مصر تصالح نفسها

رئيس الهيئة الإستشارية

لعلها واحدة من علامات النضج فى حالة الأمم أن تتصالح مع نفسها، وفى الحقيقة مع تاريخها لأنها فى هذه الحالة تكون فى صميم قرارها مستعدة لتحمل المسؤولية. ما جرى فى تاريخ مصر الحديث من الأمجاد والكبوات، الانتصارات والهزائم، ما كان كافيا لكثير من النزاع والخلاف والتحزب السياسى الذى أثر سلبا على المسيرة آنذاك التى كانت بدورها تحاول الحصول على نصيب فى تقدم الدولة. جرى الانقسام مرة عما إذا كان ممكنا القبول بأسرة محمد على أم لا، ومرة أخرى عما إذا كانت ثورة يوليو ١٩٥٢ ضرورية أو لا إذا كانت مصر قد بلغت قبلها ما بلغت من تقدم، ومرة ثالثة وضعت…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

لعلها واحدة من علامات النضج فى حالة الأمم أن تتصالح مع نفسها، وفى الحقيقة مع تاريخها لأنها فى هذه الحالة تكون فى صميم قرارها مستعدة لتحمل المسؤولية. ما جرى فى تاريخ مصر الحديث من الأمجاد والكبوات، الانتصارات والهزائم، ما كان كافيا لكثير من النزاع والخلاف والتحزب السياسى الذى أثر سلبا على المسيرة آنذاك التى كانت بدورها تحاول الحصول على نصيب فى تقدم الدولة. جرى الانقسام مرة عما إذا كان ممكنا القبول بأسرة محمد على أم لا، ومرة أخرى عما إذا كانت ثورة يوليو ١٩٥٢ ضرورية أو لا إذا كانت مصر قد بلغت قبلها ما بلغت من تقدم، ومرة ثالثة وضعت التجربة الثورية على محك تساؤل هزيمة يونيو ١٩٦٧ بعد أن صارت التجربة «ناصرية» وليست رسالة جيل بأكمله، ومرة رابعة كان الاختزال يخص الرئيس السادات الذى كان بطلا للحرب والسلام ثم بعد اغتياله لم يكن ذلك واردا، وإنما الانفتاح «السداح مداح»، ومرة خامسة كانت ثلاثين عاما من حكم الرئيس مبارك رهن المراجعة، بعد أن غاب الجمع المصرى كله عن المتابعة. جرت المحاسبة بأن يقوم كل جيل أو جماعة سياسية بمحاكمة الفترة السابقة، من تحمل المسؤولية فيها، ومن غاب، ولكن أحدا لم يكن مهتما بتحديد نصيبه مما جرى بحلوه ومره. أحيانا جرى حل الإشكالية بأن هناك دائما سلبيات وإيجابيات فيما حدث، ولكن سؤال: ماذا يعنى ذلك للمستقبل ظل غائبا. وأحيانا أخرى جرى جمع المراحل الخمس كلها فى مرحلة واحدة ليس مأسوفا عليها وربما يمكن أن يتلوها عهد جديد مبارك ونظيف ولم تعرفه البلاد من قبل.

خلال الفترة القصيرة الماضية جرت مجموعة من المناسبات الكبرى التى بدا فيها كما لو كانت مصر تتصالح مع كل تاريخها. «الموكب الذهبى» للمومياوات الفرعونية كان بالتأكيد احتفاء بثلاثة آلاف عام من تاريخ مصر. لم يكن الموكب وحده هو المحتفى به، وإنما الكثير من المتاحف التى تذكرنا بأن مصر أكبر كثيرا من أن تكون ملكا لمرحلة واحدة، وأنها على العكس غنية بكل المراحل معا حتى بتلك التى كان أبطالها ممن لم يولدوا على أرض الدولة، لأن مجدهم لم يكن ليولد لولا ما قدمته مصر من فداء وموارد، والأهم لمسة سحرية لأمة مجيدة. وعندما توفى الرئيس مبارك رغم كل ما حدث خلال العقد الماضى فقد كانت الوفاة فرصة لإعطاء الرئيس حقه بما أعطاه لمصر دون حدود، وفضلا عن دوره فى البناء والتعمير، كان وفاؤه لمصر التى فيها عاش وعلى أرضها توفى. وعندما حانت ساعة السيدة الجليلة جيهان السادات كانت التحية والوفاء والعزاء الكريم نصيب مرحلة مهمة من تاريخ الوطن لسيدة كان لها دور فى التحديث، وزوجة لبطل عظيم. وفى خطاب يوليو فى العيد الوطنى للثورة المصرية كان الرئيس عبد الفتاح السيسى يقول إنها «منحت الإلهام للعالم أجمع».

هذه النوعية من المصالحة مع التاريخ لم تكن ممكنة لولا أن عصرا جاء يحاول أن يبنى على كل ما سبق، وببساطة فإنه لم يكن ممكنا بناء مجد عصر جديد دون نفخ الجمال فى قصر البارون امبان الذى كانت عمارته شهادة على عصر للقصور والتحديث الذى شمل المدارس والجامعات والبنوك والاتصالات والمواصلات. كانت مصر المعاصرة تحتفى بفخامة الأسرة الملكية، وعزة المرحلة الناصرية، وانتصار الرئيس السادات، وما بدأ من إصلاح فى مرحلة الرئيس مبارك. وبات السؤال المهم ليس ماذا حقق هذا القائد أو لم يحقق من أهداف، وإنما كيف يكون كل ذلك قوة دافعة أولا لتجاوز أخطاء كل العصور، وثانيا تقديم البُشرى بأن تعيش مصر عصرها فى القرن الواحد والعشرين. قوة الدفع الكبرى تكون عندما يكون لدى الأمة القدرة على تحمل المسؤولية ليس فقط عما يجرى، وإنما أيضا عما جرى، ويكون ذلك قلب عملية التقدم. الولايات المتحدة لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه، وهى أسيرة لعهود كانت فيها الثورة والعبودية ونتوءات الحرب الأهلية والهزيمة الفيتنامية، ولا كان ذلك سوف يحدث فى فرنسا التى انقسمت بين الثورة والملكية والإمبراطورية وبات عليها أن تشكل رسالة فرنسا فى العصر الجمهورى الحالى، وفى هذه الأيام فإن العالم يقف حائرا أمام الصين وهى تدخل نادى الدول العظمى، بينما تحتفى بالرئيس ماوتسى تونج، والحزب الشيوعى الصينى، وتقيم مجتمعا يستند إلى نظام رأسمالى ولا يوجد ما يماثله فى دول العالم الأخرى. مصر تفعل ذلك الآن وهى واعية أن المصالحة التاريخية هى نقطة الانطلاق.

نقلا عن جريدة المصري اليوم، ١ أغسطس ٢٠٢١.

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

البعث