وحدة الدراسات الاقتصادية

“توظيف الأموال”: هل تُعرقل جهود الدولة لتحقيق الشمول المالي؟

أثارت عودة رجل الأعمال المصري أشرف السعد إلى مصر الكثير من الجدل والذكريات، حول قصص شركات توظيف الأموال في مصر، فقد شهد عقد الثمانينيات في مصر ظهور نشاط لشركات توظيف الأموال. وقد ظهرت تلك الكيانات في الثمانينيات نتيجة لعدد من الأسباب، لعل من أهمها ما اتسم به هذا العقد من انخفاض أسعار الفائدة بالجهاز المصرفي بأقل من معدل التضخم، وارتفاع أسعار الذهب، وركود السُوق العقاري، فضلاً عن ركود اقتصادي بصفة عامة. بالإضافة إلى العمالة المصرية بالخارج وخاصة في دول الخليج والتي أدرّت الكثير من الأموال، أضف إلى هذا انخفاض الفكر الاستثماري لدى الكثيرين، وضآلة إمكانيات الاستثمارات الصغيرة وانعدام فرصها تقريبًا…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

أثارت عودة رجل الأعمال المصري أشرف السعد إلى مصر الكثير من الجدل والذكريات، حول قصص شركات توظيف الأموال في مصر، فقد شهد عقد الثمانينيات في مصر ظهور نشاط لشركات توظيف الأموال.

وقد ظهرت تلك الكيانات في الثمانينيات نتيجة لعدد من الأسباب، لعل من أهمها ما اتسم به هذا العقد من انخفاض أسعار الفائدة بالجهاز المصرفي بأقل من معدل التضخم، وارتفاع أسعار الذهب، وركود السُوق العقاري، فضلاً عن ركود اقتصادي بصفة عامة.

بالإضافة إلى العمالة المصرية بالخارج وخاصة في دول الخليج والتي أدرّت الكثير من الأموال، أضف إلى هذا انخفاض الفكر الاستثماري لدى الكثيرين، وضآلة إمكانيات الاستثمارات الصغيرة وانعدام فرصها تقريبًا وانحصارها في بدائل محدودة وأكثرها شيوعًا عنابر الدواجن أو بناء منازل صغيرة في الريف، أو الاستثمار العقاري بشراء الشقق السكنية. 

كما لعبت الفتاوى الدينية التي ذهبت إلى تحريم الفائدة وتحريم التعامل مع البنوك، بجانب هذا تغلغل الروتين الحكومي بما يساهم في تعطيل الاستثمارات وانتشار الفساد والبيروقراطية؛ كل تلك العوامل مثلت أرضًا خصبة لنمو شركات توظيف الأموال.

الخلفية التاريخية لظهور شركات توظيف الأموال

أشار د. فرج فودة في كتابة “الملعوب” الذي يقدم من خلاله نظرة تحليلية لقصة شركات توظيف الأموال، واقتبس هنا قوله: “أنت تكسب ليس لأنك الأذكى ولكن لأن الآخرين أغبياء، ليس لأنك أكثر مقدرة ولكن لأن الآخرين عجزة”. ومن هنا لخص د. فودة فكرته حول توظيف الأموال في مصر، والذي بدأ مع ظهور شركة الشريف للبلاستيك والتي لجأ صاحبها للاقتراض من الأفراد للتوسع في سوق المنتجات البلاستيكية مع عزوف صاحبها عن الاقتراض من البنوك.

وقد تدافع آلاف الأفراد إلى المساهمة بهذا الأسلوب، وقد حصلوا بالفعل على أرباح تتجاوز 20%، وقد كانت تلك نقطة البداية التي دفعت الآخرين للمساهمة، وأيضًا شجعت آخرين على الدخول لإنشاء شركات تحمل هذا الطابع ومن بينهم تجار العملة. ولتشجيع مزيدٍ من الأفراد على الاستثمار في هذا النوع من الشركات الجديدة فقد رفع بعضها أسعار الفائدة أو ما يطلق عليه الأرباح حتى وصلت 50%، وقد مثل عام 1983 إحدى المحطات المهمة في تاريخ توظيف الأموال، حيث تنامى أعداد تلك الشركات لتشمل شركات توظيف الأموال مثل: السعد، الهدى مصر، وبدر.. وغيرها، وقد اتسع حجم الأموال المستثمرة، حيث تجاوزت أرصدة شركة الريان حاجز المليار جنيه. وفي المقابل، اتخذت الدولة إجراءات للحد من تجارة العملة، بما ساهم في تراكم أموال المدخرين لدى تلك الشركات.

وتجدر الإشارة إلى أن تلك الشركات نمت بدون أي أسس اقتصادية معروفة أو مشروعات استثمارية ضخمة، كما تدخلت السياسة والدين وأفكار بعض الجماعات الدينية للسيطرة على كم هائل من الأموال، إلى جانب افتقاد الخبرة والمعرفة الكافية لدى ملاك وأصحاب تلك الشركات، وكل تلك العوامل لعبت دورًا في انهيار الفكرة وعدم تطورها إلى استثمارات قومية تساهم في الناتج المحلي، على غرار تجربة طلعت حرب على سبيل المثال.

وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تتبناها الدولة للتوسع في الشمول المالي ونشر الثقافة المصرفية والمالية لدى الأفراد؛ إلا أن أعداد المتعاملين مع القطاع المصرفي ما زالت محدودة، ولم تتعدّ نصف المتوسط العالمي، كما أن هناك تراجعًا في معدلات الوعي المالي ومعدلات التعامل مع البنوك، وأيضًا وجود عدد من الفتاوى الدينية التي قد يذهب بعضها إلى تحريم التعامل مع البنوك، إلى جانب ثقافة المصريين المترسخة من سنين والتي تميل للاحتفاظ بالكاش، بما يساهم في تكرار حدوث توظيف الأموال، فهناك الكثير من الأموال خارج الإطار الرسمي، وهو ما يعني فوضى مالية يترتب عليها جرائم لا تنتهي وضياع قيمة الأموال مثل حادث المستريح وغيرها من الحوادث.

بيانات الشمول المالي في مصر

حظي ملف الشمول المالي باهتمام كبير في الفترات الأخيرة، ويقصد به دمج كافة الأفراد ضمن المنظومة المالية الرسمية بما يمكنهم من الوصول إلى المنتجات المالية المختلفة التي تلبي احتياجاتهم من الخدمات المالية، مثل الائتمان والتأمين، كما تمكن الدولة من إحكام الرقابة والمتابعة لكافة المعاملات المالية للمؤسسات والأفراد بالاقتصاد المحلي بما يحد من الفساد ويحسن مستوى كفاءة السياسات المُتبعة.

وعلى الرغم من أن تطبيق الشمول المالي يبدأ بصورة فردية من خلال ربط الأفراد أو المنشآت بالمنظومة المالية الرسمية، إلا أن المنافع التي تتحقق سوف تدعم أداء الاقتصاد الكلي للدولة كونه يُعزز من تراكم المدخرات وتوجيهها إلى المشروعات الاستثمارية في القطاعات المختلفة، فضلاً عن إدارة المخاطر المالية، الأمر الذي ينعكس على مستوى رفاهة ومعيشة المواطن ويسهم في تقليص معدلات الفقر.

ومن هذا المنطلق سعت الدولة المصرية لتوسيع قاعدة المتعاملين مع القطاع المالي الرسمي عن طريق تبني استراتيجية للشمول المالي، وقدمت جميع البنوك منتجات مالية تناسب طبيعة المجتمع المصري بداية من المنتجات الإسلامية، وتقديم عدد من الشهادات الاستثمارية ذات العائد التنافسي وخدمات القروض بما ساهم في استعادة الثقة في القطاع البنكي، ولعب ذلك دورًا كبيرًا في اتجاه قطاع كبير من المجتمع المصري للتعامل مع البنوك وتجاهل شركات توظيف الأموال التي انتهت أعمال معظمها في مصر، إلا أنها من حين إلى آخر تظهر على الساحة حادثة أو أخرى لعل آخرها حادثة ما يعرف بالمستريح، فلا يزال هناك العديد من التحديات التي تحول دون الوصول إلى المتوسطات العالمية في الشمول المالي، لذا تظهر شركات توظيف الأموال لتحتل هذا الفراغ. وفيما يلي نظرة تحليلية لكل من بيانات الشمول المالي في مقابل نبذة تاريخية حول شركات توظيف الأموال وأبرز العوامل التي تساهم في ظهورها.

بيانات الشمول المالي في مصر

وفقًا لبيانات المؤشر العالمي للشمول المالي لعام 2017، تبلغ نسبة المتعاملين مع القطاع المصرفي في مصر حوالي 33% من إجمالي المواطنين مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يُقدر بـ69%، من بينهم 2% فقط هم من يستخدمون كافة الخدمات البنكية، ونحو 50% من الحسابات المفتوحة في القطاع المصرفي غير فعالة، ويشير الشكل التالي إلى تطور أعداد المتعاملين بالحسابات البنكية خلال الفترة 2010-2017.

المصدر: قاعدة الشمول المالي، lobalfindex/org.worldbank.www://h

وبمقارنة مصر ببعض الدول العربية والاقتصادات الناشئة، نلاحظ أن مصر تعد من أدنى معدلات الشمول المالي، حيث يتخطى نسبة المتعاملين مع القطاع المصرفي في الهند حوالي 80% ويصل في تركيا لنحو 69%، والإمارات العربية نحو 88%، والسعودية 72%، وجنوب إفريقيا 69%.

وقد قامت الدولة خلال السنوات الأخيرة بجهود ضخمة لتحفيز الكيانات غير الرسمية لدخول المنظومة الرسمية، من خلال إطلاق العديد من المبادرات وعلى رأسها مبادرة دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ما يساهم في جذب شرائح جديدة للقطاع الرسمي ودعم جيل جديد من المستثمرين الصغار يساهمون في زيادة المكون المحلي، وتعميق صناعة الشركات الكبرى، وتعظيم حجم الصادرات المصرية.

كما ساهم توجه الدولة نحو التحول إلى مجتمع رقمي وتطوير البنية التحتية التكنولوجية وميكنة الخدمات الحكومية، المستهدف الانتهاء منها خلال 6 أشهر، وإنهاء التعامل النقدي خلال عامين؛ في توسيع قاعدة الشمول المالي، مما سيؤدي إلى خفض استخدام النقد خارج القطاع المصرفي وزيادة المتحصلات الضريبية.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية