وحدة الدراسات الاقتصادية

“البوليمر”: تطور تكنولوجيا صناعة العملات

تطورت صناعة العملات عبر الزمن تبعًا لتغير المناخ الاجتماعي والسياسي السائد، ودرجة التقدم التكنولوجي، وتوفر الموارد المتاحة عبر الفترات الزمنية المختلفة؛ فتم صناعتها من الجلود ثم الأصداف ثم المعادن الثمينة ثم الورق القطني، وظلت العملات الورقية هي الأفضل في التعامل لقرون عديدة منذ بدأ إصدارها عام 1661 من بنك استكهولم وحتى الآن. ومع تسارع التطور التكنولوجي في العصر الحديث، واحتلال القضايا البيئية أهمية خاصة في خطط التنمية الدولية والمحلية، فضلًا عن انتشار الأمراض والأوبئة وانتقالها بين الأفراد من خلال طرق مختلفة من بينها تداول العملات، تم التوجه إلى إصدار العملات البلاستيكية في عدد من دول العالم نظرًا لما توفره من…

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تطورت صناعة العملات عبر الزمن تبعًا لتغير المناخ الاجتماعي والسياسي السائد، ودرجة التقدم التكنولوجي، وتوفر الموارد المتاحة عبر الفترات الزمنية المختلفة؛ فتم صناعتها من الجلود ثم الأصداف ثم المعادن الثمينة ثم الورق القطني، وظلت العملات الورقية هي الأفضل في التعامل لقرون عديدة منذ بدأ إصدارها عام 1661 من بنك استكهولم وحتى الآن. ومع تسارع التطور التكنولوجي في العصر الحديث، واحتلال القضايا البيئية أهمية خاصة في خطط التنمية الدولية والمحلية، فضلًا عن انتشار الأمراض والأوبئة وانتقالها بين الأفراد من خلال طرق مختلفة من بينها تداول العملات، تم التوجه إلى إصدار العملات البلاستيكية في عدد من دول العالم نظرًا لما توفره من العديد من المزايا. وتتشابه العملات البلاستيكية مع العملات الورقية في الوظائف والاستخدام، إلا أنها تختلف عنها في المادة المصنوعة منها؛ إذ يتم صناعة العملات البلاستيكية من مادة البوليمر، لذلك تعرف باسم العملة البوليمرية Banknotes Polymer. وقد سلكت مصر ذات التوجه الدولي في إصدار العملات البلاستيكية، ومن المترقب إصدار أول عملة بلاستيكية في مصر في نوفمبر القادم.

التحول الى العملات البلاستيكية

تم إصدار أوراق النقد المصنوعة من البوليمر لأول مرة في أستراليا عام 1988، وكانت تستخدم جنبًا إلى جنب مع العملات الورقية دون إحلالها بالكامل، وتم إجراء العديد من التجارب للتغلب على التحديات التقنية ومكافحة التزوير حتى عام 1996 تم استبدال العملة المتداولة بالكامل بالعملة المصنوعة من مادة البوليمر. وقد استمرت أستراليا تسيطر على صناعة العملات البلاستيكية لعدة أعوام، وتصدرها لغيرها من الدول، حتى دخلت بريطانيا في تلك الصناعة. وتستخدم مادة البوليمر في صناعة العملات في أكثر من 20 بلدًا مختلفًا مثل: أستراليا، وكندا، وفيجي، وموريشيوس، ونيوزيلندا، وبابوا، وغينيا الجديدة، ورومانيا، وفيتنام، وبروناي، ونيجيريا، والمملكة المتحدة، والرأس الأخضر، وتشيلي، وغامبيا، ونيكاراغوا، وترينيداد، وتوباغو، وهولندا، والسويد. 

مميزات العملات البلاستيكية

تتميز العملات البلاستيكية بأنها مصنوعة من مادة البـوليمر الـذي يتضـمن اسـتخدام الأحبــار المتريــة التــي تــدوم لفتــرة أطــول بكثيــر مــن الأوراق النقديــة الورقيــة، ومن ثم فهـي تتميـز بطول عمرها الافتراضي مقارنة بالعملات الورقية، كما أنها مزودة بوسائل حماية إضافية ضد التزييف تجعلها أكثـر أمانًـا ضـد مخاطر التزييـف، فضلًا عن سـهولة الاسـتعمال فـي آلات الصـراف الآلـي. وتتميز مادة البوليمر بأنها ذات ملمس ناعم ومرونة وقوة وسمك أقل بما يجعلها سهلة في الاستخدام وأقل عرضة للتلف بما يطيل من عمرها الافتراضي لتصل إلى خمسة أضعاف عمر العملة الورقية وفقًا لسرعة تداول الفئات المختلفة، ومن ثم فهي أقل تكلفة من العملات الورقية على مدى عمرها الافتراضي المتوقع.

أما بالنسبة للأثر البيئي المتوقع للعملات البلاستيكية، فهي تصنع من مواد صديقة للبيئة، الأمر الذي يجعلها تتوافق مع مبادئ اتفاقية باريس بشأن تغيير المناخ، كما أنها أكثر قدرة على مقاومة الماء والأتربة، ويسهل تنظيفها وتعقيمها ضد الميكروبات والفيروسات بنسبة عالية، إذ يتم تعقيمها بالبنك عبر الأشعة فوق البنفسجية ودرجات الحرارة العالية بما يساعد على منع انتشار الأمراض من خلال تداول العملات.

وقد قام البنك المركزي الكندي بتقييم أثر كل من العملات الورقية والبلاستيكية على البيئة، واستعرض تقييم الأثر البيئي المترتب على صناعة كلا العملتين على الاحتياجات الأساسية من الطاقة واحتمالات الاحترار العالمي خلال مراحل الإنتاج المختلفة، بدءًا من زراعة القطن إلى إنتاج أوراق البنكنوت أو إنتاج المادة الخام اللازمة لعملات البوليمر، مرورًا بتدمير أوراق النقد البالية والتخلص منها. وقد تفوق البوليمر على الورق في جميع الفئات والمراحل. فعلى سبيل المثال، توصلت الدراسة إلى أن ورقة النقد المصنوعة من البوليمر ستؤدي إلى انخفاض احتمالات الاحترار العالمي بنسبة 32%، وانخفاض الاحتياجات الأساسية من الطاقة بنسبة 30 % مقارنة بالعملات الورقية. والأهم من ذلك أن عمر العملة المصنوعة من البوليمر يزيد على ضعف عمر العملات الورقية، كما أن الفئات الأعلى، التي يكون استعمالها أقل، يكون عمرها أطول من ذلك يصل إلى خمسة أضعاف العمر الافتراضي للعملات الورقية. بما يعني أن الكمية المطلوب إنتاجها وتوزيعها من عملة البوليمر أقل من نظيرتها الورقية خلال دورة حياتها. وفي نهاية دورة حياة العملات الورقية، عادة ما يتم تمزيقها ونقلها إلى موقع دفن النفايات، أما أوراق البوليمر التي تُسحب من التداول فيتم تمزيقها وتحويلها إلى حبيبات واستخدامها في صناعة المواد البلاستيكية اليومية مثل أثاث الحدائق. وقد انتهت تلك الدراسة بإصدار البنك المركزي الكندي للعملات البلاستيكية عام 2011، بعد التأكد من كفاءتها مقارنة بالعملات الورقية. وفي السياق ذاته، قام بنك إنجلترا المركزي بدراسة مشابهة استغرقت ثلاث سنوات لدراسة التأثير المحتمل للتحول عن استخدام العملات الورقية المصنوعة من القطن والكتان، وخَلُصت أيضًا إلى أن البلاستيك هو البديل المناسب. وقد أوضح تقرير لصندوق النقد الدولي أن الأثر البيئــي الناشــئ عــن دورة حيـاة (أي إنتـاج ونقـل والتخلص من) أوراق نقديـة بقيمـة 3 مليــارات يــورو تــم إنتاجهــا عــام 2003 وحـده يعـادل الأثر البيئـي الناشــئ عــن قيــادة ســيارة حــول العالم 9235 مرة. 

ومن جهة أخرى، يرى البعض أن استخدام العملات البلاستيكية يجعلها تلتصق ببعضها بعضًا بسبب الطاقة الساكنة للبلاستيك، فضلًا عن أن ملمسها الناعم يجعلها تنزلق بسهولة، بالإضافة لصعوبة طيها، كما أنها معرضة للتلف عند تعرضها لدرجة حرارة عالية، وقد تحتاج إلى تغير ماكينات الصرف الآلي، كما أنها تستغرق وقتًا أطول للتحلل البيولوجي.

طرح العملات البلاستيكية في مصر

يستعد البنك المركزي المصري لطرح العملات البلاستيكية فئة عشرة جنيهات في مطلع نوفمبر القادم، على أن يتم طباعتها من مطبعة العاصمة الإدارية بالتنسيق مع مركز الوثائق المؤمنة، ومن المقرر أن يتم تداول العملات البلاستيكية بجانب العملات الورقية والمعدنية المتداولة في السوق المحلية، ويتم البدء بإصدار العملة المحلية فئة العشرة جنيهات أولًا لكونها أكثر الفئات تداولًا، على أن يتم طرح الفئات المختلفة تباعًا. ويعكس توجه مصر نحو إصدار العملة البلاستيكية مواكبة الدولة للتطور التكنولوجي السائد عالميًا، والتوجه نحو إصدار نقدي أكثر كفاءة؛ إذ إنه مع ارتفاع تكلفة العملات الورقية المعدنية عن قيمة فئتها، يجب التوجه لمواد للتصنيع أقل تكلفة على مدى العمر الافتراضي للعملة للمتداولة، مع حماية الدولة والمواطنين بدرجة أكبر من مخاطر تزوير العملات، فضلًا عن أهمية ذلك القرار في الحفاظ على البيئة، وحماية الأفراد من مخاطر انتشار الأمراض.

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة