تنمية ومجتمع

التنمر: تجارب المعالجة التربوية في المملكة المتحدة

أثارت حالة التنمر التي تعرض لها بعض لاعبي فريق إنجلترا من ذوي البشرة السمراء في مباراة نهائي بطولة أمم أوروبا لكرة القدم حفيظة رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون”، وقد عبر عن ذلك مستنكرًا على حسابه على منصة “Twitter” قائلًا: “يستحق أعضاء فريق إنجلترا الإشادة بهم كأبطال، ولا يستحقون الإساءة العرقية على وسائل التواصل الاجتماعي، ويجب على المسئولين عن هذا الانتهاك المروع أن يخجلوا من أنفسهم”. وقد مثّلت هذه التصريحات مسار تصويب لنبذ التوجهات العنصرية التي باتت تظهر ليس فقط على الساحة السياسية، وإنما امتدت آثارها للمجال الرياضي، وبما يدل على عدم فاعلية التدخلات التربوية لمعالجة التنمر في المملكة المتحدة، على…

د. إسراء علي
باحثة ببرنامج السياسات العامة

أثارت حالة التنمر التي تعرض لها بعض لاعبي فريق إنجلترا من ذوي البشرة السمراء في مباراة نهائي بطولة أمم أوروبا لكرة القدم حفيظة رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون”، وقد عبر عن ذلك مستنكرًا على حسابه على منصة “Twitter” قائلًا: “يستحق أعضاء فريق إنجلترا الإشادة بهم كأبطال، ولا يستحقون الإساءة العرقية على وسائل التواصل الاجتماعي، ويجب على المسئولين عن هذا الانتهاك المروع أن يخجلوا من أنفسهم”. وقد مثّلت هذه التصريحات مسار تصويب لنبذ التوجهات العنصرية التي باتت تظهر ليس فقط على الساحة السياسية، وإنما امتدت آثارها للمجال الرياضي، وبما يدل على عدم فاعلية التدخلات التربوية لمعالجة التنمر في المملكة المتحدة، على الرغم من قدم المشروعات التي استهدفت معالجة الظاهرة في المدارس. فلماذا أخفقت هذه البرامج والمشروعات التي كانت تعد قومية في الحد من انتشار التنمر في إنجلترا؟! 

مشروع شيفيلد.. تجارب المعالجة

في عام 1989، كلفت حكومة بريطانيا اللورد إلتون بإجراء تحقيق لدراسة مشكلات الانضباط في مدارس إنجلترا وويلز، ونتج عن هذا التحقيق إصدار تقرير “الانضباط في المدارس”، الذي أشار إلى وجود مشكلة عدم انضباط في مدارس الدولة، نتيجة تفشي التنمر بين التلاميذ. وأوصى التقرير بأهمية تأهب المديرين والموظفين بالمدارس لرصد علامات وحوادث التنمر وخاصة “العنصرية” منها، وضرورة التعامل بحزم مع هذه السلوكيات، واتخاذ إجراءات تستند إلى قواعد واضحة تدعمها عقوبات مناسبة لحماية ضحايا التنمر العنصري ودعمهم. وقد دفع تقرير إلتون الحكومة إلى تمويل عدد من هيئات التعليم المحلية لتطوير دراسة استقصائية لدرء التنمر، ففي عام 1990 أجرت جامعة شيفيلد أول مسح واسع النطاق حول رصد وعلاج ومكافحة التنمر في المدارس بالتعاون مع وزارة التعليم (DFE)، باستخدام استبيان تم تطبيقه على التلاميذ بدءًا من الصف الخامس الابتدائي وحتى نهاية المرحلة الثانوية.

وتوصلت نتائج المسح إلى تكوين فكرة واضحة عن سلوكيات التنمر، وتم تحديد أنواع التنمر وطبيعة ومدى تكرار كل نوع، وتحديد مراكز كثافة حوادث التنمر داخل مواضع محددة في المدرسة، فكانت نتائج المشروع بمثابة قاعدة بيانات هامة لمشاريع متتالية حول التنمر. ووفق نتائج المسح الأول تعرض 27٪ من تلاميذ المرحلة الابتدائية و10٪ من تلاميذ المرحلة الثانوية للتنمر أكثر من مرتين خلال الفصل الدراسي الواحد، ومنهم 10٪ و4٪ على التوالي تعرضوا للتنمر عدة مرات في الأسبوع الواحد ما بين “الابتزاز، والعنف اللفظي، والعنف الجسدي، ونشر الشائعات البغيضة، والاستبعاد من مجموعات التعلم أو اللعب، والتهديد”. وجاءت نتائج المسح تُبرهن على ارتفاع نسبة ممارسات التنمر الصادرة من الذكور مقابل الإناث، وخاصةً حوادث التنمر التي تشتمل على العنف الجسدي، بينما سجلت نتائج مسح التنمر اللفظي والاجتماعي نسبًا أعلى بين الإناث مقارنة بالذكور، وخاصة استخدام كنيات سيئة أو نشر شائعات مغرضة. وإجمالًا يزيد عدد الضحايا الإناث عن الذكور في التعرض لحوادث التنمر بشكل عام، فتنمر الإناث يقتصر على قريناتهن من ذات الجنس، بينما يشمل تنمر الذكور كلا الجنسين. 

أما عن الأماكن التي تشهد حوادث تنمر أكثر كثافة من غيرها داخل المدارس، فهي “الملاعب” أو فناء المدرسة، يليها مطعم المدرسة، لذا اشتملت توصيات المسح الأول على تضمين وظائف جديدة للمعلمين تنطوي على تناوب مراقبة مراكز حدوث وقائع التنمر في المدارس، لتصبح فيما بعد وظيفة مستقلة تُسمى “مشرفًا”. وعلى صعيد السن، رصدت نتائج المسح الأول حدوث التنمر بين الفئات العمرية المختلطة أكثر من حدوثه داخل الفئة العمرية الواحدة، وعليه أوصى المسح بتنفيذ أنشطة تعليمية لمجموعات مختلطة الأعمار من أجل التوجيه غير المباشر نحو الحقوق والواجبات والمسئوليات من الفئات الأكبر نحو الأصغر والعكس.

وعلى صعيد التدخلات التربوية للمكافحة، فكانت على نوعين، أحدهما أساسي والآخر فرعي اختياري. وتم اشتقاق التدخلات الأساسية من تقرير إلتون، حيث تم تعديل سياسات الانضباط المدرسي وتحديد إطار عام لدمج سياسات مناهضة التنمر مع السياسات العامة في المدارس محل المسح. تم تطوير هذه التدخلات من خلال تشاور مع جميع الموظفين التربويين وغير التربويين، بالإضافة إلى الآباء وبعض رموز المجتمع المحلي والتلاميذ أنفسهم. واشتملت التدخلات على تحديد تعريفات واضحة لكل ما هو تنمر، علاوة على إرشادات صريحة للموظفين والتلاميذ وأولياء الأمور توضح كيفية التعامل مع حوادث التنمر. أما عن التدخلات الفرعية الاختيارية فتضمنت معالجة التنمر من خلال المناهج الدراسية باستخدام فيديو يعتمد على الدراما الخيالية المتمحورة حول قضايا التنمر، بهدف تحفيز المناقشة والعمل الإبداعي، ولعب الأدوار عن طريق مسرحة بعض المشاهد بعد انتهاء الفيديو التعليمي.

بعد عامين تمت إعادة المسح على العينة نفسها بهدف اختبار أثر تلك التدخلات، وكشفت نتائج المسح الثاني لنفس العينة عن انخفاض نسب التنمر بمقدار 10% في المرحلة الابتدائية و5٪ في المرحلة الثانوية مقارنة بنتائج المسح الأول، وتم تطوير نتائج دراسة مشروع شيفيلد إلى مبادرة حكومية بعنوان “لا تعانِ في صمت” تم تطبيقها في جميع المدارس الحكومية عام 1997، وتمت مراجعة نتائجها وتنقيحها عام 2000، كما تبنت وسائل الإعلام مبادرات ضد التنمر في جميع أنحاء المملكة المتحدة. وبذلت المؤسسات الخيرية الكبرى المعنية بسلامة الأطفال جهودًا لمعالجة المشكلة من خلال جلسات النصح المباشر للآباء، والدورات التدريبية لبعض موظفي المدارس.

وأصدرت وزارة التربية والتعليم وثيقة لتعزيز السلوك الإيجابي عام 2001، ثم في عام 2003 صدر قانون التعليم الذي يتضمن ضوابط فرض النظام المدرسي، ويشتمل على مواد تهتم برفاهية وحماية التلاميذ. وبعد عشرة أعوام من تطبيق القانون أعدت وزارة التعليم أدلة للمعلمين والآباء لمنع ومعالجة التنمر. وفي عام 2014 نشرت الوزارة وثيقتين عن التنمر الإلكتروني، تنطوي الأولى على بعض النصائح لمديري ومعلمي المدارس، بينما توجه الثانية نصائح للآباء ومقدمي الرعاية عن التنمر الإلكتروني. 

التنمر مستمر.. دراسات مسحية حديثة

أجرت الإحصاءات الوطنية لمسح الجريمة في إنجلترا وويلز ((Crime Survey for England and Wales والمعروفة اختصارًا بـ (CSEW) استطلاعًا شمل 35 ألف أسرة منذ عام 2009 حتى عام 2014، وتم إعلان نتائج المسح في نوفمبر 2018، وأشارت التقديرات إلى أن نسبة تعرض التلاميذ للتنمر ارتفعت من 15% عام 2014/ 2015 إلى 17% في العام الدراسي التالي، وظلت النسبة ثابتة على مدار ثلاث سنوات حتى العام الدراسي 2018 /2017 كما يوضحها الشكل (1). 

شكل (1): تطور نسبة حوادث التنمر في مدارس إنجلترا وويلز في الفترة من 2013-2018

المصدر/ تقرير التنمر في إنجلترا وويلز (إبريل 2013- مارس 2018)، وزارة التعليم بالمملكة المتحدة.

متاح على الرابط التالي:

https://assets.publishing.service.gov.uk/government/uploads/system/uploads/attachment_data/file/919474/Bullying_in_England_2013-2018__1_.pd.pdf

من جهة أخرى، أوضحت نتائج التقرير أن الأطفال الأصغر سنًا الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و12 عامًا كانوا الفئة الأكثر عرضة لحوادث التنمر كما هو موضح بالشكل (2). كما كان الجنس عاملًا مؤثرًا في ارتفاع نسب التنمر بين الإناث في مقابل الذكور (شكل 3). على الصعيد النوعي للتنمر سجلت حوادث التنمر اللفظي النسبة الأكبر، تلتها حوادث التنمر الجسدي من خلال التعديات البدنية بالضرب أو التحرش، ثم في المرتبة الأخيرة التنمر باستخدام السرقة أو التعدي على الممتلكات (شكل 4). 

شكل (2): نسبة حوادث التنمر في مدارس إنجلترا وويلز بحسب العمر

شكل (3): نسبة حوادث التنمر في مدارس إنجلترا وويلز بحسب الجنس

شكل (4): نسبة حوادث التنمر في مدارس إنجلترا وويلز بحسب نوع التنمر

من جهة أخرى، كشف التقرير عن نتائج هامة تعكس حجم مشكلة التنمر، حيث تعرض التلاميذ المصابون بأمراض أو إعاقات لحوادث تنمر بمعدلات ثابتة نسبيًا على مدار 5 سنوات متصلة ارتفعت في حالات الأمراض والإعاقات المزمنة مقابل الأمراض والإعاقات غير المزمنة كما هو موضح بالشكل (5). على الجانب الآخر، قلّت نسب حوادث التنمر على أساس الدين كما يوضحه شكل (6). وعلى المستوى الاقتصادي لم يكن هناك فرق كبير في معدلات التنمر على أساس دخل الأسرة، فقد تراوحت النسب ما بين 18% إلى 13% حسب قيم الدخل كما هو موضح بالشكل (7).

شكل (5): نسبة حوادث التنمر على التلاميذ الذين يعانون أمراضًا أو إعاقات

شكل (6): نسبة حوادث التنمر في مدارس إنجلترا وويلز حسب الدين

شكل (7): نسبة التعرض لحوادث التنمر في مدارس إنجلترا وويلز حسب الدخل الاقتصادي للأسرة

مجمل القول: تُظهر برامج التدخل المدرسي لعلاج التنمر في المملكة المتحدة قصورًا واضحًا مقارنة بنتائج المسح المعلن من قبل وزارة التعليم، ويعكسه بشكل واضح سلوكيات التنمر الإلكتروني الأخيرة خلال بطولة أمم أوروبا، ولا يبتعد المشهد كثيرًا عن الحالة الرياضية المصرية، وخاصة حوادث التنمر على أساس العرق في كرة القدم تحديدًا، لذا يبدو أنه لا يزال هناك الكثير حول تقييم برامج المعالجة التربوية للتنمر في مدارس المملكة المتحدة، وتحليل سلوكيات التنمر الإلكتروني بمزيد من العمق، مع دراسة ارتباط ظواهر العنف والتنمر بالملاعب، سواء في المدارس أو النوادي.  ومن المهم أيضًا مراعاة أوجه التشابه والاختلاف بين هذه الظواهر عبر مدن المملكة أو الدولة المختلفة بحيث يمكن تعديل برامج التدخل لتكون أكثر قابلية للتطبيق على البيئات الاجتماعية والثقافية والتعليمية ذات الخصائص الفريدة بما يراعي الثقافة والهوية والخصائص الأخرى.

د. إسراء علي
باحثة ببرنامج السياسات العامة