انعقد مؤتمر العمل السياسي المحافظ Conservative Political Action Conference CPAC لعام 2026 في ولاية تكساس في الفترة من 25 إلى 28 مارس، وقد مثل هذا الحدث منصة مهمة لمؤيدي الرئيس دونالد ترامب لمناقشة قضايا بارزة مثل السياسة الخارجية، الاقتصاد، والهجرة، بالإضافة إلى متابعة تأثير السياسات الأمريكية على الساحة الدولية، ويعد المؤتمر مناسبة مركزية لفهم الاتجاهات السياسية للمحافظين في الولايات المتحدة، وقياس الدعم الشعبي لمرشحين محتملين للانتخابات القادمة، إضافة إلى تبادل الأفكار والخبرات بين مختلف أجنحة الحركة، كما أن ظروف انعقاده خلال العام الجاري والتي تأتي بالتزامن مع استمرار الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران، وما يتبع ذلك من تأثير على الأوضاع الاقتصادية قد يؤثر على موقع الجمهوريين خلال انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
أولًا- ظروف انعقاد الدورة الحالية:
انعقد مؤتمر Conservative Political Action Conference (CPAC) هذا العام في سياق سياسي داخلي معقد داخل المعسكر المرتبط بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب Donald Trump؛ حيث برزت الخلافات بشكل أكثر وضوحًا بين أطراف التيار المحافظ حول عدد من القضايا الرئيسية، وعلى رأسها الحرب مع إيران وطبيعة العلاقة مع إسرائيل ودور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وقد تحوّل المؤتمر، الذي يُعد تقليديًا أحد أبرز التجمعات السنوية لرموز اليمين الأمريكي، إلى منصة تعكس حالة الجدل داخل الحركة المحافظة، خصوصًا في ظل التوتر المتزايد بين التيارات التي تدعو إلى سياسة خارجية أكثر تشددًا وتلك التي تميل إلى تقليص التدخلات العسكرية الخارجية.
ويحمل انعقاد المؤتمر هذا العام دلالة خاصة بسبب غياب ترامب نفسه عن فاعلياته، وهو أمر غير معتاد منذ نحو عقد من الزمن؛ إذ كان المؤتمر خلال السنوات الماضية يمثل إحدى أهم المنصات التي استخدمها لتأكيد نفوذه داخل القاعدة المحافظة وللترويج لأجندته السياسية المرتبطة بشعار “اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى”، كما لفت الانتباه أيضًا غياب عدد من الشخصيات البارزة المرتبطة بالإدارة أو بالحركة المحافظة، من بينها نائب الرئيس ” دي فانس” J. D. Vance وحاكم ولاية فلوريدا ” رون ديسانتيس” Ron DeSantis، وهو ما أثار تساؤلات حول دلالات هذا الغياب قياسا على التوقيت[1] .
وتزداد أهمية المؤتمر هذا العام نظرًا لتزامنه مع الاستعدادات السياسية المبكرة لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي المقررة في عام 2026، ففي العادة يُنظر إلى مؤتمر CPAC باعتباره مساحة للنقاش الاستراتيجي داخل التيار المحافظ؛ حيث يتيح للقيادات السياسية والناشطين تبادل الرؤى حول أولويات المرحلة المقبلة، ولذلك ينظر عديد من المحللين إلى النقاشات التي شهدها المؤتمر هذا العام باعتبارها مؤشرًا مبكرًا على الاتجاهات المحتملة داخل الحزب الجمهوري، خاصة فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية والعلاقة مع إسرائيل والتعامل مع الصراعات في الشرق الأوسط.
ورغم الانقسامات التي ظهرت خلال المؤتمر، فإن الصورة العامة تشير إلى استمرار الدعم الواسع لسياسات ترامب داخل القاعدة المحافظة، فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي أُجريت بين المشاركين أن نسبة كبيرة من الجمهوريين لا تزال تؤيد طريقة تعامله مع الحرب؛ حيث أشار أحد الاستطلاعات إلى أن ما يقرب من ثمانية من كل عشرة جمهوريين يوافقون على إدارته للأزمة، ومع ذلك، فإن هذا الدعم لا يبدو متساويًا بين مختلف الفئات داخل القاعدة الجمهورية؛ إذ تشير بعض المؤشرات إلى أن مستوى التأييد أقل بين الجمهوريين الشباب وبعض الناخبين المستقلين ذوي الميول المحافظة، وهي الفئات التي تمكن ترامب من تحقيق اختراق ملحوظ بينها خلال انتخابات عام 2024[2].
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028، أثار غياب ترامب عن المؤتمر تساؤلات أوسع حول مستقبل الحركة المحافظة في حال تراجع حضوره السياسي أو انتقالها إلى مرحلة ما بعد ترامب، وقد عكست نتائج استطلاع غير رسمي أُجري بين المشاركين في المؤتمر جانبًا من هذا النقاش؛ حيث أظهر الاستطلاع وجود انقسام نسبي بين الحضور حول الشخصية التي يمكن أن تقود الحزب الجمهوري في المستقبل، فقد جاء نائب الرئيس” دي فانس” J. D. Vance في صدارة الأسماء المطروحة بنسبة تأييد بلغت نحو 53٪، يليه وزير الخارجية الأمريكي” ماركو روبيو” Marco Rubio. وعلى الرغم من احتفاظ فانس بالمركز الأول، فإن النتائج أظهرت تراجعًا في نسبة دعمه مقارنة بالعام السابق عندما حصل على نحو 61٪ من الأصوات، في المقابل، شهد دعم روبيو ارتفاعًا ملحوظًا؛ إذ ارتفعت نسبة تأييده إلى نحو 35٪ بعد أن كانت لا تتجاوز 3٪ في استطلاع العام السابق، وهو ما يعكس صعودًا تدريجيًا لدوره داخل القاعدة المحافظة.
كما أظهرت نتائج الاستطلاع مواقف واضحة لدى المشاركين بشأن قضايا السياسة الخارجية؛ حيث أيد نحو 90٪ من الحاضرين استخدام القوة العسكرية لإسقاط النظام الإيراني، فيما اعتبر حوالي 85٪ منهم أن إسرائيل تمثل أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة، وتشير هذه النتائج إلى أن شريحة كبيرة من القاعدة المحافظة المشاركة في المؤتمر تميل إلى تبني مواقف متشددة في السياسة الخارجية، رغم استمرار الجدل داخل التيار المحافظ حول حدود التدخل العسكري الأمريكي، وانعكاسًا لذلك لم يحصل المستشار السابق لترامب “ستيف بانون” Steve Bannon، المعروف بمواقفه المتحفظة تجاه التورط في الحروب الخارجية، على دعم يُذكر في الاستطلاع هذا العام، رغم أنه كان قد حصل على نسبة أكبر من الأصوات في نسخة المؤتمر السابقة، ويعكس هذا التراجع ربما تحول المزاج العام داخل المؤتمر نحو مواقف أكثر تشددًا في التعامل مع إيران[3].
كما شهدت بعض الجلسات نقاشات حادة حول السياسة الخارجية والهجرة والإعلام، في حين لقي عدد من المسئولين المرتبطين بإدارة ترامب استقبالًا حماسيًا من الحضور، خاصة أولئك المرتبطين بسياسات الهجرة المتشددة، فقد حظي” توم هومان” Tom Homan، المسئول عن ملف الحدود في إدارة ترامب، باستقبال حافل عندما تحدث عن أرقام عمليات الترحيل التي نفذتها الإدارة خلال الفترة الماضية، كما نال “غريغ بوفينو” Greg Bovino، الذي قاد حملة الترحيل الجماعي خلال فترة عمله في دوريات الحدود الأمريكية، تصفيقًا كبيرًا من الجمهور عند حديثه عن الإجراءات المتخذة لتعزيز الرقابة على الحدود.
وفي سياق النقاشات الداخلية، وُجّهت أيضًا انتقادات إلى بعض التيارات المتطرفة داخل اليمين الأمريكي، خصوصًا التيار المرتبط بما يُعرف بالقومية البيضاء[4]، ومن أبرز الأسماء التي أثير حولها الجدل في هذا السياق الناشط اليميني المتطرف ” نيك فيونتس” Nick Fuentes، مؤسس حركة “Groypers”، وهي جماعة تُتهم بالترويج لأفكار القومية البيضاء والتفوق العرقي ومعاداة السامية، وقد أثار ظهوره في بعض المنصات الإعلامية جدلًا واسعًا داخل الأوساط المحافظة، خاصة بعد استضافته في مقابلة مع المعلق السياسي ” تاكر كارلسون” Tucker Carlson؛ الأمر الذي دفع عددًا من الجمهوريين التقليديين إلى انتقاد منح مثل هذه الشخصيات مساحة للتعبير عن آرائها، وفتح نقاشًا أوسع حول حدود الخطاب المقبول داخل التيار المحافظ.

ومن ناحية أخرى، اتسم المؤتمر هذا العام بطابع دولي واضح؛ إذ شاركت فيه شخصيات سياسية من خارج الولايات المتحدة، ومن أبرز هذه الشخصيات رئيسة الوزراء البريطانية السابقة ” ليز تروس” Liz Truss، إلى جانب الرئيس البولندي Karol Nawrocki كما ظهر على منصة المؤتمر ممثلون عن تيارات محافظة في عدد من الدول، من بينها أستراليا والبرازيل وألمانيا والمجر واليابان، وقد أكد هؤلاء المشاركون أنهم يعملون على إنشاء مؤتمرات مماثلة في بلدانهم لتعزيز التعاون بين الحركات المحافظة حول العالم وتبادل الخبرات السياسية والتنظيمية.
وفي سياق النقاشات المتعلقة بالسياسة تجاه إيران، شهد المؤتمر ظهور ولي العهد الإيراني السابق ” رضا بهلوي” Reza Pahlavi، الذي يعيش في المنفى منذ سقوط نظام والده خلال الثورة الإيرانية 1979، وخاطب بهلوي الحضور مؤكدًا استعداده للمشاركة في قيادة حكومة جديدة في إيران إذا سنحت الفرصة لإحداث تغيير سياسي داخل البلاد، كما دعا الإيرانيين إلى الانتفاض عندما تحين اللحظة المناسبة، وأعرب عن تقديره لسياسات ترامب تجاه النظام الإيراني، وذهب في حديثه إلى تصور إمكانية تحول إيران مستقبلًا إلى حليف للولايات المتحدة بدلًا من كونها خصمًا لها.
إلى جانب هذه النقاشات، تناول المؤتمر أيضًا قضايا الإعلام والسياسة الداخلية، فقد تحدث رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية “براندن كار” Brendan Carr عن توجه الإدارة لإعادة تنظيم المشهد الإعلامي في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى قرارات تتعلق بوقف تمويل بعض المؤسسات الإعلامية العامة مثل PBS وNPR واعتبر كار أن هذه الإجراءات تأتي في إطار مواجهة ما وصفه بوسائل الإعلام التي تنشر معلومات مضللة عن الإدارة[5].
في المجمل، يعكس مؤتمر CPAC هذا العام صورة أكثر تعقيدًا للحركة المحافظة الأمريكية. فبينما لا يزال ترامب يحتفظ بتأثير واسع داخل القاعدة الجمهورية، فإن النقاشات التي شهدها المؤتمر تكشف عن تحولات تدريجية داخل التيار المحافظ، سواء على مستوى المواقف من السياسة الخارجية أو على مستوى التوازنات الداخلية بين الأجيال المختلفة داخل القاعدة الانتخابية. كما تشير هذه النقاشات إلى أن الحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية والسياسية قد تلعب دورًا مهمًا في تشكيل ملامح المنافسة السياسية في الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة، سواء في انتخابات التجديد النصفي عام 2026 أو في السباق الرئاسي المتوقع عام 2028.
ثانيًا- الشخصيات الرئيسية المعبرة عن الانقسام:
داخل إطار الانقسام في صفوف المحافظين الأمريكيين حول الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، برزت شخصيتان كرمزين للمواقف المتباينة تيد روز Ted Cruz ومات جاتز Matt Gaetz:
يُعرف كروز بمواقفه الصارمة والمحافظة، سواء على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي، ويظهر بوضوح كمدافع عن القيم التقليدية وحرية السوق وتقليص حجم الحكومة الفيدرالية. وفي الشأن الخارجي، يتخذ موقفًا حازمًا تجاه التهديدات الدولية، خصوصًا إيران وكوريا الشمالية، ويُظهر دعمًا قويًا لإسرائيل، مع تحذيره المستمر من الانزلاق نحو معاداة السامية في بعض التيارات الانعزالية داخل الحركة المحافظة، خلال مؤتمر CPAC، عبّر كروز عن موقفه الداعم للعمل العسكري في إيران باعتباره عملية محدودة تستهدف إضعاف البرنامج النووي الإيراني، مؤكدًا أن هذا النوع من التدخل يختلف عن الحروب الطويلة السابقة في العراق وأفغانستان، وأنه يمثل وسيلة لحماية الأمن الأمريكي والدولي دون استنزاف كبير للموارد.

على الجانب الآخر، يُمثل جاتز Gaetz التوجه المعارض للتورط العسكري؛ حيث أعرب عن قلقه خلال المؤتمر من أن أي غزو بري لإيران قد يؤدي إلى استنزاف اقتصادي وأمني كبير للولايات المتحدة، ويرفع أسعار الطاقة والمواد الغذائية ويزيد من التوترات الدولية. موقفه يعكس حساسية تجاه المصالح الداخلية الأمريكية، لكنه لا يتعارض مع دعم إسرائيل؛ حيث يظل Gaetz مؤيدًا لأمنها وسياساتها الدفاعية، ومع ذلك، يعكس موقفه التحفظي أثرًا واضحًا على جيل الشباب المحافظ، الذي يظهر قلقًا من الانخراط في صراعات طويلة تؤثر على حياتهم الاقتصادية والاجتماعية؛ مما قد يقلل من مشاركتهم السياسية والدعم للحزب الجمهوري في المستقبل.

ثالثًا- اتتخابات التجديد النصفي:
بدأت ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية عام 2025 وسط تغييرات في السياسة الأمريكية، خصوصًا فيما يتعلق بإدارة الانتخابات والإشراف على ممارسات التصويت على مستوى الولايات، فقد حاولت الإدارة الفيدرالية فرض معايير جديدة للناخبين من خلال إصدار أمر تنفيذي يطالب بإثبات الجنسية عند تسجيل الناخبين، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا على المستوى السياسي والقانوني، بالإضافة إلى ذلك، سعت الإدارة لتمرير تشريع في الكونغرس باسم قانون إنقاذ أمريكا بهدف توسيع نطاق هذه الإجراءات؛ مما أثار اعتراضات قانونية من بعض الولايات، أبرزها Minnesota، التي اعتبرت أن هذه الخطوة تتجاوز صلاحيات الحكومة الفيدرالية وفق الدستور الأمريكي؛ إذ يمنح الولايات الحق الأساسي في تنظيم الانتخابات داخليًا.[6]
كما أن الصراع القانوني حول سجلات الناخبين أضاف بعدًا آخر للتوتر؛ إذ رفعت وزارة العدل دعاوى ضد عشرات الولايات للحصول على نسخ من سجلات الناخبين بهدف التحقق من الالتزام بقانون انتخابي صدر عام 2002 يسمى Help America Vote Act، لكن بعض الولايات رفضت تسليم هذه السجلات استنادًا إلى قوانين الخصوصية؛ مما جعل النزاعات مستمرة أمام المحاكم، وأدى إلى خلق حالة من عدم اليقين القانوني التي قد تؤثر على شكل الانتخابات المقبلة، وفي ظل هذه النزاعات، بدأت بعض الولايات بالفعل في إصدار قوانين جديدة تعكس السياسات الفيدرالية، مثل فرض شرط إثبات الجنسية أو تقليص التصويت عبر البريد، وهو ما قد يشكل عامل ضغط على الانتخابات النصفية لعام 2026 ويعيد تشكيل المشهد السياسي على مستوى الولايات.[7]
من الجدير بالذكر أن الإدارة الفيدرالية لم تكتف بمحاولة تعديل قواعد تسجيل الناخبين، بل حاولت أيضًا التأثير على عمليات إعادة رسم الدوائر الانتخابية، والتي تعد أدوات مهمة لضمان توزيع المقاعد البرلمانية بما يخدم مصالح الحزب الجمهوري، وقد برز هذا بشكل خاص في تكساس؛ حيث ضغط ترامب على الجمهوريين لإعادة تقسيم الدوائر؛ مما أثار جدلًا واسعًا بين الولايات. في المقابل، حاولت الولايات التي يسيطر عليها الديمقراطيون حماية العملية الانتخابية من أي تدخل محتمل، مثل ولاية نيو مكسيكو التي أصدرت قانونًا يمنع دخول قوات فيدرالية أو عناصر مسلحة إلى مراكز الاقتراع، في محاولة واضحة لضمان نزاهة الانتخابات وحماية الناخبين من أي ضغوط سياسية[8].
وهذا التوتر بين الحكومة الفيدرالية والولايات حول إدارة الانتخابات يعكس تحديًا أمام الناخبين الأمريكيين؛ إذ أن التغييرات المتكررة والمراجعات القانونية المستمرة قد تربك الناخب العادي حول كيفية التسجيل والتصويت، أما على صعيد شعبية ترامب، شهد الرئيس تراجعًا تدريجيًا منذ بداية ولايته الثانية، في البداية، كان التأييد العام له يصل إلى نحو 52%، وهو ما منح إدارته هامشًا كبيرًا لتحريك سياساتها المتعلقة بالهجرة والتجارة والضرائب والإنفاق الحكومي، لكن مع تصاعد التوتر العسكري مع إيران وارتفاع تكاليف المعيشة، تراجعت هذه النسبة تدريجيًا إلى نحو 40%؛ حيث أن ارتفاع أسعار البنزين إلى حوالي أربعة دولارات للجالون أثّر بشكل واضح على مزاج الناخبين، خاصة الشباب والناخبين المستقلين الذين لعبوا دورًا محوريًا في فوز ترامب في انتخابات 2024، وهذا التراجع في التأييد يخلق تحديًا سياسيًا أمام الحزب الجمهوري، إذ أن استمرار الحرب مع إيران وارتفاع الأسعار قد يقلل من حماس الناخبين في انتخابات التجديد النصفي؛ مما قد يهدد سيطرة الحزب على الكونغرس[9].
رابعًا- كيف تتأثر الانتخابات النصفية؟
يبدو أن الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران لم تترك آثارها في السياسة الخارجية فقط، بل بدأت تنعكس على التوازنات الداخلية داخل الحزب الجمهوري نفسه، فالنقاشات التي برزت في الأوساط المحافظة، ولا سيما خلال فاعليات مؤتمر Conservative Political Action Conference (CPAC)، كشفت عن انقسام بين اتجاهين داخل التيار اليميني، الاتجاه الأول: لا يزال يميل إلى تبني سياسة خارجية أكثر تشددًا، تقوم على دعم إسرائيل ومواجهة إيران باعتبار ذلك جزءًا من الدور القيادي للولايات المتحدة في النظام الدولي وجزءًا من عقيدة الإنجيليين الدينية، في المقابل، يزداد حضور تيار آخر أكثر ميلًا إلى الانعزالية، يتبنى خطاب أمريكا أولًا ويرى أن الانخراط في صراعات الشرق الأوسط يستهلك الموارد الأمريكية دون عائد مباشر للمصالح الداخلية.
فبينما لا تزال القاعدة الجمهورية الأكبر سنًا، خصوصًا المرتبطة بالتيار الإنجيلي، تُظهر دعمًا قويًا للرئيس ولسياساته في التعامل مع إيران ودعم إسرائيل، فإن قطاعًا من المحافظين الشباب يبدو أكثر تشككًا في جدوى هذا النهج ويميلون إلى إعطاء الأولوية للقضايا الداخلية مثل تكاليف المعيشة والاقتصاد، ويرون أن الموارد الأمريكية ينبغي أن تُوجه إلى الداخل بدلًا من الانخراط في حروب طويلة ومكلفة في الخارج، وهذا التغير النسبي في مواقف الجيل الجديد قد ينعكس على مستوى الحماس السياسي والمشاركة الانتخابية في الانتخابات النصفية المقبلة.
في الوقت نفسه، تلعب الحرب وتداعياتها الاقتصادية دورًا مهمًا في تشكيل المزاج السياسي العام، فارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن الصراع يضعان الإدارة الأمريكية أمام تحدٍ متزايد، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وفي حال استمرت الحرب أو اتسع نطاقها، فقد تتحول هذه الضغوط الاقتصادية إلى عامل يؤثر على أداء الحزب الجمهوري انتخابيًا، خاصة بين الناخبين المستقلين الذين غالبًا ما يحددون نتائج الانتخابات في الولايات المتأرجحة، ولكن رغم هذه التحديات، فلا يزال ترامب يمثل نقطة التوازن الأساسية داخل الحركة المحافظة. فقاعدته الانتخابية التقليدية، لا تزالت تُظهر مستويات مرتفعة من الولاء السياسي، وهو ما يمنح الحزب الجمهوري قدرًا من الاستقرار في مواجهة الانتقادات الداخلية، كما أن بعض المراقبين يرون أن محاولات ترامب للتأثير في قواعد وإجراءات الانتخابات، إلى جانب الإجراءات التنفيذية التي تبنتها بالفعل بعض الولايات، قد تمنح الجمهوريين أدوات إضافية للحفاظ على مكاسبهم السياسية في انتخابات التجديد النصفي.
ولذلك، فعلى الرغم من الأهمية الكبيرة التي تُوليها إدارة ترامب للسياسة الخارجية، يبدو أن هذا الملف ليس من ضمن العوامل الأولى التي تحدد سلوك الناخب الأمريكي، فالقاعدة الأكبر من الجمهوريين لا تزال تدعم الرئيس بشكل أساسي بسبب القضايا الداخلية، وعلى رأسها إدارة الهجرة؛ غير أن هذه المعادلة قد تتغير إذا بدأت السياسات الخارجية والتدخلات العسكرية، مثل استمرار الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران، في التأثير على الأولويات الأساسية للمواطنين الأمريكيين، وعلى نحو خاص ارتفاع أسعار المحروقات والتضخم، وفي هذه الحالة يصبح التأثير الخارجي أكثر وضوحًا على حياتهم اليومية؛ مما قد يدفع الناخب الأمريكي إلى إعادة تقييم مواقفه السياسية وربما تعديل قراراته الانتخابية بما يعكس الضرر المباشر الذي يتعرض له نتيجة هذه الصراعات الخارجية.
[1] https://www.haaretz.com/us-news/2026-03-25/ty-article/.premium/conservative-conflicts-over-iran-war-and-israel-to-take-center-stage-at-cpac/0000019d-25e8-d8a3-abff-3de880fc0000
[2] https://www.npr.org/2026/03/28/nx-s1-5764275/cpac-2026
[3] https://www.spokesman.com/stories/2026/mar/28/vance-wins-cpac-straw-poll-but-rubio-gains-steam-a/
[4] التيار القومي الأبيض هو حركة سياسية متطرفة تقوم على فكرة تفوق العرق الأبيض ورفض الهجرة والتعددية الثقافية، ويعارض حقوق الأقليات ويعتبرها تهديدًا لاستمرارية المجتمع الأبيض، كما يروج لأيديولوجيا عنصرية ويستخدم الرموز التاريخية المرتبطة بالتمييز، وغالبًا ما يتبنى مواقف متطرفة سواء سياسيًا أو أمنيًا، مما يجعله تهديدًا للمجتمعات متعددة الأعراق ومصدر قلق في بعض الحركات اليمينية المتشددة
[5] https://www.latimes.com/world-nation/story/2026-03-28/at-cpac-young-old-conservative-divide-over-iran-war#
[6] https://www.votebeat.org/national/2026/03/30/trump-federal-interference-2026-midterm-elections-votebeat-event-steve-simon-john-merril/
[7] ibid
[8] https://www.votebeat.org/national/2026/03/30/trump-influence-state-election-laws-2026-midterms/