قمة المناخ فرصة لمصر

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

ستنعقد قمة المناخ القادمة فى شرم الشيخ، وفى هذا تشريف كبير لمصر، والأهم هو أن انعقاد القمة فى بلدنا يمنحنا فرصة عام كامل لإحداث نقلة كبيرة فى حالة البيئة فى مصر، فإذا ما اكتمل العام، ووصل ضيوف قمة المناخ من كل أركان الأرض، يكون لدينا قصة نجاح نرويها لهم، ومعرض مفتوح بطول مصر وعرضها لإنجازات بلدنا البيئية. لو نجحنا فى إحداث نقلة كبيرة كهذه فإننا نكسب عدة مرات؛ مرة بتحسين السمعة الدولية لبلدنا، ومرة بزيادة جاذبية مصر للسياحة العالمية، ومرة ثالثة بإحداث زيادة حقيقية فى مستوى رضا المواطنين عن حياتهم عبر رفع مستوى جودة الحياة وتحسين البيئة. قضية التغير المناخى…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

ستنعقد قمة المناخ القادمة فى شرم الشيخ، وفى هذا تشريف كبير لمصر، والأهم هو أن انعقاد القمة فى بلدنا يمنحنا فرصة عام كامل لإحداث نقلة كبيرة فى حالة البيئة فى مصر، فإذا ما اكتمل العام، ووصل ضيوف قمة المناخ من كل أركان الأرض، يكون لدينا قصة نجاح نرويها لهم، ومعرض مفتوح بطول مصر وعرضها لإنجازات بلدنا البيئية. لو نجحنا فى إحداث نقلة كبيرة كهذه فإننا نكسب عدة مرات؛ مرة بتحسين السمعة الدولية لبلدنا، ومرة بزيادة جاذبية مصر للسياحة العالمية، ومرة ثالثة بإحداث زيادة حقيقية فى مستوى رضا المواطنين عن حياتهم عبر رفع مستوى جودة الحياة وتحسين البيئة.

قضية التغير المناخى التى تنعقد لها القمة فى شرخ الشيخ هى قضية عالمية، وإن كان عدد محدود فقط من الدول يتحملون المسئولية الأكبر عنها، باعتبارهم المصدر الأهم لانبعاثات الكربون المسببة للتغير المناخي. فمن بين كل دول العالم تتحمل ست دول فقط المسئولية عن ستين بالمائة من الانبعاثات المسببة لتغير المناخ، بينما تمثل انبعاثات الكربون الناتجة فى مصر ما نسبته 0.61% فقط من الإجمالى العالمي. مصر ليست مصدرا مهما للانبعاثات، لكنها تستطيع أن تصبح طرفا فاعلا فى قيادة الدول الأفريقية والنامية فى مفاوضات المناخ الشاقة المنتظرة، وأن تقدم نموذجا ناجحا لبلد نام يطبق سياسات استدامة بيئية فعالة.

إدارة المخلفات قضية تمس حياتنا اليومية، كما تمس مصير الكوكب الذى نعيش عليه. ففى كل كوم قمامة موجود فى الشارع إضرار بالبيئة، وتعويد للناس على القبح، وهبوط بمستوى جودة الحياة، وتقويض لثقة الناس فى مؤسسات الدولة المسئولة عن النظافة العامة والبيئة، وتعميق للانقسامات بين من يعيشون فى أحياء نظيفة ومن تعانى أحياؤهم الإهمال. هناك جهود هائلة يتم بذلها لتطوير منظومة إدارة المخلفات، وهناك محطات تجميع ومصانع تدوير يتم إنشاؤها، وتشريعات جديدة تصدر، واستثمارات هائلة يتم ضخها. بدأ أثر كل هذا فى الظهور، لكن المشوار مازال طويلا، لأننا نتحدث عن بلد حجمه أكثر من مائة مليون، يعيش أغلبهم فى مدن وقرى لم يكن فيها حتى الأمس القريب نظام فعال لإدارة المخلفات.

كلما ارتفع مستوى معيشة الناس أنتجوا المزيد من المخلفات، والمهم هو أن نتمكن من تدوير هذه المخلفات بدلا من التخلص منها فى مقالب قمامة تهدد البيئة والمناخ والصحة العامة. فصل المخلفات من المنبع هو الخطوة الأهم فى أى برنامج ناجح لتدوير المخلفات، فبدلا من قيام النباشين بفصل أنواع المخلفات يدويا، بكل ما فى ذلك من هدر وقبح ومخاطر صحية، يقوم المواطنون بإلقاء مخلفاتهم كل حسب نوعه فى أماكن مخصصة، بحيث تستقر المخلفات الورقية والمعدنية والبلاستيكية والعضوية، كل نوع فى سلة مختلفة. ربما يصعب توفير ثلاث أو أربع سلات مختلفة للمخلفات فى بيوتنا الضيقة، خاصة أن الوعى بأهمية هذا الأمر مازال ضعيفا، فماذا لو جعلنا فصل المخلفات إلزاميا فى الأندية ومراكز الشباب والجامعات والفنادق والمدارس والمصالح الحكومية، وكلها أماكن يمكن فيها تطبيق المبادرات ومتابعة تنفيذها. لو نجحنا فى هذا فإننا نكون قد أنشأنا منظومة تضم ما لا يقل عن ثلاثين مليونا من المصريين، يتدرب فيهاالمواطنون على عادة فصل المخلفات، وينقلون ثقافة فصل المخلفات تدريجيا إلى بيوتهم، فنفوز بمدن أكثر نظافة، ويصبح التدوير استثمارا أكثر كفاءة وربحية، ونحارب التغير المناخي.

لا يمكن تخيل الحياة المعاصرة بدون البلاستيك الذى يدخل فى صناعة كل شيء من أدوات الطعام والكتابة إلى الأجهزة الطبية والطائرات. لكن منتجات البلاستيك التى يجرى استخدامها مرة واحدة فقط، وأهمها الأكياس البلاستيكية، تمثل تهديدا بيئيا شديد الخطورة. ينتج العالم نحو 200 مليون طن من هذه المواد سنويا، ومنذ عام 1950 أنتج العالم 9.2 مليار طن منها، أى ما يساوى وزن 1600 هرم بحجم الهرم الكبير فى الجيزة. بعد استخدامها الذى لا يستمر سوى لساعات قليلة، تحتاج كل قطعة من هذا البلاستيك إلى ما لا يقل عن مائة عام حتى تتحلل تماما.خلال دورة حياتها الطويلة يصل ثمانية ملايين طن من هذه المواد إلى البحار والمحيطات كل عام، فتقتل الكائنات البحرية، بينما يبقى جزء كبير منها عالقا بالأشجار والأسوار على اليابسة، فى مشهد يصيب بالكآبة، بينما تواصل بقايا البلاستيك تلويث الهواء ببطء طوال المائة عام التالية.

لقد تحولت مدينة الغردقة فى مصر إلى مدينة بغير أكياس بلاستيكية، وليس من الصعب توسيع نطاق هذه المبادرة، لتحويل المدن السياحية الصغيرة والواحات فى البحر الأحمر وسيناء ومطروح والوادى الجديد إلى مدن خالية من أكياس البلاستيك.

الأمر بالتأكيد أكثر صعوبة بكثير فى القاهرة ومدن وقرى الوادى والدلتا المزدحمة، لكن مرة أخرى فإنه يمكن اختراق هذه التجمعات السكانية الكبرى، التى تبدو فوضوية وغير منظمة، عن طريق العمل مع القطاعات الرسمية المنظمة داخلها. تخيل حجم الإنجاز المتحقق لو أن كل المجمعات الاستهلاكية ومنافذ التوزيع والبيع التابعة للدولة وسلاسل الهايبر والسوبر ماركت الكبرى والمحلات فى المراكز التجارية ومحطات البنزين، لو أن كل هؤلاء توقفوا عن استخدام أكياس البلاستيك. إجراء كهذا سيخلق سوقا واسعة لبدائل البلاستيك، وسيفتح أبوابا جديدة للاستثمار والتوظيف، بينما يسهم فى تحسين جودة الحياة فى بلدنا.

ستنعقد قمة المناخ فى شرم الشيخ، لكن لدينا فرصة لنشر آثار القمة من هناك إلى كل مدن مصر، فهل نستفيد من الفرصة؟

نقلا عن جريدة الاهرام بتاريخ 16 ديسمبر 2021

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب