فتح انخراط حزب الله في إسناد إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل يوم 2 مارس 2026 بعد اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي في 28 فبراير 2026 صفحة جديدة في سلسلة المواجهات ما بين إسرائيل وحزب الله ولبنان من جهة وفي مستقبل لبنان على المستويات السياسية والأمنية والعسكرية من جهة أخرى. وبينما جاء انخراط حزب الله في هذه الحرب مدفوعًا بأسباب تبدو وجودية بالنسبة له، فإن تداعيات هذا الانخراط على الحزب وعلى الدولة اللبنانية تبدو أنها لن تقل وجودية عن هذه الأسباب.
متغيرات جوهرية
تتسم المواجهة الحالية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى بمجموعة من المتغيرات الجوهرية عن حرب الاثني عشر يومًا التي اندلعت بين الجانبين في يونيو 2025، وقد مثّلت هذه المتغيرات مجتمعة عوامل مهمة دفعت حزب الله إلى تغيير موقفه عن حرب الاثني عشر يومًا والانخراط في الحرب، وهي على النحو التالي:
وجودية الحرب:
يتقاطع انخراط حزب الله في الحرب بشكل كامل مع جوهر قيام الحزب ونشأته من جهة ودوره المفترض تجاه إيران باعتباره خط دفاع متقدم لها من جهة أخرى؛ إذ يمثل استهداف المرشد الأعلى للثورة الإسلامية استهدافًا للأساس العقائدي للحزب؛ بالنظر إلى مكانة المرشد بالنسبة للحزب من جانب وبالنسبة لعموم الشيعة المؤمنين بمبدأ ولاية الفقيه من جانب آخر، في ضوء إيمان الحزب “بقيادة الولي الفقيه إيمانًا ومنهجًا، وأن الولي الفقيه هو ولي الأمر والقائد الذي يشرع حقيقة المواقف فيما يتعلق بالتحديات وبالمسئولية الشرعية”.
كما أن استهداف المرشد بما يعكسه من إشارة أو رغبة في إسقاط النظام الإيراني يجعل معركة إيران ومعها وكلائها وأهمهم حزب الله في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل معركة وجود وبقاء، ولا شك أن إسقاط النظام الإيراني يرتب بدوره تداعيات كبيرة على بقاء التنظيمات الموالية له، ومنها حزب الله، بما قاد في النهاية إلى حتمية انخراط حزب الله في هذه الحرب.
متوالية الاستهداف:
أدرك حزب الله أن اندلاع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بالتزامن مع استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع لبنان في نوفمبر 2024 يعني بصورة مباشرة أن الحزب سيكون التالي في المواجهة، وأنه سيكون عُرضة لعمليات عسكرية إسرائيلية أكثر حدة من ذي قبل بهدف نزع سلاحه، لا سيّما مع التقديرات الإسرائيلية التي تشير إلى أنه يعكف على إعادة بناء قواته العسكرية وعدم نجاح الجيش اللبناني، وفقًا للرؤية الإسرائيلية، في مهمة حصر السلاح بيد الدولة.
وبناءً على ذلك توصل الحزب إلى رؤية مفادها أن التصعيد من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران لا ينفصل بأي من الأشكال عن مجمل التصعيد الإسرائيلي ضد حزب الله، بما يجعل المعركة ضد إيران في جوهرها معركة واحدة تجمع إيران وحزب الله في آن واحد، على العكس تمامًا من حرب يونيو 2025.
مواجهة الضغوط الداخلية:
جاء اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وانخراط حزب الله فيها بالتزامن مع إعلان الحكومة اللبنانية في منتصف فبراير 2026 إقرار خطة الجيش لحصر السلاح في شمال نهر الليطاني بما يشمل المنطقة الواقعة من نهر الليطاني شمالًا باتجاه نهر الأولي قرب صيدا، بعد استكمال المرحلة الأولى في جنوب الليطاني.
وبناءً على ذلك، قد يمثل قرار حزب الله بانخراطه في هذه المواجهة سبيلًا لمواجهة الضغوط الداخلية المتصاعدة ضده والرامية إلى نزع سلاحه، وذلك من خلال إثبات أنه لا يزال يمتلك قدرات عسكرية يمكن أن يقاوم بها أي مساعٍ لنزع السلاح، فضلًا عن الترويج إلى أن هذا السلاح هو سلاح مقاومة عن لبنان في مواجهة المشروع الأمريكي الإسرائيلي.
مسار العمليات
معركة استنزاف:
يشير نمط العمليات الجاري بين إسرائيل وحزب الله إلى أن هذه المعركة تتجه إلى أن تكون معركة استنزاف لكلا الطرفين، فمن ناحية حزب الله يسعى الحزب إلى تخفيف الضغط عن إيران واستنزاف قدرات إسرائيل الدفاعية، لا سيّما ما يتعلق بالصواريخ الاعتراضية.
وهو ما يظهر من خلال تطوير عملياته على أكثر من جبهة وبأكثر من مستوى سواء باستهداف القوات الإسرائيلية المتوغلة في جنوب لبنان أو باستهداف المستوطنات الإسرائيلية في الشمال أو استهداف مواقع عسكرية في حيفا وتل أبيب وصولًا إلى إطلاقه ما سمّاه عملية “العصف المأكول” التي بدا فيها التنسيق العملياتي بين حزب الله وإيران بشكل واضح.
أما من ناحية إسرائيل، فإن طبيعة انخراط حزب الله في هذه المعركة قد أوضحت حجم الاستعداد الذي كان يقوم به الحزب طيلة الشهور الماضية التي انكفأ فيها على نفسه منذ نوفمبر 2024 استعدادًا لهذه المعركة. ولهذا تهدف تل أبيب -التي كانت على أتم الاستعداد هي الأخرى لهذه المعركة وكانت بانتظار ذريعة إطلاقها فقط- إلى استنزاف هذه القدرات العسكرية لحزب الله واستغلال هذا الانخراط للكشف عن مواقع إضافية لمنصات إطلاق الصواريخ وأماكن تخزين الذخائر كافة، لا سيّما وأن قسمًا من عمليات الحزب قد انطلق من منطقة جنوب الليطاني.
تقويض حزب الله:
هدفت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان منذ نوفمبر 2024 إلى تحقيق هدف الضغط من أجل نزع السلاح، سواء من خلال الضغط باستهداف مواقع حزب الله واستهداف قياداته، أو من خلال الضغط المباشر وغير المباشر على الدولة اللبنانية لتنفيذ نزع السلاح.
ويستمر هذا الهدف قائمًا في العمليات الجارية؛ إذ ستستمر إسرائيل في تنفيذ النمطين كليهما، مع احتمالية إضافة نمط آخر وهو استهداف المنشآت المدنية أو الاقتصادية اللبنانية، مع إصدار أوامر إخلاء لمساحات شاسعة من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت ونزوح مئات الآلاف من اللبنانيين؛ لتنفيذ مزيد من الضغوط على الدولة لتنفيذ نزع السلاح، باعتبار ذلك، وفق السردية الإسرائيلية المستمرة، جزءًا من التزامات الدولة اللبنانية في اتفاق وقف إطلاق النار الموقع 27 نوفمبر 2024.
ولا تبدو حالة الجدل الدائرة حاليًا في بيروت حول دور الجيش اللبناني وقائده العماد رودلف هيكل بعيدة عن هذه الأهداف الإسرائيلية الرامية إلى إجبار لبنان على تنفيذ خطة نزع السلاح ولو بالقوة من خلال الاشتباك مع حزب الله. لا سيّما وأن إسرائيل تعمد إلى استثمار الزخم الدولي المصاحب للحرب الجارية مع إيران وتوسع رقعة الصراع من أجل إتمام هذه المهمة.
توسيع المنطقة العازلة:
تشير استعدادات الجيش الإسرائيلي على الحدود مع لبنان إلى نية لتنفيذ اجتياح بري للجنوب، استغلالًا للحظة الحرب الراهنة والزخم الدولي المصاحب لها، خاصة مع الانخراط الأمريكي والأوروبي، لا سيّما وأن انخراط حزب الله في إسناد إيران يضيف ذرائع معتبرة بالنسبة لإسرائيل وحلفائها الغربيين لتنفيذ هذا الاجتياح وهي تتمحور حول مواجهة الخطر الذي لا يزال يمثله حزب الله على أمن إسرائيل.
ومن المحتمل أن تتوسع المنطقة العازلة في جنوب لبنان، وكذا أن تأتي خطوة هذا الاجتياح البري بعد أن يستكمل الجيش الإسرائيلي مراحل استهداف قدرات حزب الله التي يمكن استهدافها جوًا. فضلًا عن تفكيك الحاضنة الشعبية الخاصة بالحزب من خلال استهداف المنشآت اللبنانية وإخلاء مناطق واسعة، فضلًا عن استكمال الاستطلاع المتقدم لقدرات حزب الله في هذه المناطق من خلال الإنزالات التي تقوم بها القوات الإسرائيلية على غرار ما حدث أكثر من مرة في البقاع والخيام، وقد تصدى حزب الله لبعضها، في إطار استعداده المسبق لذلك.
تداعيات واسعة
التفاوض القسري:
انخرط لبنان وإسرائيل في مفاوضات مباشرة في ديسمبر 2025 لأول مرة منذ عام 1983، وذلك تحت وقع الضغوط العسكرية الإسرائيلية على الدولة اللبنانية، بما دفع الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى طرح مبادرة للتفاوض بهدف أساسي وهو تخفيف الضغط العسكري. ويبدو الوضع حاليًا مشابهًا إلى حد كبير لذلك؛ إذ عاد الضغط العسكري الإسرائيلي بصورة أكبر، ومعها عادت مبادرة الرئيس عون للتفاوض مع إسرائيل في محاولة للحد من التصعيد العسكري، بشريطة وقف إطلاق النار وتقديم الدعم للجيش.
ومثلما كان التركيز الأساسي لإسرائيل في المفاوضات السابقة على المضامين الاقتصادية للمفاوضات وما يمكن أن ينشأ من مشروعات اقتصادية مشتركة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكية، فإن أي مفاوضات مقبلة سيكون الإصرار الإسرائيلي ذاته حاضرًا، مع تهميش أي مضامين عسكرية وأمنية يركز عليها لبنان بالمقام الأول. وترمي تل أبيب من وراء ذلك إلى دفع لبنان إلى الانضمام قسرًا إلى مباحثات سلام، ربما تكون مباحثات ثلاثية وليست ثنائية فقط، تضم كلًا من لبنان وسوريا وإسرائيل.
احتمالات تهديد السلم الأهلي:
عكس قرار الحكومة اللبنانية في 2 مارس 2026، بالحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية وحصر عمله في المجال السياسي، تصميمًا من جانب الحكومة على نزع سلاح حزب الله، والمضي قدمًا في المرحلة الثانية من خطة الجيش لحصر السلاح والتي تمتد أربعة أشهر حتى يونيو 2026 قابلة للتمديد.
إلا أن طبيعة تعامل الحكومة مع سلاح الحزب خلال الأشهر الماضية كشفت عن أن نزع سلاح الحزب بالقوة لا يزال خيارًا مؤجلًا، بالنظر إلى ما قد يرتبه من تداعيات واسعة على السلم الأهلي في البلاد، ويؤثر على تماسك الجيش. وبينما يشير قرار الحكومة بحظر الحزب إلى أن مسار نزع السلاح بالقوة قد يتقدم، فإن ما ينطوي عليه هذا الأمر من مخاطر يجعل من الصعب توقع الإقدام على ذلك، ومن ثم يكون قرار الحظر مخصصًا بشكل أكبر للتأكيد على التزام الحكومة بالمضي قدمًا في مسار حصر السلاح بيد الدولة، لا سيّما مع صعوبة إقدام الجيش اللبناني على اتخاذ قرار بهذه المواجهة، وهو ما يفسر الخلاف الحالي بين رئيس الحكومة نواف سلام وقائد الجيش رودلف هيكل.
عزلة حزب الله:
رتب انخراط حزب الله في إسناد إيران تداعيات كبيرة على الحزب ذاته، من أهمها بوادر التفكك في حاضنته الشعبية الشيعية نتيجة النزوح والضربات الإسرائيلية، وكذلك بوادر الانقسام في تحالف الثنائي الشيعي مع حركة أمل، بما يظهر في تصويت وزراء حركة أمل لصالح قرار الحكومة بحظر حزب الله، بما يخالف القاعدة بأن يكون تصويت وزراء الثنائي الشيعي واحدًا في مواجهة أي قرارات قد تتعرض للحزب. وهو ما يعزى إلى أن قرار الحزب بإسناد إيران جاء منفردًا ودون التشاور مع رئيس حركة أمل نبيه بري الذي تلقى قبل ذلك تأكيدات من حزب الله بعدم الانخراط في الحرب.
ويؤدي ذلك إلى زيادة عزلة حزب الله على المستويين السياسي والشعبي، بما سيدفعه لاحقًا إلى التركيز على خطاب تعرض الطائفة الشيعية بوجه عام وشيعة لبنان على وجه الخصوص للتهديد، ومن ثم محاولة حشد حاضنته الشعبية من خلال الخطاب الديني الذي يصور المعركة باعتبارها معركة وجود للطائفة. ومع تأجيل الانتخابات التشريعية اللبنانية وتمديد عمل لمجلس النواب لمدة عامين، فإن حسابات التحرك بالنسبة للحزب ستكون أقل، ومن ثم الخيارات أوسع، مع فقدان التعويل على تململ الطائفة في إحداث تغيير انتخابي يعيد الوزن السياسي للحزب إلى الوراء، لا سيّما وأن التحول الراهن في موقف حركة أمل قد لا يكون مستدامًا، وإنما يهدف إلى الحفاظ على موقعه الوازن السياسة اللبنانية وعلاقاته مع مختلف القوى الإقليمية والدولية من جهة، وعلى موقعه داخل الطائفة الشيعية اللبنانية وعلى الوجود السياسي الشيعي في حد ذاته من جهة أخرى.
إجمالًا، على الرغم من أن الحرب الجارية في لبنان ارتبطت بدايتها بإسناد إيران، فإن مسارها لن يتوقف على مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وإنما يتوقع أن تمتد إلى ما بعد انتهاء الحرب ضد إيران، أيًا كان موعد انتهائها. وأن ترتب بدورها تداعيات واسعة على الدولة اللبنانية وتزيد الضغوط الواقعة عليها سواء فيما يتعلق بحصر السلاح أو فيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل.