات عدة مع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، فبينما تسعى واشنطن إلى حشد دعم حلفائها الأوروبيين ضد إيران، برزت إسبانيا بموقف حذر يبتعد عن الانخراط في مغامرة عسكرية ودبلوماسية جديدة، وهذا التباين يفتح الباب أمام نقاش أوسع داخل أوروبا حول حدود الالتزام بالسياسات الأمريكية، وإمكانية تبني مقاربة أكثر استقلالية في إدارة الأزمات الدولية. وفي ظل هذا المشهد، يطرح السؤال نفسه: هل يمثل الموقف الإسباني حالة استثنائية، أم بداية اتجاه أوروبي قد يتوسع في حال تطورت المواجهة مع إيران؟
[1] Pedro Sánchez Statement on X, 1 Mar 2026, https://x.com/sanchezcastejon/status/2028194307501326370
[2] ‘Why Spain’s Sanchez Is Standing Up to Trump on the Iran War’, Bloomberg, 9 Mar 2026, https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-03-09/why-spain-s-pm-pedro-sanchez-is-standing-up-to-trump-on-iran-war
[3] ‘Spanish Prime Minister’s Former Top Aide Remanded in Custody’, Bloomberg, 30 Jun 2025, https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-06-30/spanish-prime-minister-s-former-top-aide-remanded-in-custody
[4]‘ El 68% de los españoles rechaza la guerra de Trump y Netanyahu’, EL PAIS, 6 Mar 2026, https://elpais.com/espana/2026-03-06/el-68-de-los-espanoles-rechaza-la-guerra-de-trump-y-netanyahu.html
[5]‘ Spain permanently withdraws ambassador as rift with Israel deepens’, Reuters, 11 Mar 2026, https://www.reuters.com/world/middle-east/spain-removes-ambassador-israel-2026-03-11/
[6] ‘2025: U.S. trade in goods with Spain’, US Census Bureau data, https://www.census.gov/foreign-trade/balance/c4700.html
[7] ‘SUPREME COURT OF THE UNITED STATES– BEFORE JUDGMENT TO THE UNITED STATES COURT OF APPEALS FOR THE DISTRICT OF COLUMBIA CIRCUIT No. 24–1287. Argued November 5, 2025—Decided February 20, 2026’, https://www.supremecourt.gov/opinions/25pdf/24-1287_4gcj.pdf
[8] ‘Single market’, European Union, https://european-union.europa.eu/priorities-and-actions/actions-topic/single-market_en
[9] ‘TRADE ACT OF 1974’, U.S government Publishing Office, https://www.govinfo.gov/content/pkg/COMPS-10384/pdf/COMPS-10384.pdf
[10] ‘The Hague Summit Declaration- issued by the NATO Heads of State and Government participating in the meeting of the North Atlantic Council’, 25 June 2025, https://www.nato.int/en/about-us/official-texts-and-resources/official-texts/2025/06/25/the-hague-summit-declaration
[11] ‘Spain reaches agreement with NATO to allocate 2.1% of GDP to Defence’, La Moncloa, 22 Jun 2025, https://www.lamoncloa.gob.es/lang/en/presidente/news/paginas/2025/20250622-spain-nato-agreement.aspx
[12] ‘Trump to Spain: Spend more on defense or face ‘punishment’ tariffs’, Politico, 14 Oct 2025, https://www.politico.eu/article/donald-trump-nato-spain-madrid-defense-spending-europe/
[13] ‘Pedro Sánchez argues in Munich that nuclear rearmament is not the way forward and reiterates the need to create a European army’, La Moncloa, 14 Feb 2026, https://www.lamoncloa.gob.es/lang/en/presidente/news/paginas/2026/20260214-munich-security-conference.aspx
[14] ‘Venezuela: Spain, Brazil, Chile, Colombia, Mexico and Uruguay against US attack’, LAPRESSE, 4 Jan 2026, https://uk.lapresse.it/world-en/2026/01/04/venezuela-spain-brazil-chile-colombia-mexico-and-uruguay-against-us-attack
[15] ‘Spain Courts China in New Asia Strategy as US Ties Sour’, Bloomberg, 20 Feb 2026, https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-02-20/spain-courts-china-in-new-asia-strategy-as-us-ties-sour
[16] ‘Spain’s Sanchez Calls on EU to Rethink Relationship With China’, Bloomberg, 8 April 2025, https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-04-08/spain-s-sanchez-calls-on-eu-to-rethink-relationship-with-china?embedded-checkout=true
[17] ‘Middle East Update Oral Statement’, UK Gov, 9 Mar 2026, https://www.gov.uk/government/speeches/middle-east-update-oral-statement
[18] ‘Emmanuel Macron Statement on X, 9 Mar 2026, https://x.com/EmmanuelMacron/status/2031076340670074998
[19] ‘France to let US planes not involved in Iran strikes use air base’, Le Monde, 5 Mar 2026, https://www.lemonde.fr/en/international/article/2026/03/05/france-to-let-us-planes-not-involved-in-iran-strikes-use-air-base_6751130_4.html
[20] ‘Spanish deputy leader slams Merz for his deference to Trump’, Politico, 9 Mar 2026, https://www.politico.eu/article/germany-friedrich-merz-deference-us-donald-trump-still-infuriates-spain-leaders/