تعمل مصر حاليًا على استعادة زخم نموها الاقتصادي الذي تأثر بشدة جراء جائحة كورونا، مع تطلعها لتحقيق مستويات نمو تفوق ما كانت عليه قبل الجائحة. وفي هذا السياق، يبرز العمل المناخي كعامل رئيسي يمكن أن يسهم في دعم الاقتصاد المصري، ليس فقط في العودة إلى مستويات النمو المستهدفة بل وحتى تجاوزها.
إن التركيز على الجهود المناخية المستدامة يفتح آفاقًا واسعة أمام الاقتصاد المصري، سواء من خلال تعزيز الاستثمار في الطاقة النظيفة أو تحسين كفاءة الموارد الطبيعية. لكن العكس صحيح أيضًا، إذ قد يؤدي تجاهل العمل المناخي إلى تأثيرات سلبية على المدى الطويل، تمتد حتى عام 2060، مما يعرض النمو الاقتصادي إلى مخاطر كبيرة.
لذلك، يصبح تبني سياسات مناخية مستدامة ضرورة استراتيجية لمصر، حيث تمثل هذه الجهود فرصة للتوفيق بين الأهداف الاقتصادية والبيئية، مع ضمان تحقيق تنمية شاملة ومستدامة على المدى الطويل.
فوائد متعددة
وفقًا لورقة ملاحظات جديدة صادرة عن البنك الدولي، تمتلك مصر فرصة كبيرة لتحقيق نمو اقتصادي ملحوظ من خلال التركيز على العمل المناخي. وتشير الورقة إلى أن تحويل المدن المصرية إلى مراكز قادرة على الصمود أمام آثار تغيُّر المناخ يمكن أن يسهم في جذب الاستثمارات، خلق فرص عمل جديدة، وتحسين جودة حياة المواطنين.
تؤكد الورقة أن العمل المناخي الفعّال والمستدام يمكن أن يساعد مصر على زيادة كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتقليل التأثيرات السلبية لتغيُّر المناخ على الأفراد والشركات. إلى جانب ذلك، فإن الالتزام بالمبادرات المناخية يعزز قدرة مصر التنافسية في الأسواق العالمية، ما يفتح المجال أمام اقتصاد أكثر استدامة وشمولية.
لكن الورقة تحذر من المخاطر الاقتصادية في حال غياب الجهود المستمرة لمواجهة تحديات تغيُّر المناخ. إذ قد تتعرض مصر لخسارة في الناتج المحلي الإجمالي تتراوح بين 2٪ و6٪ بحلول عام 2060. على سبيل المثال، أظهرت تقديرات سابقة للبنك الدولي أن تكلفة تلوث الهواء على الصحة وحدها بلغت حوالي 1.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي لمصر في عام 2017.
لذا، يتضح أن الاستثمار في العمل المناخي ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة تُسهم في تعزيز مرونة الاقتصاد المصري أمام التحديات المستقبلية.
خطوات ملموسة على الأرض
تواصل مصر تعزيز جهودها في مواجهة تغيُّر المناخ من خلال خطوات استراتيجية واضحة. ففي مايو 2022، أطلقت مصر أول استراتيجية وطنية لمواجهة تغيُّر المناخ حتى عام 2050، والتي تتضمن مجموعة من المشاريع ذات الأولوية، من المتوقع إنجازها بحلول عام 2030. هذه الاستراتيجية تمثل خارطة طريق طموحة نحو تحقيق التنمية المستدامة مع تقليل التأثيرات السلبية للمناخ.
وفي إطار التحديث الثاني لمساهمتها الوطنية في مكافحة تغيُّر المناخ، وضعت مصر أهدافًا طموحة لخفض الانبعاثات في قطاع الكهرباء. وتشمل هذه الأهداف زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لتشكل 42٪ من مزيج توليد الكهرباء بحلول عام 2030، متقدمة بخمس سنوات عن الهدف السابق الذي كان محددًا لعام 2035.
تعكس هذه الجهود التزام مصر بالمشاركة الفعالة في التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، مع التركيز على تحسين كفاءة الطاقة وتنويع مصادرها. كما تعزز هذه المبادرات مكانة مصر كدولة رائدة في المنطقة في مجال الطاقة المتجددة والتنمية المستدامة.
تضمنت الاستراتيجية الوطنية للمناخ رؤية متكاملة تربط بين العمل المناخي والنمو الاقتصادي المستدام في مصر. ووضعت كهدف رئيسي تحقيق نمو اقتصادي مستدام ومنخفض الانبعاثات في مختلف القطاعات، وذلك من خلال التحول في مجال الطاقة عبر زيادة حصة مصادر الطاقة المتجددة والبديلة في مزيج الطاقة، خفض الانبعاثات الناتجة عن الوقود الأحفوري، وتعظيم كفاءة استخدام الطاقة. كما شملت الاستراتيجية تعزيز الاتجاه نحو أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة بهدف تقليل الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة غير المتعلقة بالطاقة.
وفي سياق دعم هذه الجهود، أصدر البنك الدولي تقريرًا خلال مؤتمر الأطراف للتغير المناخي (COP27) الذي عقد في مصر في نوفمبر 2022، تناول العلاقة بين المناخ والتنمية في مصر. وأكد التقرير أن التركيز على العمل المناخي وتنفيذ المشروعات المرتبطة به يسهم بشكل مباشر في تحقيق نمو اقتصادي طويل الأجل، ما يعزز من قدرة مصر على مواجهة التحديات المناخية والتنموية بشكل متكامل.
أوضح التقرير أن التحول نحو مسار تنموي منخفض الانبعاثات يمكن أن يلعب دورًا حاسمًا في تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على الصمود أمام الصدمات، إلى جانب تدعيم قدرته التنافسية على الساحة الدولية. وعلى الرغم من أن مصر تُعد من الدول ذات الإسهام المحدود في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالميًا، حيث لا تتجاوز نسبتها 0.6%، فإن العلاقة الوثيقة بين الانبعاثات والنمو الاقتصادي لا تزال تمثل تحديًا كبيرًا.
وأشار التقرير إلى أن قطاعات الطاقة، النقل، والصناعة في مصر تُعد المصدر الأساسي لهذه الانبعاثات، حيث تسهم بنحو 80% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في البلاد. وهذا يبرز أهمية اتخاذ خطوات جادة ومتكاملة نحو تحسين كفاءة هذه القطاعات والانتقال إلى أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة، بما يسهم في تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي وخفض الانبعاثات.
منصة “نوفي”.. منتج وطني خالص لحشد جهود العمل المناخي
أطلقت الحكومة منصة “نوفي.. محور العلاقة بين المياه والغذاء والطاقة”، كإطار وطني مبتكر يعكس التزام مصر بالعمل المناخي والتنمية المستدامة. تمثل هذه المنصة دليلًا استرشاديًا رائدًا يمكن أن تستفيد منه دول العالم في حشد الجهود التنموية والتمويلية لدعم مشروعات المناخ.
تهدف المنصة إلى تعزيز كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتشجيع التحول نحو بنية تحتية منخفضة الانبعاثات، إلى جانب تعزيز الأمن المائي والغذائي. وتبرز “نوفي” كإحدى المبادرات الوطنية التي تسعى إلى تقديم حلول شاملة لتحديات تغير المناخ، من خلال الربط بين الموارد المائية والغذائية وقطاع الطاقة، بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة وتحسين جودة حياة المواطنين.
مخصصات العمل المناخي في استثمارات الموازنة
أشارت ورقة البنك الدولي إلى أن مخصصات العمل المناخي في مصر ضمن ميزانية العام المالي الجاري 2024/2025 شهدت زيادة ملحوظة، حيث ارتفعت إلى 50% من إجمالي الاستثمارات مقارنة بـ40% في السنة المالية السابقة. كما تمثل هذه الزيادة بنسبة 15% عما كان مخصصًا في السنة المالية 2020/2021، وهو ما يترجمه التقرير على أنه انعكاس لالتزام مصر بتوسيع نطاق المشاريع البيئية وتنفيذ سياسات مستدامة لمواجهة تحديات تغير المناخ.
وتتم هذه الجهود في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى توسيع محفظة المبادرات المستدامة التي تسهم في دفع النمو الاقتصادي وتعزيز رفاهية المواطنين. وتشمل هذه المبادرات الوطنية المهمة مثل “حياة كريمة” و”القرية الخضراء”، التي تهدف إلى تعزيز الاستدامة في المجتمعات الريفية. ويستهدف مشروع “القرية الخضراء” تغطية 175 قرية، مما يساهم في تعزيز القدرة على الصمود من خلال تطبيق معايير البناء الأخضر وتقنيات التشييد المستدامة، التي تدعم تحسين البيئة المعيشية وتوفير حياة أفضل للسكان المحليين.
تمويلات القطاع الخاص حجر زاوية
أكدت ورقة البنك الدولي أن تمكين القطاع الخاص في مجال العمل المناخي، بما في ذلك جهود التحول الأخضر، يعد أولوية في خطط الحكومة المصرية. يتضمن ذلك تشجيع الاستثمار في القطاعات الخضراء مثل إدارة النفايات، مما يساهم في خفض انبعاثات الكربون وتحقيق التنمية المستدامة. وأشارت الورقة إلى أنه يمكن لإصلاح السياسات والمؤسسات أن يفتح المجال لإطلاق إمكانيات استثمارات القطاع الخاص، بشرط أن تتوافر حوافز ضريبية جيدة التصميم.
تجدر الإشارة إلى أن برنامج عمل الحكومة الحالي الممتد حتى السنة المالية 2026/2027 يضع القطاع الخاص على رأس قائمة الموارد التي تمول خطة الحكومة، من خلال الشراكة مع القطاع الخاص وتعزيز الاستثمارات الخاصة، بالإضافة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية. هذا التوجه يتماشى مع تحفيز المسؤولية المجتمعية، وهو ما يعكس التزام مصر بزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، في إطار التزاماتها مع صندوق النقد الدولي الذي يدعم الموجة الثانية من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية عبر برنامج التسهيل الائتماني الممتد بقيمة 8 مليارات دولار.
كما أشارت الورقة إلى استراتيجية مصر الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون التي أُطلقت هذا العام، إضافة إلى قانون حوافز إنتاج الهيدروجين الأخضر.
وفيما يخص بناء القدرة على الصمود، أكدت الورقة على أهمية الإجراءات التي تهدف إلى حماية المناطق المعرضة للمخاطر، مثل محافظة الإسكندرية، حيث يشكل ارتفاع منسوب مياه البحر تهديدات كبيرة. وأوضحت أن أنظمة إدارة مياه الأمطار قد تساهم في حماية المدينة من خسائر اقتصادية جسيمة.
واختتمت الورقة بتأكيد أن جهود العمل المناخي توفر فرصًا للنمو في مصر، حيث يمكن أن يعزز خفض كثافة الكربون في المنتجات المصرية قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية. كما أكدت التزام مجموعة البنك الدولي بدعم العمل المناخي في مصر من خلال تقديم المساعدة الفنية والتمويل والاستشارات في مجالات السياسات.
وأكدت الورقة أن تمكين القطاع الخاص في العمل المناخي وما يرتبط به من جهود التحول الأخضر هو أولوية في خطط العمل المناخي للحكومة بما يشمله من تشجيع الاستثمار في القطاعات الخضراء مثل إدارة النفايات، مما يسهم في خفض انبعاثات الكربون وتحقيق التنمية المستدامة، مشيرة إلى أنه من الممكن أن يؤدي إصلاح السياسات والمؤسسات إلى إطلاق إمكانيات استثمارات القطاع الخاص، مع ضرورة وجود حوافز ضريبية جيدة التصميم.
الخلاصة
تلتزم مصر بدورها الفاعل في العمل المناخي على الصعيدين المحلي والدولي، حيث تسعى إلى تحقيق هدف رئيسي يتمثل في زيادة النمو الاقتصادي وتعزيز تنافسية البلاد في الأسواق العالمية. وفي هذا السياق، تمضي مصر قدمًا في تنفيذ مشروعات ومبادرات مناخية تمثل نماذج يمكن أن تترك بصمة عالمية، خاصة في الاقتصادات الناشئة والدول الإفريقية والنامية ذات الدخل المتوسط والمنخفض.
على المستوى الدولي، شاركت مصر في إطلاق “نداء باكو للعمل المناخي من أجل السلام والإغاثة والتعافي” خلال فعاليات يوم السلام في مؤتمر COP29 الذي استضافته أذربيجان الشهر الماضي. وقد أكد هذا النداء على أهمية استجابة شاملة لأزمة تغير المناخ، مع التركيز على اتخاذ خطوات عملية تتضمن زيادة التمويل المناخي لمواجهة تداعيات تغير المناخ. كما شدد على ضرورة التركيز على قضايا ذات أولوية للقارة الإفريقية، مثل الأمن المائي والنزوح الناجم عن الآثار المدمرة لتغير المناخ.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التمويلات الميسرة التي يجب أن يوفرها الشركاء الثنائيون والمتعددو الأطراف لدعم جهود التكيف مع التغير المناخي. فهذه التمويلات ضرورية لدعم خطط الدول في تحقيق نمو اقتصادي مستدام، في وقت تواجه فيه الدول تحديات غير مسبوقة جراء التوترات الجيوسياسية العالمية والإقليمية.






























