تنمية ومجتمع

فرصة للتطوير: الثانوية العامة في برنامج إصلاح التعليم

عانى نظام التقييم في المرحلة الثانوية في مصر على مدار سنوات حالةً من الجمود أدت إلى تفاقم عدة مشكلات، أبرزها أن المدرسة الثانوية لم تعد مكاناً جاذباً للطلاب، وأن الطلاب يعتمدون كلياً على الدروس الخصوصية، وأن ظاهرة الغش أصبحت أكثر فجاجة بالتزامن مع انتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي؛ كل ذلك يأخذنا إلى نتيجة حتمية تتمثل في ضرورة تغيير النظام القائم لتقييم الطلاب لأنه ببساطة لم يعد صالحاً لتقديم دليل على التعلم؛ لكنه يقيس فقط قدرة الطلاب على الحفظ وفي سبيل التخلص من هذا النظام المتهالك، بدأت وزارة التربية والتعليم برنامجها لإصلاح نظام التقييم الشامل من أجل تحسين التحصيل العلمي للطلاب…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

عانى نظام التقييم في المرحلة الثانوية في مصر على مدار سنوات حالةً من الجمود أدت إلى تفاقم عدة مشكلات، أبرزها أن المدرسة الثانوية لم تعد مكاناً جاذباً للطلاب، وأن الطلاب يعتمدون كلياً على الدروس الخصوصية، وأن ظاهرة الغش أصبحت أكثر فجاجة بالتزامن مع انتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي؛ كل ذلك يأخذنا إلى نتيجة حتمية تتمثل في ضرورة تغيير النظام القائم لتقييم الطلاب لأنه ببساطة لم يعد صالحاً لتقديم دليل على التعلم؛ لكنه يقيس فقط قدرة الطلاب على الحفظ وفي سبيل التخلص من هذا النظام المتهالك، بدأت وزارة التربية والتعليم برنامجها لإصلاح نظام التقييم الشامل من أجل تحسين التحصيل العلمي للطلاب ضمن مشروع إصلاح التعليم بالتعاون مع البنك الدولي منذ العام الدراسي 2018/2019.

ماذا يقدم النظام الجديد؟

أعلنت وزارة التربية والتعليم بنهاية العام الدراسي 2016/2017 عن استبدال امتحان الثانوية العامة بنظام جديد يعتمد على حساب متوسط الدرجات التراكمي (GPA) على مدار السنوات الثلاث للمرحلة الثانوية بدايةً من عام 2019، وهو ما جاء في وثيقة مشروع إصلاح التعليم الصادرة عن البنك الدولي في 2018؛ وقد هدفت الوزارة بهذه الخطوة إلى الحد من ظاهرة الدروس الخصوصية التي تمثل أبرز أشكال عدم المساواة بين الطلاب، وإعادة عملية التعليم والتعلم مرة أخرى إلى المدرسة بما يعزز ثقة المجتمع في نظام التعليم.

وفيما يتعلق بآلية تطبيق النظام الجديد، فقد كان من المقرر أن يتم تصميم وتطوير وإدارة عدد من الاختبارات التي تُعقد مرتين سنوياً للصفوف من الأول إلى الثالث الثانوي في ثماني مواد دراسية تتضمن اختباراً للطلاقة اللغوية، بالإضافة إلى ضرورة تنفيذ الطلاب مشروعاً دراسياً في كل مادة بنهاية كل فصل دراسي، ليتم حساب متوسط درجات الطالب في هذه الاختبارات والمشروعات وعلى أساسه يتحدد نجاح الطالب من عدمه.

وقد فرضت هذه الآلية إجراء تعديلات في شكل ومحتوى الامتحانات الجديدة من أجل تقييم أفضل للطلاب يقيس مهارات التفكير العليا ولا يقتصر على قياس القدرة على الحفظ فقط، حيث يقوم المركز القومي للتقويم والامتحانات بالتعاون مع إحدى الشركات الدولية بتطوير إجراءات التقييم المدرسي ونظام تصحيح الاختبارات الجديدة التي تتألف مبدئياً من أسئلة اختيار من متعدد، مع إمكانية تطويرها مستقبلاً لتتضمن أسئلة مفتوحة وتقييمات لأداء الطلاب في مجالات الطلاقة اللغوية والمشروعات.

وبشأن الوسيلة المستخدمة في إجراء الاختبارات، فقد وزعت الوزارة أجهزة “تابلت” على جميع طلاب المرحلة الثانوية على مدار السنوات الثلاث الماضية، ولم يكن الهدف من توزيع هذه الأجهزة على الطلاب أن يستخدمونها في عملية التعلم داخل الفصل أو تصفح المنصات الإلكترونية التي وفرتها الوزارة فقط، وإنما أن تُستخدم أيضاً في تطبيق الاختبارات إلكترونياً بما يحقق جملة من الأهداف التي يتمثل بعضها في تقليل فرص الغش، وتيسير عملية التصحيح الإلكتروني، والتخلص من الأخطاء البشرية في عملية التصحيح.

هدف الوزارة، إذآ، هو إحداث تغيير جذري في نظام تقييم المرحلة الثانوية بما يضمن المساواة بين جميع الطلاب، بتوزيع جهاز تابلت على جميع الطلاب، وإتاحة المنصات التعليمية المجانية للحد من الدروس الخصوصية، وأن يتحول التقييم من قياس القدرة على الحفظ إلى قياس مهارات التفكير والمهارات الأدائية، وأن تكون عملية التقييم عملية ممتدة لا تقتصر على الصف الثالث الثانوي فقط لضمان استمرار الطلاب في الحضور إلى المدرسة على مدار الثلاث سنوات بما يحقق الأهداف التعليمية. غير أن النظام الجديد واجه مقاومة شديدة، سواء من أولياء الأمور أو المعلمين أو المشرعين، عطلت تنفيذ البرنامج بالشكل الذي كان مخططاً له.

معوقات التطبيق رغم الجهود

تضمنت خطة الوزارة أن يتم إنهاء الوثيقة الإطارية الخاصة بتقييم طلاب المرحلة الثانوية وتطوير نوعية الأسئلة خلال العام الأول من عمر المشروع، على أن يدخل النظام الجديد حيز التنفيذ خلال العام الثاني، أي أن يخضع طلاب الصف الأول الثانوي في العام الدراسي 2019/2020 لنظام التقييم التراكمي، وأن يتم تخريج الفوج الأول وفقاً للنظام الجديد بنهاية العام الدراسي 2021/2022، ولكن ذلك لم يحدث وتم تغييره في المراجعات الدورية التي تقوم بها الوزارة بالتعاون مع البنك الدولي، ويرجع هذا التغيير إلى عدد من المعوقات التي قابلت النظام الجديد، ومنها:

  • معوقات تقنية: بدأت الوزارة في تطبيق الاختبارات الإلكترونية تجريبياً على طلاب الصف العاشر (الأول الثانوي) خلال العام الدراسي 2018/2019، ولكنها واجهت مشكلات تقنية في محاولتها الأولى التي هدفت إلى تدريب الطلاب وقياس أداء المنظومة والمكونات الخاصة بالشبكات وأجهزة التابلت، وتمثلت هذه المشكلات في عطل المنظومة الإلكترونية وضعف شبكات الإنترنت، وانتهى الأمر بإجراء الامتحانات إلكترونياً لبعض الطلاب وورقياً للبعض الآخر. وعلى الرغم من تحسن أداء منظومة الامتحانات الإلكترونية وعقد الاختبارات لحوالي 1.2 مليون طالب في الصفين العاشر والحادي عشر في العام الدراسي 2019/2020، إلا أن استمرار المشكلات التقنية حال دون تطبيق اختبارات الصف الثالث الثانوي إلكترونياً في العام الدراسي 2020/2021، ليُعقد الامتحان ورقياً على عكس ما أُعلن في يناير 2021. 
  • معوقات تشريعية: يعد قانون التعليم 139 لسنة 81 وتعديلاته أحد أبرز العوائق أمام تطبيق نظام التقييم الجديد في المرحلة الثانوية، حيث اقترحت وزارة التربية والتعليم إجراء عدد من التعديلات على القانون، تضمنت إجراء الاختبارات إلكترونياً، وإمكانية تحسين الطلاب درجاتهم في مادة أو أكثر من خلال دخول الامتحان بمقابل مادي، وإضافة طرق أخرى للتقييم إلى جانب الاختبارات، وأن يتم احتساب الدرجات على أساس تراكمي؛ وقد وافق مجلس الوزراء على هذه التعديلات، في حين رفضها مجلس الشيوخ بعد عرضها عليه، لتبقى هذه التعديلات قيد المراجعة حتى الآن.
  • انخفاض مستوى ثقة المجتمع في النظام الجديد: لم يلق نظام الثانوية العامة الجديد قبولاً واسعاً عند الإعلان عنه، ومثّل المعلمون أول الأطراف الرافضة لهذا النظام، حيث نظر إليه البعض على أنه يقوض دورهم داخل الفصل المدرسي بسبب اختلاف أنماط التدريس عما كانت عليه في النظام القديم وتحول المعلم من مُلقن إلى مرشد وميسر للحصول على المعلومة، كما أن عدداً كبيراً منهم لم يتلق التدريب الكافي الذي يمكنهم من تطبيق هذا النظام؛ أما المعنيون بالعملية التعليمية من التربويين والمتخصصين فقد تحفظوا على طريقة أداء الامتحانات الإلكترونية ونظام الكتاب المفتوح الذي لم يرد في وثيقة برنامج إصلاح التعليم المقدمة للبنك الدولي، ورأوا أن هذا النظام لا يقدم تقييماً حقيقياً للطلاب؛ وأخيراً، يأتي أولياء الأمور الذين فقدوا جزءاً كبيراً من الثقة في هذا النظام بسبب التردد في اتخاذ القرارات المتعلقة بآلية أداء الامتحان ورقياً أم إلكترونياً، وتطبيق نظام التحسين من عدمه؛ وتمثلت صدمتهم الكبرى في تدني مستوى الدرجات التي حققها الطلاب في اختبارات الثانوية 2020/2021.

ماذا يعني نجاح السياسة الجديدة؟

وفقاً لما جاء في وثيقة مشروع إصلاح التعليم، فإن “تخريج فوج واحد على الأقل من الطلاب تحت نظام حساب معدل الدرجات التراكمي (GPA) يعد مؤشراً جيداً لنجاح جهود الإصلاح الطموحة”، وإذا ما نجحت الوزارة في تحقيق هذا الهدف، فإنها بذلك تكون قد أنجزت ما يلي:

  • عودة طلاب المرحلة الثانوية بشكل كلي للمدارس والحد من ظاهرة الدروس الخصوصية: حيث أنه من الشائع بين طلاب الصف الثالث الثانوي ألا يحضروا للمدارس ويعتمدون بشكل كلي على الدروس الخصوصية، ولكن الاعتماد على درجات الاختبارات وتنفيذ المشروعات في السنوات الثلاث مجتمعة قد يؤدي بنسبة كبيرة إلى حرص الطلاب على الحضور بشكل منتظم إلى مدارسهم وعودة عملية التعليم والتعلم إلى الفصل المدرسي.
  • التخلص من الحفظ والتلقين وتقديم دليل على تعلم الطلاب من خلال تقييم مهارات التفكير والمهارات الأدائية: حيث لا تقتصر عملية التقييم في النظام الجديد على اختبار آخر العام فقط، وإنما تتضمن تقييم المشروعات الدراسية التي ينفذها الطلاب واختبارات الطلاقة اللغوية المزمع تطبيقها ضمن هذا النظام.
  • التخلص من الأخطاء البشرية في عملية تصحيح الاختبارات: وهو ما حدث بالفعل في اختبارات الثانوية العامة الأخيرة، حيث اعتمدت الوزارة على التصحيح الإلكتروني، الأمر الذي أثر على طلب مراجعة أوراق إجابات الطلاب يدوياً، حيث لم يتجاوز عدد طالبي الفحص اليدوي 2000 طالب.
  • تقليل الاعتماد على شهادة الثانوية العامة كمعيار أوحد للالتحاق بالجامعات: تتمثل إحدى المشكلات الرئيسية في أن الثانوية العامة تقوم بوظيفتين، هما: إتمام المرحلة الثانوية، ومعيار الالتحاق بالجامعات، وقد يؤدي تطبيق النظام الجديد في تقييم الطلاب إلى اللجوء لتطبيق اختبار التحاق بالجامعات، واعتبار شهادة الثانوية العامة أحد معايير القبول في الجامعات وليس المعيار الأوحد.

ختاماً، يمكن القول إن الإصلاح الذي تسعى وزارة التربية والتعليم لتطبيقه في تقييم طلاب المرحلة الثانوية سوف يكون له آثار إيجابية عديدة على مستقبل الطلاب وقدرتهم على تحديد مساراتهم المستقبلية، ولكن لابد أن تتغلب الوزارة أولاً على التحديات التقنية والتشريعية التي تواجهه من أجل كسب ثقة المجتمع في هذا النظام بما يضمن استمراريته، ولعل الخطوة الأولى التي ينبغي على الوزارة اتخاذها لإنجاح هذا المشروع هي تقديم برامج متخصصة للمعلمين تمكنهم من فهم عملية التقييم وأهدافها ودمجها في ممارساتهم التدريسية داخل الفصول.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة