وحدة الدراسات الاقتصادية

آفاق جديدة: الاتفاق بين مصر والاتحاد الاقتصادي الأوراسي

الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EaEU) هو اتحاد اقتصادي نشأ في عام 2015 بهدف ظاهري يتمثل في زيادة التكامل بين الدول الأعضاء، من خلال زيادة تحرير التجارة داخل التكتل الاقتصادي كوسيلة لتعزيز حركة التجارة الداخلية بين البلدان الأعضاء، لكن توقيت نشأة ذلك الاتحاد والأحداث الاقتصادية العالمية المحيطة في ذلك الوقت تضع العديد من المسارات والبدائل، وحتى يمكن أن تشكك في أهداف التكوين خاصة أن ذلك الوقت اتسم بانخفاض أسعار النفط واتجاه الغرب لفرض عقوبات اقتصادية على روسيا. دول مستقلة، سياسات مستقلة أدى انهيار الاتحاد السوفيتي وتحرر دوله في وسط وشرق أوروبا إلى جانب تأسيس جمهوريات للدول المستقلة حديثا في أوروبا الشرقية والقوقاز…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EaEU) هو اتحاد اقتصادي نشأ في عام 2015 بهدف ظاهري يتمثل في زيادة التكامل بين الدول الأعضاء، من خلال زيادة تحرير التجارة داخل التكتل الاقتصادي كوسيلة لتعزيز حركة التجارة الداخلية بين البلدان الأعضاء، لكن توقيت نشأة ذلك الاتحاد والأحداث الاقتصادية العالمية المحيطة في ذلك الوقت تضع العديد من المسارات والبدائل، وحتى يمكن أن تشكك في أهداف التكوين خاصة أن ذلك الوقت اتسم بانخفاض أسعار النفط واتجاه الغرب لفرض عقوبات اقتصادية على روسيا.

دول مستقلة، سياسات مستقلة

أدى انهيار الاتحاد السوفيتي وتحرر دوله في وسط وشرق أوروبا إلى جانب تأسيس جمهوريات للدول المستقلة حديثا في أوروبا الشرقية والقوقاز وآسيا الوسطى إلى انهيار مؤسسات التجارة المركزية للاتحاد، لتترك ورائها حكومات بحاجة إلى جهات تضع السياسات التجارية لتلك البلدان، خاصة وأن لجنة المساعدات الاقتصادية المتبادلة للدول أعضاء الاتحاد السوفيتي كانت قد انهارت حتى قبل انهيار الاتحاد وقد تم التصويت على حلها في يونيو 1991، وجد أعضاء دول الاتحاد السوفيتي أنفسهم في حاجة لصياغة اتفاقيات وسياسات تجارة مستقلة لدولهم لكن في نفس الوقت الحفاظ على حالة تحرير التجارة. وبالطبع بصفتها الدولة الأكبر في الاتحاد السوفيتي المفكك كان الكرملين ينظر دائما إلى السياسات الخارجية على أنها وثيقة الارتباط بالتجارة، ليس ذلك فحسب، بل أن أنه إذا كان على موسكو الاختيار بين الأهداف السياسية والاقتصادية فإن النتيجة في الغالب تكون غلبة المصالح السياسية.

حيث أن سياسة روسيا في التسعينات غالبا ما كانت تعتمد على قيود التصدير ودعم الواردات، فقد قدر البنك الدولي عام 1993 أن دعم الواردات يكلف روسيا 17.5% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 1992، لكن في أعقاب أزمة السوق المالية والنقد الأجنبي التي حدثت في أغسطس 1998 أعادت روسيا إدخال بعض الضوابط التجارية مثل إدخال تعريفات التصدير على النفط والغاز والبتروكيماويات والمعادن وبعض السلع الأخرى، وبالطبع سعت القيادة الروسية إلى تحويل السياسة الخارجية للبلاد إلى سلاح ضد أعداء روسيا من خلال إضفاء صفة الشرعية على العقوبات التجارية، وسياسات التعريفات والحظر، وهو ما أشار إليه الرئيس فلاديمير بوتن خلال أطروحته “Candidate in Economic Sciences” في اكاديمية سانت بطرسبرغ للتعدين في عام 1997، حيث كانت تتعرض الاطروحة الى سياسات قومية من شأنها أن تشجع مؤسسات الدولة سماهم “الأبطال القوميين” في الاحتفاظ بالأسعار منخفضة ومدعومة بالسوق المحلى مع استخدام تلك القوة لتتلاءم مع سياسة روسيا الخارجية في حربها ضد أعدائها، تلك السياسات (التعريفات الجمركية على الصادرات) سبق أن استخدمتها روسيا من قبل ضد دول الاتحاد السوفيتي التي تعارضت سياستها مع السياسات الخارجية لموسكو وبالأخص في أوكرانيا وجورجيا، حيث أن سياسات روسيا كانت لا تتضمن في أي وقت الدفاع عن تحرير التجارة الأحادي أو الشامل، لكن تلك السياسات ترجمت إلى تصنيفات دولية منخفضة في جميع المجالات، على سبيل المثال ما زال البنك الدولي وفقا لتقرير ممارسة الأعمال لعام 2019 يرى أن روسيا تأتي في الترتيب 99 من بين 190 دولة من حيث “التجارة العابرة للحدود” وبالأخص تكاليف الخدمات التي تتعلق بالتجارة مثل النقل والشحن والتي تعد أعلى من المتوسط الإقليمي. 

الاتحاد الأوراسي

في تسعينيات القرن العشرين، ضعفت روسيا ومعها جمهوريات آسيا الوسطى اقتصاديًا، وواجهت انخفاضات في ناتجها المحلي الإجمالي. خضعت الدول الأعضاء في الاتحاد لإصلاحات اقتصادية واعتمدت الخصخصة. بدأت عملية التكامل الأوراسي مباشرة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. عندما بدأ اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية بالسقوط في عام 1991، وقّع رؤساء بيلاروسيا وكازاخستان وروسيا والجمهوريات المؤسسة على اتفاقات بيلوفيزا في 8 ديسمبر عام 1991، وأعلنوا أن الاتحاد السوفييتي قد انتهى وستحل مكانه رابطة الدول المستقلة. في عام 1994، وخلال خطابه في جامعة موسكو الحكومية، اقترح الرئيس الأول لكازاخستان نور سلطان نزار باييف فكرة إنشاء «الاتحاد الأوراسي» بوصفه كتلة تجارية إقليمية لوصل الاقتصادات النامية في أوروبا وشرق آسيا والاستفادة منها. تمثلت رؤيته بتبسيط حرية تدفق البضائع عبر أوراسيا. سرعان ما نُظر إلى الفكرة على أنها وسيلة لتعزيز التجارة والاستثمار في آسيا الوسطى وأرمينيا وبيلاروسيا، وتعمل مكملةً للشراكة الشرقية.

تم تشكيل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EaEU) ليضم كل من دول روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا وأرمينيا وقيرغيزستان من خلال معاهدة دخلت حيز التنفيذ في يناير 2015 كوسيلة تجمع بين اقتصادات تلك البلدان وتعزز التحالف فيما بينهم. وحاول ذلك الاتحاد إلى حد كبير محاكاة تجربة الاتحاد الأوروبي (EU) في طريقة التكامل الاقتصادي، حيث أنه لم يقم فقط بإلغاء الحواجز أمام التجارة بين الدول، لكن أيضا حاول موائمة المتطلبات التنظيمية،  واعتماد سياسات لتعزيز حرية التنقل داخل أراضي الاتحاد ووضع خريطة تنتهي بالتكامل فعليا خلال عشر سنوات (2015 – 2025)، مع الأخذ في الاعتبار أن إلغاء التعريفات الجمركية بين كل من روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا كان قد بدأ بالفعل في عام 2010، ومن ثم فإن القيمة المضافة التي يمكن لذلك الاتحاد أن يضيفها هي تعزيز نظم التجارة الحالية وتحقيق تكامل من خلال ازالة الحواجز الجمركية وتوفير إطار تنظيمي مشترك للدول الأعضاء. لكن سرعة الخطوات التي تم إنجازها في ذلك الاتحاد هو أمر مثير للإعجاب، يسند البعض تلك السرعة إلى أن تلك الدول لديها روابط أعمق بكثير مع بعضها البعض حيث إنها كانت جزءا من الاتحاد السوفيتي سابقا وهو ما سهل تحقيق العديد من النجاحات السريعة مثل حرية تنقل الأشخاص عبر مساحات أوراسيا الشاسعة من خلال سوق عمل واحد. لكن واقع الأمر أن تلك الروابط بين الدول أعضاء الاتحاد في الثلاثين عاما الماضية كانت معقدة بعكس تلك التي كانت بين الدول في الاتحاد الأوروبي، لم تتبن دول آسيا الوسطى والقوقاز وبيلاروسيا وروسيا الانفتاح التجاري على الفور. وبالتالي، فإن التحرك نحو تكامل إقليمي أكبر بدأ بالفعل مع سقوط الاتحاد السوفيتي كمحاولة لإنقاذ الروابط المنهارة بين تلك البلدان، وقد كان يشوب العلاقات الاقتصادية بين تلك البلدان حساسية دائمة تجاه تحرير التجارة، ووسائل الحمائية التي تفرضها تلك البلدان تجاه بعضها البعض.

اليوم الاتحاد الأوراسي أصبح يضم خمس دول هي بيلاروسيا وكازاخستان وروسيا وأرمينيا وقرغيزستان، أصبح يمتلك ذلك الاتحاد سوق موحدة متكاملة تضم 180 مليون شخص ويزيد ناتجها المحلى عن 5 تريليون دولار أمريكي، يسمح ذلك الاتحاد بحرية نقل السلع والخدمات، ويوفر سياسات مشتركة للاقتصاد الكلي والنقل، والصناعة، والزراعة، والطاقة، والتجارة الخارجية، والاستثمار، والجمارك، والتنظيم التقني، والمنافسة، وتنظيم مكافحة الاحتكار، وأصبحت الدول الأعضاء تهدف لتحقيق مزيد من التكامل في المستقبل والانتقال لعملة موحدة في الاتحاد، يتكون الهيكل التنظيمي للاتحاد من المجلس الاقتصادي الأوراسي الأعلى وهو الهيئة العليا التي تنظم الاتحاد، ويتألف من رؤساء الدول الأعضاء، بينما يمثل المستوى الثاني المجلس الحكومي الدولي الأوراسي (يتكون من رؤساء حكومات الدول الأعضاء)، أما عن الأعمال التنفيذية للاتحاد فتتم من خلال اللجنة الاقتصادية الأوراسية وهي  الهيئة التنفيذية للاتحاد. هناك أيضًا هيئة قضائية هي محكمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

روسيا نصيب الأسد

يبلغ حجم التبادل التجاري بين دول الاتحاد الخمس مبلغ 59.81 مليار دولار، وبالطبع بحكم أن روسيا هي الاقتصاد الأقوى والأساس في ذلك الاتحاد فإن روسيا لها نصيب الأسد من ذلك التبادل التجاري، إذ تستحوذ روسيا على 57.77 من إجمالي مبالغ التبادل التجاري يأتي معظمها من العلاقة التجارية بين روسيا وبيلاروس وروسيا وكازاخستان، وفي حال استثناء حركة التجارة مع دولة روسيا فإن حجم التبادل التجاري لتلك الدول ينخفض إلى 2.04 مليار دولار.

روسيا نصيب الأسد

أما عن العلاقات التجارية بين مصر ودول الاتحاد فتصدر مصر لتلك الدول بإجمالي 0.6 مليار دولار، أبرزهم لدولة روسيا، أما عن الواردات المصرية من الدول بالاتحاد فتبلغ 5.7 مليار دولار معظمها من دولة روسيا، منها 2.5 مليار دولار واردات مصر من القمح الروسي، ومن ثم فإن خلاصة التحليل لا توجد لمصر تقريبا علاقات تجارية مع أي من دول الاتحاد بخلاف روسيا.

روسيا نصيب الأسد

خطوات مصرية نحو الاتحاد

استهدفت مصر منذ نشأة الاتحاد أن تعقد اتفاق تجارة حرة مع دول الاتحاد وبالفعل كللت تلك المفاوضات بنجاح الجولة الرابعة من المفاوضات في يونيو من العام الحالي والتي اختتمت فعالياتها في العاصمة الروسية موسكو، ومن المتوقع في حال نجاح الوصول إلى شروط جيدة في الاتفاق بين مصر وأعضاء الاتحاد تسمح للصادرات المصرية الوصول إلى الدول أعضاء الاتحاد دون وجود أي شروط أو قيود على الحصص الكمية او الموسمية، سيساهم ذلك في تعزيز التعاون التجاري والصناعي والاستثماري المشترك بين مصر ودول الاتحاد الأوراسي، وإتاحة نقل الخبرات والتكنولوجيات الصناعية المتطورة للصناعة الوطنية في مختلف القطاعات الإنتاجية، هذا فضلا عن أن ذلك الاتفاق سيفتح الباب أمام المنتجات المصرية لتصل إلى دول وسط وشمال قارتي آسيا وأوروبا عبر دول الاتحاد، وتسمح لصادرات دول الاتحاد ان تدخل إفريقيا والدول العربية عبر السوق المصرية

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة