وحدة الدراسات الاقتصادية

خطط تطوير السكك الحديدية بمصر

شهدت مصر زيادة هائلة في تمويل البنية التحتية منذ عام 2014. وقد أصبح قطاع النقل أحد المحركات الرئيسية للتنمية الاقتصادية والنمو في مصر، حيث يربط بين أسواق الإنتاج والاستهلاك. ويعزز الموقع الجغرافي الفريد لمصر، جنبًا إلى جنب مع توسيع قاعدة البنية التحتية، مكانة البلاد كمركز لوجستي عالمي رئيسي، وذلك اتساقًا مع رؤية مصر 2030 المرتبطة باستراتيجيتها للتنمية المستدامة. إذ استثمرت مصر في تجديد بنيتها التحتية في السنوات السبع الماضية ما لم تستثمره من قبل خلال تاريخها الحديث. ونالت شبكة السكك الحديدية المصرية نصيبًا كبيرًا من ذلك الاهتمام من الدولة. خاصة وأنها تعتبر ثاني سكة حديد بالعالم، حيث يعود تاريخها إلى…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

شهدت مصر زيادة هائلة في تمويل البنية التحتية منذ عام 2014. وقد أصبح قطاع النقل أحد المحركات الرئيسية للتنمية الاقتصادية والنمو في مصر، حيث يربط بين أسواق الإنتاج والاستهلاك.

ويعزز الموقع الجغرافي الفريد لمصر، جنبًا إلى جنب مع توسيع قاعدة البنية التحتية، مكانة البلاد كمركز لوجستي عالمي رئيسي، وذلك اتساقًا مع رؤية مصر 2030 المرتبطة باستراتيجيتها للتنمية المستدامة. إذ استثمرت مصر في تجديد بنيتها التحتية في السنوات السبع الماضية ما لم تستثمره من قبل خلال تاريخها الحديث. ونالت شبكة السكك الحديدية المصرية نصيبًا كبيرًا من ذلك الاهتمام من الدولة. خاصة وأنها تعتبر ثاني سكة حديد بالعالم، حيث يعود تاريخها إلى منتصف القرن التاسع عشر. وتتكون شبكة السكك الحديدية من أكثر من 5000 كم من خطوط السكك الحديدية، وتقدم خدمات الركاب بشكل أساسي للمصريين ذوي الدخل المنخفض. وقد استقل حوالي 270 مليون مسافر القطارات في عام 2019، ارتفاعًا من 228 مليونًا في عام 2015 و247 مليونًا في عام 2010.

اتجاه الدولة الجديدة إلى تطوير شبكة السكك الحديدية

تُعتبر شبكة السكك الحديدية ضرورية للنمو الاقتصادي المصري، ولكنها تعاني من نقص حاد في الاستثمار. وعلى مر السنين، واجهت الهيئة القومية للسكك الحديدية العديد من العقبات التي صعبت عليها عمليات تحسين أدائها، لا سيما في مجالات العمليات، واسترداد التكاليف، والصيانة، وخدمة العملاء. وهو ما دفع مصر لعقد عدة صفقات مع منظمات دولية مثل بنك الاستثمار الأوروبي والبنك الدولي وكذلك شركات مثل سيمنز بهدف تطوير قطاع السكك الحديدية بعد ما أصابه من إهمال وتسبب في حوادث وخسائر بشرية قبل أن تكون مادية.

بدأت أولى محاولات التطوير خلال مؤتمر Euromoney المصري في سبتمبر 2014. حيث أعلن المسئولون عن السكك الحديدية المصرية حينها، عن استثمار بقيمة 10 مليارات دولار أمريكي على مدى 10 سنوات لتحديث وصيانة شبكة السكك الحديدية القديمة، مع 2.2 مليار دولار من البنك الدولي. واستهدف هذا الاستثمار ترقية المعدات الدارجة والبنية التحتية للسكك الحديدية بالإضافة إلى التدريب ونقل المعرفة.

وتشير التقارير الاقتصادية، من المنظمات الدولية المختلفة، إلى أن إجمالي الاستثمار في مشاريع السكك الحديدية المصرية يبلغ حوالي 50 مليار دولار، مع استخدام 45 ٪ من هذا التمويل لتمويل المشاريع الحالية. كما أشارت التقارير إلى أن مصر بصدد إصلاح خطوط السكك الحديدية في البلاد بما في ذلك ما تتطلبه البنية التحتية من تطوير وخطوط السكك الحديدية نفسها، بالإضافة إلى بناء محطات جديدة. وذلك بجانب الخطط المتواصلة في تطوير شبكة مترو القاهرة التي تبلغ تكلفتها 20 مليار دولار أمريكي، والتي تتكون من ستة خطوط، تهدف إلى تحسين جودة ومستوى خدمات النقل الحضري في العاصمة. ولن تكون القاهرة المدينة الوحيدة في مصر التي تشارك في خطط التطوير، حيث بدأت المشاريع في جميع أنحاء البلاد.

أول قطار كهربائي فائق السرعة في مصر

وفي يناير من العام الحالي 2021، وقعت شركة سيمنز موبيليتي مذكرة تفاهم مع وزارة النقل المصرية لتطوير أول خط سكة حديد فائق السرعة كهربائيًا في البلاد. وقدرت قيمة الطلب المبدئية بنحو 3 مليارات دولار. وستعمل المرحلة الأولى من المشروع على ربط 460 كم من السكك الحديدية لتصل بين مدينة العلمين على البحر الأبيض المتوسط ومدينة العين السخنة على البحر الأحمر، وذلك باستخدام قطارات فائقة السرعة لم يتم استخدامها بمصر من قبل.

وسيمر هذا الخط بالعاصمة الإدارية الجديدة، التي يتم بناؤها على بعد 45 كم شرقًا من العاصمة الحضرية القاهرة. وهو ما سيخفف من الضغط على القاهرة كونها كانت تعاني من مركزية وسائل النقل المارة بها طوال القرن الفائت، ولا سيما رحلات السكك الحديدية التي كانت لا بد أن تعبر من خلالها للربط بين شمال الجمهورية وجنوبها. ومن المتوقع أن يوفر هذا المشروع للمواطن نظامًا متكاملًا لخدمة نقل سريعة حديثة للسكك الحديدية. كما سيوفر المشروع آلاف فرص العمل المحلية ودفعة تكنولوجية للبلاد. إذ ستخلق المرحلة الأولية من المشروع 15000 وظيفة مؤقتة أثناء التنفيذ، بالإضافة إلى 2000 وظيفة دائمة.

ويشمل العقد مع شركة سيمنس عمليات التصميم والتركيب وكذلك التشغيل والصيانة لمدة 15 عامًا، ومن المتوقع الانتهاء من 15 محطة في غضون عامين. إذ إن المشروع يهدف إلى بناء شبكة سكة حديد بطول 1000 كم بقيمة 23 مليار دولار بقطارات صديقة للبيئة وآمنة وبأسعار معتدلة لمتلقي الخدمة.

إعادة هيكلة الهيئة القومية لسكك حديد مصر

لم يكن القطار الكهربائي فائق السرعة هو مشروع السكك الحديدية الوحيد الذي ركزت عليه الحكومة المصرية في عام 2021. حيث وافق البنك الدولي، في مارس من العام نفسه، على قرض بقيمة 241.1 مليون دولار. وتقرر توجيه هذا القرض نحو إعادة هيكلة السكك الحديدية المصرية، بما في ذلك تحديث الإشارات على طرق محافظات الإسكندرية إلى القاهرة وبني سويف إلى نجع حمادي. كما سيتم استخدام القرض لتحسين سلامة الركاب والالتزام بالمواعيد، وتحسين إدارة أصول نظام السلامة، بالإضافة إلى تنمية الموارد البشرية والمؤسسية، وزيادة عدد القطارات التي تعمل في الوقت المحدد من 75٪ إلى 90٪ طبقًا لاحتياج الخطوط.

وصرح وزير النقل المصري الفريق كامل الوزير بأن تحديث وإصلاح السكك الحديدية في مصر أمر بالغ الأهمية لتلبية احتياجات السفر للمواطنين وتعزيز الاقتصاد الكلي. واعتبر تحسين الخدمة لملايين الركاب يوميًا من الأولويات الضرورية، لا سيما وأن المواطنين يعتمدون على سكة حديد الهيئة القومية للوصول إلى أعمالهم وإنجاز المتطلبات الشخصية بصفة منتظمة. كما أن زيادة نقل البضائع هو أيضًا هدف حاسم يزيد من القدرة التنافسية الشاملة للاقتصاد.

قروض إضافية لتطوير السكك الحديدية

تم توقيع اتفاقية بقيمة 362 مليون يورو بين مصر والبنك الدولي للإنشاء والتعمير لمشروع تطوير السكك الحديدية في الجمهورية، وذلك في شهر أبريل 2021، قبل أن تحصل على الموافقة النهائية من قبل مجلس الوزراء يوم 26 مايو. وفي نفس الإطار، وافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي في مارس على قرض بقيمة 440 مليون دولار أمريكي لدعم مبادرات مصر لتعزيز سلامة وجودة خدمات السكك الحديدية في البلاد. وإن أضفنا تلك القروض إلى 241.1 مليون دولار السابق ذكرها، ستكون تلك المساهمات كافية لتغطية التكلفة الإجمالية لمشروع تحسين السكك الحديدية والسلامة في مصر، البالغة 681.1 مليون دولار.

وعلى الصعيد نفسه، صرح وزير المالية الفرنسي برونو لومير، في 13 يونيو 2021، بأن فرنسا ستستثمر 1.8 مليار يورو في البنية التحتية المصرية، مع 2 مليار يورو إضافية قيد الإعداد. وإن كانت غالبية هذه الاستثمارات ستتجه إلى قطاعي الطاقة المتجددة وتنقية المياه، بالإضافة إلى تطوير شبكات وقطارات مترو القاهرة، عن طريق إنفاق 800 مليون يورو على 55 قطارًا للخط الأول من مترو القاهرة لتحل محل العربات القديمة التي يبلغ عمرها 30 عامًا. إلا أن مجلس الوزراء المصري قد أعلن في اليوم نفسه أن المشاريع المنتظر عملها مشاركة مع فرنسا تشمل بناء خط سكة حديد بين محافظة أسوان في جنوب مصر ووادي حلفا في دولة السودان.

ومن المتوقع أن تنهي خطة وزارة النقل الطموح الحالة المتردية التي أصابت الهيئة القومية للسكك الحديدية لعقود طويلة. ولكنها لا بد وأن تشمل خطة تطويرية للموارد البشرية بالتوازي تبدأ بحصر واضح لمتطلبات الهيئة وقدرات موظفيها بجميع طبقات الهيكل الإداري بها.

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة