في تحول يعيد رسم خرائط النظام الدولي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السابع من يناير 2026 مذكرة رئاسية تقضي بانسحاب الولايات المتحدة الفوري من 66 منظمة واتفاقية دولية، جاء هذا القرار في سياق المراجعة الشاملة التي أقرها الأمر التنفيذي رقم 14199 في فبراير 2025، ويمثل أكبر عملية تقليص للدور الدبلوماسي الأمريكي في التاريخ الحديث؛ تشمل قائمة الانسحاب عدد 31 هيئة تابعة للأمم المتحدة، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، و نحو 35 منظمة غير أممية تتنوع مهامها بين تنظيم أسواق السلع الأساسية (مثل القطن والرصاص والزنك) وتعزيز الطاقة المتجددة (مثل التحالف الدولي للطاقة الشمسية).
تستند الإدارة الأمريكية في تبريرها لهذا “الانسحاب العظيم” إلى عقيدة “أمريكا أولاً”، مستشهدة بمبررات تتراوح بين “الازدواجية” و”سوء الإدارة” والهدر المالي، وصولًا إلى التعارض الأيديولوجي مع ما تصفه بالأجندات التي تهدد السيادة الوطنية.
يقدم هذا البحث تحليلاً معمقًا للأبعاد القانونية والمالية لهذا القرار، وتأثيره المباشر على بنية النظام العالمي، والاضطرابات المتوقعة في سلاسل التوريد الحيوية، والمخاطر التي تهدد القطاعات الاقتصادية الأمريكية المحلية.
أولا: العقيدة الاستراتيجية: إعادة تعريف السيادة
لا يمكن فهم قرار السابع من يناير 2026 كحدث منعزل، بل يأتي ضمن مسار من التشكيك في جدوى المؤسسات الدولية الذيتتبناه الرؤية الاستراتيجية للإدارة الأمريكية الحالي. بدلاً من ذلك، تتبنى واشنطن نموذجًا “للتعامل المباشر” يفضل العلاقات الثنائية المباشرة على الأطر متعددة الأطراف. وفيما يلي شرحا لمبررات الانسحاب الأمريكي، والتي صاغتها الإدارة الأمريكية استنادًا إلى ثلاثة محاور رئيسية:
- الجدوى الاقتصادية والإدارية (Redundancy & Mismanagement)؛ وصفت وزارة الخارجية العديد من المنظمات المستهدفة بأنها “زائدة عن الحاجة” أو “سيئة الإدارة”. الحجة هنا هي أن دافع الضرائب الأمريكي يمول جهات بيروقراطية دولية دون الحصول على عائد استثماري ملموس، على سبيل المثال، يُنظر لانسحاب الولايات المتحدة من هيئات فنية مثل “لجنة دراسة الرصاص والزنك الدولية” (ILZSG) و”اللجنة الاستشارية الدولية للقطن” (ICAC) من منظور أن البيانات التي توفرها هذه الهيئات يمكن الحصول عليها بفعالية أكبر عبر الوكالات الفيدرالية المحلية أو الاتفاقيات الثنائية، وأن تمويلها يعد هدرًا للموارد في كيانات لا تخدم الأولويات الأمريكية المباشرة.
- التعارض الأيديولوجي (Ideological Misalignment)؛ يشكل هذا المحور جوهر الهجوم السياسي على المؤسسات الدولية، حيث ترى الإدارة الامريكية أن العديد من الهيئات الأممية قد تأثرت بعدد من الأجندات “اليسارية” أو “التقدمية” والتي تتعارض مع القيم الأمريكية المحافظة، وبناء عليه تم استهداف “صندوق الأمم المتحدة للسكان” (UNFPA) و”هيئة الأمم المتحدة للمرأة” (UN Women) بشكل مباشر بسبب سياساتهما المتعلقة بالصحة الإنجابية وحقوق المرأة، والتي تعد ترويجًا للإجهاض، كما وُصفت الهيئات المناخية بأنها تعيق الهيمنة الاقتصادية الأمريكية.
- حماية السيادة الوطنية؛ يعتبر الانسحاب من هيئات قانونية مثل “لجنة القانون الدولي” تأكيدًا على رفض الولايات المتحدة الخضوع لأي قواعد أو أعراف دولية لم يقرها الكونغرس الأمريكي، أو تلك التي قد تُستخدم لتقييد حرية العمل الأمريكي في الخارج. يُنظر إلى هذه المؤسسات على أنها أدوات لتقويض السيادة الأمريكية.
جدول 1: تصنيف مبررات الانسحاب وفقًا للوثائق الرسمية الأمريكية (ملحق 1)[1]
| الوصف التحليلي | أمثلة على الكيانات المستهدفة | فئة المبرر |
| كيانات تُعتبر مكلفة، غير فعالة، أو تكرر عمل مؤسسات أخرى. | اللجنة الاستشارية الدولية للقطن، مجموعة دراسة الرصاص والزنك. | مالي / إداري |
| كيانات تروج لسياسات اجتماعية أو ثقافية تتعارض مع قيم الإدارة. | هيئة الأمم المتحدة للمرأة، صندوق الأمم المتحدة للسكان. | أيديولوجي |
| كيانات يُنظر إليها كتهديد لاستقلالية القرار القانوني والاقتصادي الأمريكي. | لجنة القانون الدولي، الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ (UNFCCC). | سيادي / قانوني |
| منظمات يُعتقد أن نفوذ الخصوم (مثل الصين) قد طغى فيها على المصالح الأمريكية. | لجان الأمم المتحدة الاقتصادية الإقليمية | جيوسياسي |
على الرغم من انسحاب الولايات المتحدة من عدد 66 منظمة ومؤسسة دولية، إلا أن المحللين يرون بأن تلك الاستراتيجية ليست عزلة تامة بقدر ما هي “تعددية حسب الرغبة” فالولايات المتحدة لم تنسحب من منظمة التجارة العالمية؛ بالرغم من انسحابها من الانكتاد ؛ مما يشير إلى رغبة في الاحتفاظ بأدوات القوة والنفوذ، مع التخلي عن أدوات القوة الناعمة وبناء التوافق. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن هذا النهج الانتقائي قد يؤدي إلى تآكل الشرعية الأمريكية، حيث يُنظر إلى واشنطن كشريك غير موثوق ينتقي القواعد التي تناسبه فقط.
ثانيا: مقارنة تاريخية منهجية بين قرار الانسحاب الأميركي الحالي (2026) وبين حالات الانسحاب السابقة:
بخلاف الانسحابات الأمريكية السابقة التي اتسمت بالانتقائية وقابلية التراجع، يمثل انسحاب عام 2026 تحولًا نوعيًا في علاقة الولايات المتحدة بمنظومة الحوكمة العالمية. فالقرار لا يستهدف مؤسسة بعينها، بل يعكس إعادة تعريف شاملة لدور واشنطن، بما يُضعف النظام متعدد الأطراف ويفتح المجال أمام قوى أخرى لإعادة صياغة القواعد والمعايير الدولية.
تاريخياً، كانت الانسحابات السابقة تترك فجوات تمويلية يتم سدها عبر تحالفات مؤقتة، لكن انسحاب 2026 من 66 منظمة يخلق “ثقباً أسود” في النظام الدولي، مما ينهي عهد المعايير العالمية الموحدة.
جدول رقم (2) مقارنة منهجية بين قرار الانسحاب الأميركي الحالي (2026) وبين حالات الانسحاب السابقة
| الانسحاب من UNESCO | الانسحاب من Paris Agreement | الانسحاب من World Health Organization | انسحاب 2026 (66 منظمة) | البيان |
| 2017 (أُعلن) / 2018 (نفّذ) | 2017 (إعلان) / 2020 (نفّذ) | 2020 (الإعلان)- لم يُستكمل | 2026 | السنة |
| منظمة واحدة | اتفاقية دولية واحدة | منظمة واحدة | واسع النطاق (66 منظمة واتفاقية) | نطاق الانسحاب |
| سياسي–أيديولوجي | اقتصادي–سيادي | صحي–سياسي | بنيوي/منهجي (إعادة تعريف دور أميركا دوليًا) | طبيعة القرار |
| تحيز سياسي وسوء إدارة | كلفة اقتصادية وعدم عدالة الالتزامات | سوء إدارة الجائحة والانحياز | تعارض مع “المصلحة الأميركية” | الدوافع المُعلنة |
| الثقافة، التعليم، التراث | المناخ والطاقة | الصحة العالمية | المناخ، الأمن، التنمية، الحقوق، الحوكمة | مجالات التأثير |
| تمويلي ورمزي | سياسي ومعياري | محدود عمليًا بسبب عدم اكتمال الانسحاب | قوي إلى متوسط (فجوات تمويل وقيادة) | الأثر على المنظمة |
| سد جزئي للفجوة (أوروبا/آسيا) | استمرار الاتفاق بقيادة أوروبية | تضامن دولي واسع مع المنظمة | إعادة تموضع وبحث عن ممولين بدلاء | استجابة المجتمع الدولي |
| مرتفعة (عادت الولايات المتحدة لاحقًا) | مرتفعة (عادت في 2021) | مرتفعة (أُلغي القرار فعليًا) | منخفضة على المدى القصير | قابلية العودة |
وتجدر الإشارة هنا إلى أن حالات انسحاب الولايات المتحدة في السابق كان يتبعها عدد من حالات الانسحاب لعدد من الدول فيما يعرف ” بتأثير الدومينو” تعبيراً عن تحالفات استراتيجية أو تطابق في المصالح الأيديولوجية، ومن المفيد العرض التاريخي لما تم في السابق، وفقا لثلاث انماط محددة:
- نمط “التبعية الكاملة”؛ انسحاب إسرائيل من اليونسكو؛ فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فوراً أن إسرائيل ستحذو حذو واشنطن، لم يكن الانسحاب الإسرائيلي فنياً، بل كان تضامناً سياسياً واعترافاً بأن المظلة الأمريكية في تلك المنظمة قد رُفعت، مما يجعل بقاءها مكلفاً سياسياً ودون جدوى.
- نمط “التحالف الأيديولوجي” (بريطانيا وسنغافورة)؛ عندما انسحبت إدارة ريغان من اليونسكو في 1984 احتجاجاً على “سوء الإدارة والفساد والأجندة السوفيتية”، تبعتها بريطانيا (1985): في عهد مارجريت ثاتشر، بداعي الحاجة للإصلاح الإداري (رغم معارضة المؤسسات الثقافية البريطانية حينها). كما تبعتها سنغافورة (1985): بدافع تقليل التكاليف المالية وعدم الرضا عن توجهات المنظمة.
- نمط “الصمود الجماعي” مقابل “العزلة الأمريكية” (اتفاق باريس)؛ هذا النمط هو الأهم الأن، لأنه يظهر فشل “تأثير الدومينو”: ففي عام 2017 عندما انسحبت أمريكا من اتفاق باريس للمناخ، كانت هناك مخاوف من خروج دول أخرى (مثل البرازيل أو أستراليا)؛ ولكن فعليا لم تخرج أي دولة. بل على العكس، انضمت الدولتان الوحيدتان اللتان كانتا خارج الاتفاق (نيكاراجوا وسوريا) لاحقاً، مما جعل الولايات المتحدة الدولة الوحيدة خارج الإطار العالمي لفترة من الزمن.
ثالثا: أبرز التداعيات والاثار المتوقعة لانسحاب الولايات المتحدة:
بالنظر لما تقدم؛ يمكن تصنيف أثر الانسحاب الأمريكي إلى ثلاث فئات رئيسة (موضح بالتفصيل بالملحق 1)، ويتضح من خلاله أن الغالبية النسبية من المنظمات المنسحب منها (نحو 79%) تقع ضمن نطاق الأثر القوي أو المتوسط، وهو ما يعكس أن القرار الأمريكي لا يقتصر على كيانات هامشية، بل يستهدف قلب منظومة الحوكمة العالمية، لا سيما في مجالات المناخ، الأمن، التنمية، والحقوق. في المقابل، يظل الأثر الضعيف محصورًا في منظمات ذات طابع تنسيقي أو رمزي، دون قدرة تنفيذية مباشرة.
جدول رقم (3) تقييم لتأثيرات الانسحاب الامريكي
| 25 منظمة | 38% | قوي |
| 27 منظمة | 41% | متوسط |
| 14 منظمة | 21% | ضعيف |
| 66 منظمة | 100% | الإجمالي |
وفيما يلي أبرز التداعيات المتوقعة:
3. 1. التداعيات البيئية:
لعل الجانب الأكثر خطورة في قرار السابع من يناير هو التفكيك المنهجي للالتزامات المناخية الأمريكية، والذي يتجاوز الانسحاب السابق من اتفاقية باريس ليصل إلى الانسحاب من المعاهدة الأم نفسها، “اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ” (UNFCCC)، وكذلك “الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ” (IPCC).
حيث تُعد الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في العالم التي تعلن انسحابها من اتفاقية UNFCCC، التي صادق عليها مجلس الشيوخ الأمريكي في عام 1992. هذا الانسحاب يحمل دلالات قانونية وسياسية عميقة:
- فقدان المقعد التفاوضي: بمجرد سريان الانسحاب (بعد عام واحد وفقًا للمادة 25 من الاتفاقية)، ستفقد الولايات المتحدة صفتها كـ “طرف” في الاتفاقية، مما يحرمها من حق التصويت أو التأثير في مؤتمرات الأطراف (COPs) المستقبلية. هذا يعني أن القواعد المنظمة لأسواق الكربون العالمية، وتمويل المناخ، وآليات الشفافية ستُكتب بواسطة الاتحاد الأوروبي والصين وعدد من الدول الأخرى دون أي مدخلات أمريكية.
- تأثير “الدومينو“: يحذر الخبراء من أن خروج أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مصدر تاريخي للانبعاثات يوفر غطاءً سياسيًا للدول الأخرى للتراجع عن التزاماتها، مما يهدد بدفع العالم نحو سيناريوهات احترار كارثية تتجاوز 2.5 درجة مئوية.
- ردود الفعل الدولية: وصف سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، القرار بأنه “هدف عكسي هائل” (Colossal Own Goal)، محذرًا من أنه سيضر بالاقتصاد الأمريكي ويترك البلاد “أقل أمانًا وازدهارًا” في مواجهة الكوارث المناخية المتصاعدة.
كما يحمل الانسحاب من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) فجوة محتملة في البيانات؛ حيث تعتمد IPCC بشكل كبير على الأبحاث والبيانات الأمريكية مثل تلك الصادرة عن NOAA وNASA ورغم أن العلماء الأمريكيين قد يستمرون في المساهمة بصفتهم الشخصية، إلا أن الحكومة الأمريكية لن تمول مشاركتهم ولن تشارك في مراجعة واعتماد التقارير النهائية هذا يعني أن المنظور الأمريكي الرسمي سيغيب عن الوثائق المرجعية التي توجه السياسات العالمية.
تشير التحليلات إلى أن الإدارة قد تسعى لاستبدال تقارير IPCC بتقييمات داخلية (ما يُعرف بفرق “Red Team”) التي تشكك في خطورة التغير المناخي، مما يعمق الفجوة بين السياسة الأمريكية والحقائق العلمية العالمية.
شمل الانسحاب أيضًا منظمات تقنية حيوية مثل “الوكالة الدولية للطاقة المتجددة” (IRENA) و”التحالف الدولي للطاقة الشمسية” (ISA) الذي تقوده الهند وفرنسا. وفيما يلي أبرز التأثيرات المحتملة:
- التأثير على ISA رغم أن الولايات المتحدة انضمت للتحالف مؤخرًا (في 2021) ولا تقدم تمويلًا مباشرًا ضخمًا، إلا أن انسحابها يمثل نكسة دبلوماسية للهند (التي تقود التحالف مع فرنسا) ويقوض هدف التحالف في حشد تريليون دولار للاستثمار في الطاقة الشمسية بحلول 2030. يُنظر لهذا الانسحاب كإشارة سلبية للمستثمرين الأمريكيين والمؤسسات المالية الدولية.
- التأثير على IRENA؛ يحذر فرانشيسكو لا كاميرا، المدير العام لـ IRENA، من أن الانسحاب يعزل قطاع الطاقة الأمريكي عن شبكات الابتكار العالمية والشراكات الاستراتيجية في وقت تتسابق فيه الدول للسيطرة على تكنولوجيات المستقبل. هذا الغياب يترك المجال مفتوحًا للصين لترسيخ هيمنتها على سلاسل توريد الطاقة النظيفة والمعايير التقنية العالمية.
جدول 2: التأثيرات المتوقعة للانسحاب على قطاع المناخ والطاقة
| المنظمة | الدور | التأثير المباشر للانسحاب الأمريكي | التأثير طويل الأمد |
| UNFCCC | الإطار القانوني العالمي للمناخ. | فقدان القدرة على صياغة قواعد الانبعاثات والتمويل. | احتمال تفكك الإجماع العالمي؛ تسارع الاحترار. |
| IPCC | المرجعية العلمية الأولى. | غياب الصوت الرسمي الأمريكي في تقييم المخاطر. | تسييس العلم المناخي محليًا؛ عزلة المجتمع العلمي الأمريكي. |
| ISA | نشر الطاقة الشمسية في المناطق المدارية. | ضربة للشراكة مع الهند؛ تراجع ثقة المستثمرين. | زيادة النفوذ الصيني في أسواق الطاقة بالدول النامية. |
| IRENA | مركز المعرفة للطاقة المتجددة. | فقدان الوصول لبيانات وشراكات التحول الطاقي. | تراجع تنافسية الشركات الأمريكية في الأسواق الناشئة. |
3. 2 الاضطراب الاقتصادي: السلع، التجارة، وسلاسل التوريد
لم يقتصر الانسحاب على الهيئات السياسية، بل طال منظمات حيوية لاستقرار الأسواق العالمية للسلع، مما قد يهدد المصالح التجارية الأمريكية المباشرة. حيث يعد انسحاب الولايات المتحدة من اللجنة الاستشارية الدولية للقطن (ICAC) خطوة ذات تداعيات مباشرة على الزراعة الأمريكية، وفيما يلي أبرز التداعيات في هذا الشأن:
- توفر ICAC بيانات محايدة ودقيقة حول الإنتاج والاستهلاك والمخزونات العالمية، ويعتمد المزارعون والمصدرون الأمريكيون (والولايات المتحدة هي ثالث أكبر منتج للقطن) على هذه البيانات لاتخاذ قرارات الزراعة والتحوط.
- غياب الولايات المتحدة عن هذه المنظومة يعني نقصًا في شفافية البيانات، مما قد يؤدي إلى تقلبات سعرية حادة. المستفيد الأكبر سيكون كبار التجار والدول التي تملك بياناتها الخاصة (مثل الصين)، بينما سيعاني المزارع الأمريكي الصغير من “عدم تماثل المعلومات” (Information Asymmetry).
كما انسحبت واشنطن أيضًا من مجموعة دراسة الرصاص والزنك الدولية (ILZSG)، في وقت تشهد فيه هذه الأسواق تقلبات حادة؛ فإن الانسحاب من الهيئة التي تراقب تدفقات هذه المعادن يحرم واشنطن من “نظام إنذار مبكر” حول اختلالات العرض والطلب العالمية، مما قد يضر بالتخطيط الصناعي والدفاعي.
رابعا: المشهد الجيوسياسي: الرابحون والخاسرون
يعيد “الانسحاب العظيم” تشكيل موازين القوى العالمية بشكل جذري، حيث تبرز الصين والاتحاد الأوروبي كمستفيدين رئيسيين من هذا التحول؛ إذ تعتبر بكين الرابح الأكبر استراتيجيًا من القرار الأمريكي، مستغلة إياه لملء الفراغ وقيادة “الجنوب العالمي”. وقد تجلى ذلك في الخطاب الدبلوماسي لوزارة الخارجية الصينية، حيث سارعت المتحدثة “ماو نينغ” إلى إدانة “الأحادية الأمريكية”، مؤكدة التزام بلادها بالتعددية ودعمها للأمم المتحدة، في محاولة لتقديم الصين كشريك مسؤول وحامٍ للقانون الدولي. علاوة على ذلك، يمنح الغياب الأمريكي الصين فرصة للهيمنة المؤسسية، حيث ستواجه مقاومة أقل في دفع مرشحيها لمناصب قيادية دولية وتوجيه المعايير التقنية والقانونية في مجالات الإنترنت والفضاء والتجارة بما يخدم مبادرة “الحزام والطريق”.
في سياق متصل، استغلت موسكو هذا القرار لتعزيز سرديتها المعادية للهيمنة الغربية وشرعنة انتقاداتها للنظام القائم؛ فقد صرحت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بأن التحركات الأمريكية تقوض الأمن الدولي، واصفة التحالف الغربي بـ “محور الحرب”. ويخدم هذا الانسحاب الرغبة الروسية في إضعاف المؤسسات التي يهيمن عليها الغرب تقليديًا، مما يعزز الدعوات لبناء نظام عالمي جديد لا تحكمه القواعد الليبرالية.
ومن ناحية أخرى، يجد حلفاء واشنطن أنفسهم في موقف حرج؛ فالهند، رغم علاقتها الوثيقة بالولايات المتحدة، واجهت إحراجًا جراء الانسحاب من التحالف الدولي للطاقة الشمسية (ISA)، وهي تدرك أن هذا الغياب يضعف التوازن الإقليمي أمام النفوذ الصيني المتنامي في آسيا. أما أوروبا، فتواجه عبئًا ماليًا وسياسيًا متزايدًا لتعويض الدور الأمريكي، مما يدفعها نحو تعزيز “الاستقلالية الاستراتيجية” وقد يضطرها لتعاون تكتيكي مع الصين في ملفات المناخ والتجارة، الأمر الذي قد يحدث شرخًا في العلاقات عبر الأطلسي.
أما على الجانب الداخلي الأمريكي، فقد تحول القرار إلى ساحة صراع دستوري وسياسي محتدم، حيث يثير الانسحاب الأحادي من معاهدات صادق عليها مجلس الشيوخ، مثل (UNFCCC)، جدلاً قانونياً واسعاً. وبينما تُستحضر سابقة “السيناتور غولدوتر ضد الرئيس الأمريكي كارتر” لعام 1979[2]، والتي اعتبرت المحكمة العليا بموجبها نزاعات الانسحاب “مسائل سياسية”، يجادل فقهاء القانون بأن الخروج من المعاهدات يجب أن يتطلب موافقة مجلس الشيوخ كما هو الحال عند الدخول فيها. وفي هذا الإطار، أعلنت منظمات مثل “اتحاد العلماء” و”مركز التنوع البيولوجي” نيتها رفع دعاوى قضائية لوقف الانسحاب، استنادًا إلى الضرر الواقع على المواطنين والبيئة.
كما يتجلى الانقسام السياسي بوضوح داخل أروقة الكونغرس؛ حيث قاد النواب الديمقراطيون، مثل النائب شنايدر وغريغوري ميكس، معارضة شرسة ووصف القرار بأنه “اعتداء على النظام القائم على القواعد” وتهديد للأمن القومي يمنح القيادة للصين على طبق من ذهب. وفي المقابل، حظي القرار بدعم واسع من الجمهوريين والمؤسسات الفكرية المحافظة مثل “مؤسسة التراث” و”تحالف الطاقة الأمريكي”، الذين اعتبروا الخطوة وفاءً بالوعود الانتخابية وتحريرًا للاقتصاد الأمريكي من القيود الدولية، مفضلين الاصطفاف خلف التوجهات الرئاسية وتغليب المصالح الاقتصادية الوطنية على المخاوف البيئية الدولية.
ختاما يمكن القول أن قرار الانسحاب الأمريكي في يناير 2026 يمثل لحظة مفصلية؛ فبانسحابها، لا توقف الولايات المتحدة عمل المنظمات الدولية، بل تترك مهمة صياغة القواعد (في التجارة، المناخ، التكنولوجيا) لمنافسيها، مما سيجعل البيئة العالمية المستقبلية أقل ملاءمة للمصالح الأمريكية، وأيضا أن الانسحاب من الهيئات الفنية يحرم القطاعات الاقتصادية الأمريكية من بيانات حيوية، مما يضعف تنافسيتها.
بدلاً من استعادة الهيمنة الأحادية، قد يؤدي القرار إلى تسريع ولادة نظام عالمي جديد لا تكون فيه واشنطن المركز، بل مجرد قطب قوي ومعزول. في المحصلة، قد تنجح الولايات المتحدة في توفير بضع مليارات من الدولارات من ميزانيتها، لكن الثمن قد يكون خسارة موقعها كمنظم للنظام العالمي، مما يترك الساحة لقوى أخرى لرسم مستقبل القرن الحادي والعشرين.
ملحق رقم (1)
تأثير انسحاب الولايات المتحدة من المنظمات الدولية
أولًا: المنظمات غير التابعة للأمم المتحدة (35 منظمة)
| قوة الأثر | التأثير المتوقع بعد الانسحاب | مساهمة الولايات المتحدة قبل الانسحاب | مجال العمل | المنظمة | |
| متوسط | تراجع الزخم السياسي وضعف الالتزام الطوعي | دعم سياسي وتقني ومبادرات إزالة الكربون | الطاقة النظيفة | 24/7 Carbon-Free Energy Compact | |
| ضعيف | ضعف برامج التدريب الإقليمي | مساهمات تنموية وخبرات | التنمية وبناء القدرات | Colombo Plan Council | |
| متوسط | تراجع التنسيق البيئي العابر للحدود | تمويل ومعايير بيئية | البيئة الإقليمية | Commission for Environmental Cooperation | |
| قوي | فجوة تمويلية وتقليص البرامج | تمويل رئيسي ودعم سياسي | التعليم الإنساني | Education Cannot Wait | |
| متوسط | ضعف مواجهة التهديدات غير التقليدية | خبرات استخباراتية وتنسيق | الأمن الهجين | European Centre of Excellence for Countering Hybrid Threats | |
| ضعيف | تباطؤ البحث التطبيقي | تبادل خبرات وبحوث | البنية التحتية والنقل | Forum of European National Highway Research Laboratories | |
| قوي | فراغ قيادي لصالح نماذج غير ليبرالية | قيادة معيارية ودعم سياسي | حرية الإنترنت | Freedom Online Coalition | |
| قوي | تقليص العمل الوقائي | تمويل برامج مجتمعية | الوقاية من التطرف | Global Community Engagement and Resilience Fund | |
| قوي | ضعف التعاون غير العسكري | تنسيق وتمويل وبناء قدرات | مكافحة الإرهاب | Global Counterterrorism Forum | |
| متوسط | فجوة في بناء القدرات | خبرات تقنية وتمويل | الأمن السيبراني | Global Forum on Cyber Expertise | |
| متوسط | تراجع الحوار العالمي | ثقل سياسي وتمويلي | الهجرة والتنمية | Global Forum on Migration and Development | |
| متوسط | إضعاف البحث الإقليمي | تمويل وبحوث علمية | أبحاث التغير المناخي | Inter-American Institute for Global Change Research | |
| متوسط | ضعف المعايير البيئية | دعم سياساتي وفني | التعدين المستدام | Intergovernmental Forum on Mining, Minerals, Metals, and Sustainable Development | |
| قوي | تراجع الثقل السياسي للتقارير | تمويل وخبراء | علم المناخ | Intergovernmental Panel on Climate Change | |
| قوي | تقليص الدعم البحثي | دعم علمي وتمويلي | التنوع البيولوجي | Intergovernmental Science-Policy Platform on Biodiversity and Ecosystem Services | |
| متوسط | تراجع برامج الحفظ | تمويل وخبرات | التراث الثقافي | ICCROM | |
| ضعيف | ضعف شفافية السوق | بيانات وخبرات سوقية | تجارة القطن | International Cotton Advisory Committee | |
| متوسط | تقليص إصلاحات تشريعية | دعم قانوني ومؤسسي | سيادة القانون | International Development Law Organization | |
| متوسط | تراجع الحوار المنتجين/المستهلكين | مشاركة سياسية رفيعة | حوكمة الطاقة | International Energy Forum | |
| ضعيف | أثر رمزي محدود | دعم ثقافي | الثقافة والفنون | International Federation of Arts Councils and Culture Agencies | |
| قوي | تقليص دعم العمليات الانتخابية | تمويل وخبرات | الديمقراطية والانتخابات | International Institute for Democracy and Electoral Assistance | |
| متوسط | ضعف برامج العدالة | تدريب وبناء قدرات | سيادة القانون | International Institute for Justice and the Rule of Law | |
| ضعيف | تأثير محدود | بيانات وتحليل | أسواق المعادن | International Lead and Zinc Study Group | |
| قوي | تباطؤ التحول الطاقي | تمويل ونقل تكنولوجيا | الطاقة المتجددة | International Renewable Energy Agency | |
| قوي | تقليص مشروعات الجنوب | تمويل وتسهيلات | الطاقة الشمسية | International Solar Alliance | |
| متوسط | ضعف حماية الغابات | دعم الاستدامة | الغابات والأخشاب | International Tropical Timber Organization | |
| قوي | فجوة تمويلية | تمويل وبرامج | البيئة والحفظ | International Union for Conservation of Nature | |
| ضعيف | تأثير محدود | دعم بحثي | الجغرافيا والبحث | Pan American Institute of Geography and History | |
| متوسط | تراجع التنسيق | دعم سياسي | التعاون الأطلسي | Partnership for Atlantic Cooperation | |
| متوسط | ضعف الردع البحري | دعم أمني | مكافحة القرصنة | ReCAAP | |
| ضعيف | تأثير متوسط | دعم مؤسسي | تعاون إقليمي | Regional Cooperation Council | |
| متوسط | تراجع التنسيق | خبرات ومعايير | سياسات الطاقة | Renewable Energy Policy Network for the 21st Century | |
| قوي | مخاطر أمنية أعلى | تمويل وخبرات | منع الانتشار | Science and Technology Center in Ukraine | |
| متوسط | ضعف القدرات | تمويل وبرامج | بيئة المحيط الهادئ | SPREP | |
| قوي | تراجع النفوذ القانوني | دعم معياري | القانون الدستوري | Venice Commission |
ثانيًا: منظمات الأمم المتحدة (31 منظمة)
| المنظمة | مجال العمل | مساهمة الولايات المتحدة قبل الانسحاب | التأثير المتوقع بعد الانسحاب | قوة الأثر |
| UN Department of Economic and Social Affairs | التنمية | تمويل وتوجيه سياسات | ضعف التنسيق الأممي | متوسط |
| Economic Commission for Africa | التنمية الإقليمية | تمويل ودعم فني | تقليص البرامج | قوي |
| Economic Commission for Latin America and the Caribbean | التنمية الإقليمية | دعم اقتصادي | فجوة تمويل | متوسط |
| Economic and Social Commission for Asia and the Pacific | التنمية الإقليمية | تمويل وخبرات | ضعف التنفيذ | متوسط |
| Economic and Social Commission for Western Asia | التنمية الإقليمية | دعم سياسي | تأثير مؤسسي متوسط | متوسط |
| International Law Commission | القانون الدولي | خبراء ودعم فني | تراجع الثقل القانوني | متوسط |
| International Residual Mechanism for Criminal Tribunals | العدالة الدولية | تمويل ودعم سياسي | ضعف الاستدامة | قوي |
| International Trade Centre | التجارة والتنمية | تمويل وبناء قدرات | تقليص دعم الدول النامية | قوي |
| Office of the Special Adviser on Africa | قضايا أفريقيا | دعم سياسي وتحليلي | تراجع الأولوية المؤسسية | متوسط |
| Office of the SRSG for Children in Armed Conflict | حماية الأطفال | دعم سياسي وتمويلي | ضعف آليات الرصد | قوي |
| Office of the SRSG on Sexual Violence in Conflict | العنف الجنسي في النزاعات | دعم سياسي وتمويلي | تراجع آليات المساءلة | قوي |
| Office of the SRSG on Violence Against Children | حماية الطفل | دعم معياري | ضعف البرامج الوقائية | متوسط |
| Peacebuilding Commission | بناء السلام | مشاركة سياسية ومالية | ضعف التنسيق الدولي | قوي |
| UN Peacebuilding Fund | بناء السلام | مساهمات مالية رئيسية | ضعف الاستقرار | قوي |
| Permanent Forum on People of African Descent | حقوق الأقليات | دعم سياسي ورمزي | تأثير رمزي محدود | ضعيف |
| UN Alliance of Civilizations | الحوار الحضاري | دعم سياسي | تراجع الزخم الدولي | متوسط |
| UN-REDD Programme | المناخ والغابات | تمويل ومشاركة سياسية | تقليص برامج الحد من الانبعاثات | قوي |
| UN Conference on Trade and Development | التجارة والتنمية | دعم مالي وفني | ضعف أجندة الدول النامية | قوي |
| UN Democracy Fund | الحوكمة | ممول رئيسي | انكماش البرامج | قوي |
| UN Energy | الطاقة | دعم تنسيقي | تأثير متوسط | متوسط |
| UN Women | حقوق المرأة | تمويل محوري | فجوة تمويلية كبيرة | قوي |
| UN Framework Convention on Climate Change | المناخ | تمويل ونفوذ سياسي | إضعاف القيادة المناخية | قوي |
| UN Human Settlements Programme | التنمية الحضرية | تمويل ودعم فني | تباطؤ البرامج | متوسط |
| UN Institute for Training and Research | التدريب وبناء القدرات | تمويل وبرامج | تقليص التدريب | متوسط |
| UN Oceans | المحيطات | دعم تنسيقي | تأثير متوسط | متوسط |
| UN Population Fund | الصحة الإنجابية | دعم مالي ولوجستي | تراجع الخدمات | قوي |
| UN Register of Conventional Arms | الشفافية العسكرية | دعم سياسي | ضعف الإبلاغ | متوسط |
| UN System Chief Executives Board for Coordination | تنسيق أممي | مشاركة سياسية | تأثير إداري محدود | ضعيف |
| UN System Staff College | تدريب الكوادر | دعم تدريبي | أثر تشغيلي محدود | ضعيف |
| UN Water | المياه | دعم تنسيقي | تأثير متوسط | متوسط |
| UN University | البحث والتدريب | تمويل وأكاديميون | تقليص البرامج | متوسط |
[1] يشير ملحق (1) إلى جدول يوضح مساهمة الولايات المتحدة في أبرز المنظمات الواردة في القرار الرئاسي (يناير 2026)، مع تقدير التأثيرات المؤسسية والسياسية والمالية المتوقعة بعد الانسحاب
[2] قضية “غولدوتر ضد كارتر” (1979): رسخت هذه القضية سلطة الرئيس الأمريكي في الانسحاب من المعاهدات الدولية منفرداً. حيث اعترض السيناتور غولدوتر على قرار الرئيس كارتر بإنهاء معاهدة الدفاع مع تايوان دون موافقة مجلس الشيوخ. وقد رفضت المحكمة العليا الفصل في القضية، واعتبرتها “مسألة سياسية” تخص الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وليست مسألة قانونية للقضاء. ليصبح العرف السائد أن للرئيس حق إلغاء المعاهدات بقرار تنفيذي دون الحاجة لتصويت الكونغرس.






























