نحو أكاديمية قومية للعلوم الاجتماعية

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

فى هذا المقال دعوة لإنشاء أكاديمية قومية للعلوم الاجتماعية، والسبب هو أن العلوم الاجتماعية فى بلادنا تعانى تراجعا وركودا، الأمر الذى يضعف من قدرتنا على دراسة وفهم مجتمعنا؛ويحرم الجهود الرائعة التى يتم بذلها على طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من أفكار ومناهج متطورة، تسهم فى توجيه عملية التغيير الاجتماعى والثقافى الضرورية لاستكمال عملية التحول الكبرى التى نتمناها لمجتمعنا. أبدأ بما نشره الصديق الأستاذ أحمد الجمال على هذه الصفحة الأسبوعين الماضيين، حيث لاحظ عدم وجود دراسة عن الريف المصرى تتبع ما حدث فيه من تطورات خلال العقود القليلة الماضية. لقد نشأت فى زمن كان فيه عدد مناسب من الكتب المنشورة عن…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

فى هذا المقال دعوة لإنشاء أكاديمية قومية للعلوم الاجتماعية، والسبب هو أن العلوم الاجتماعية فى بلادنا تعانى تراجعا وركودا، الأمر الذى يضعف من قدرتنا على دراسة وفهم مجتمعنا؛ويحرم الجهود الرائعة التى يتم بذلها على طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من أفكار ومناهج متطورة، تسهم فى توجيه عملية التغيير الاجتماعى والثقافى الضرورية لاستكمال عملية التحول الكبرى التى نتمناها لمجتمعنا.

أبدأ بما نشره الصديق الأستاذ أحمد الجمال على هذه الصفحة الأسبوعين الماضيين، حيث لاحظ عدم وجود دراسة عن الريف المصرى تتبع ما حدث فيه من تطورات خلال العقود القليلة الماضية. لقد نشأت فى زمن كان فيه عدد مناسب من الكتب المنشورة عن الريف والقرية المصرية، فقرأنا كتبا عن الريف والقرية فى مصر بأقلام إبراهيم عامر وفتحى عبد الفتاح ومحمود عبد الفضيل وعلى بركات وعاصم الدسوقى، وغيرهم كثيرون. أتحدث عن كتب صدرت بين الخمسينيات والسبعينيات، أو الثمانينيات على أحدث تقدير، بما يعنى أن ثلاثة أو أربعة عقود قد مرت بغير تنفيذ ونشر دراسة مرجعية ذات قيمة عن الريف والقرية المصرية، اللهم إلا دراسة وحيدة نوه عنها أستاذنا الدكتور مصطفى كامل السيد.

غابت العلوم الاجتماعية عن دراسة الريف المصرى رغم التغيرات العميقة التى لحقت بالقرية المصرية خلال هذه السنوات. لقد تضاعف عدد سكان الريف عدة مرات، وهاجر الفلاحون للعمل فى بلاد النفط، وقاموا بتبوير الأرض الزارعية والبناء عليها، وتعرضت الملكيات الزراعية فى الوادى والدلتا لمزيد من التفتيت، ودخلت مظاهر الحياة الاستهلاكية بقوة للريف، وانتشر التعليم، وتمت إضاءة البيوت الريفية بالكهرباء، وتعرض الريف بكثافة لوسائل الإعلام المرئى، وربما لوسائل التواصل الاجتماعى، وتم إلغاء نظام الدورة الزراعية، وتحررت أسعار الحاصلات الزراعية، وانتهى احتكار الدولة لتجارة الحاصلات الزراعية الاستراتيجية. حدث هذا فى الوادى والدلتا، فى نفس الوقت الذى ظهر فيه ريف من نوع جديد تماما فى الأراضى الجديدة المستصلحة، يعتمد على الاستثمار الرأسمالى الكثيف، والملكيات الزراعية الكبيرة، وتطبيق أساليب تكنولوجية حديثة. كيف أثر كل هذا على علاقات الملكية ومستويات المعيشة والتكوين الاجتماعى فى الريف؟ وكيف أثر على قيم وأخلاق وثقافة القرويين؟ وما هى الفروق القائمة بين الريف فى الوادى والدلتا والمناطق الجديدة؟ وما هى التعديلات الواجب إدخالها على خطط التنمية الريفية، حياة كريمة نموذجا، عند الانتقال بين الأنماط الريفية المختلفة؟ هذه كلها أسئلة ننتظر من العلوم الاجتماعية المختلفة أن تساعدنا فى الإجابة عنها.

النقص فى الدراسات العلمية لا يقتصر على دارسة الريف والقرية، لكنه يشمل جميع نواحى الحياة فى المجتمع المصري. فمنذ زمن طويل لم نقرأ عملا قيما عن الطبقات الاجتماعية فى مصر، أو عن التحولات فى الثقافة المصرية، أو عن انتشار المجمعات السكنية ذات الأسوار والبوابات، وأثرها على العلاقات الطبقية والتكامل الثقافى للمجتمع، أو عن حجم وأنماط التفاوت الاجتماعى فى مصر، أو عن الطبقة الوسطى غير التقليدية التى تنمو بسرعة، أو عن تغير أنماط العلاقات العائلية والعلاقات بين الرجال والنساء. كل هذه مجالات وقضايا تخلفت علومنا الاجتماعية عن دراستها، فتعاملنا معها وفقا لانطباعاتنا وتحيزاتنا، بكل ما قد ينطوى عليه ذلك من أخطاء فى الفهم والتشخيص والمعالجة.

نقص الإنتاج والمنشورات العلمية ذات القيمة هو المظهر الأهم والدليل الأقوى على ازمة العلوم الاجتماعية فى بلادنا. هناك الآلاف من الأبحاث التى يتم إنتاجها من أجل استكمال متطلبات الترقى الوظيفى، فى الجامعات ومراكز البحوث، لكن القليل فقط من هذه الأبحاث يخرج من أضابير لجان الترقية وأدراج شئون العاملين، ليسهم فى تشكيل المعرفة والثقافة والسياسات العامة.

لقد تحسن ترتيب الجامعات المصرية بين جامعات العالم بشكل مضطرد فى السنوات الأخيرة، وكانت زيادة المنشور من أبحاث هيئات التدريس فى المجلات العلمية الدولية المرموقة هو أحد أسباب تحسن ترتيب جامعاتنا. إلا أن الزيادة فى النشر العلمى الصادر عن جامعاتنا تقتصر على العلوم المعملية، مثل الهندسة والطب والفيزياء، ولا تكاد تمس العلوم الاجتماعية والإنسانية، حتى أن جامعة القاهرة اضطرت لإصدار مجلة علمية باللغة الإنجليزية، تتولى نشر بحوث أعضاء هيئات التدريس فى العلوم الاجتماعية، بعد أن تعذر على هذه البحوث أن تجد طريقها للنشر فى المجلات الدولية.

الخسارة التى تلحق بالمجتمع والدولة بسبب تراجع العلوم الاجتماعية فادحة. فبينما تجاهد الدولة من أجل محاصرة التشدد والتعصب والتطرف، ومن أجل تحرير وإصلاح الخطاب والفكر الدينى، فإن النجاح المحدود المتحقق فى هذا المجال يرجع إلى أن العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهى أهم أدواتنا فى سبيل إصلاح فكرى وثقافى واسع النطاق، لا تقوم بدورها كما ينبغى.

التحسن الكبير الحادث فى حجم ونوعية البحث العلمى فى مجالات الهندسة والطب والعلوم الطبيعية هو نتيجة مباشرة لجهود الدولة لتطوير البحث العلمى فى هذه المجالات. العلوم الهندسية والطبيعية والطبية لها أكاديمية البحث العلمى، تمولها وترعاها، لكن العلوم الاجتماعية ليس لها من يرعاها ولا تحظى سوى بتمويل هامشى. صحيح أن العلوم الاجتماعية تدخل فى نطاق عمل أكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا، إلا أن وجودها هناك يفرض عليها حالة من الاغتراب والعزلة وسوء الفهم ونقص التقدير. هل يمكن أن نتصور أكاديمة البحث العلمى وقد تولى قيادتها أحد علماء الاجتماع أو السياسة؟ فلنفكر فى تأسيس أكاديمية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، تتولى رعاية البحث العلمى فى هذه المجالات، وتعوض النقص الناتج عن انشغال جامعاتنا بالتدريس والشهادات على حساب البحث.

نقلا عن جريدة الاهرام الخميس  9سبتمبر 2021

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب