طُرحَ على مدار السنوات الأخيرة عدد من المشروعات اللوجستية التي تقوم فكرتها على استغلال دولة أو عدد من الدول المتحالفة لموقعها الجغرافي بهدف تشييد ممرات لوجستية تخدم خطوط التجارة الإقليمية والعالمية المارة في نطاق إقليم محدد أو العابرة للقارات خاصة الواصلة منها بين شرق آسيا وغرب أوروبا وأمريكا، ولقد تنوعت تلك المشروعات اللوجستية المطروحة بين ممرات مائية تعتمد على المحيطات والبحار المفتوحة وأيضًا القنوات الصناعية في عملية تنقل السفن، وممرات برية تستخدم السكك الحديدية والطرق وخطوط الأنابيب في عملية نقل البضائع والمنتجات البترولية، فضلًا عن ممرات متعددة الوسائط تقوم بالدمج بين الطرق البرية والبحرية في عمليات تداول السلع.
وتحسب تلك المشروعات الجديدة على أنها منافس مستقبلي محتمل لقناة السويس، لأنها قد تنتقص من حصة التجارة المارة بهذا الممر المائي المصري الذي يعد حاليًا أهم ممر ملاحي صناعي في العالم؛ مما قد يعود بالسلب على اقتصادات القناة وبالتالي الاقتصاد المصري ككل، لكن هناك الكثير من الشكوك التي تثار حول احتمالية عدم نجاح بعض من تلك المشروعات المنافسة حال تنفيذها، فيما تثار شكوك أخرى حول عدم إمكانية تنفيذ بعض المشروعات من الأساس، وهو ما يعطي انطباعًا غير دقيق حول عدم قابلية منافسة قناة السويس المصرية على المديين المتوسط والبعيد، هذا ما يستوجب تحليلًا لمستوى التقدم الحاصل في عملية تنفيذ وتشغيل تلك المشروعات حتى تاريخ نشر هذا التقرير، وذلك للوصول إلى تقييم موضوعي حول فرضية خسارة قناة السويس لجزء من حركة أعمالها في المستقبل.
سيركز التقرير الأول من سلسلة ” قناة السويس في مواجهة المنافسة العالمية” على الممرات المائية التي يُعتقد أنها قد تصبح منافسًا مستقبليًا تقليديًا لقناة السويس، حيث من المحتمل تسهيل تلك الممرات عبور السفن بما عليها من حمولات كبيرة الحجم، دون الحاجة لأي عمليات شحن أو تفريغ كما في الممرات متعددة الوسائط، ويبلغ عدد تلك الممرات المائية المقترحة حتى الآن ستة ممرات، خمسة منها منتشرة حول قارات العالم، فيما يوجد واحد فقط داخل إقليم الشرق الأوسط، وهم كالتالي:
1- الممر الشمالي الشرقي الروسي
يتميز هذا الطريق بقصر مسافته الفاصلة بين شرق آسيا وشمال غرب أوروبا، حيث لا يزيد طول الرحلة بين بحر اليابان وبحر النرويج من خلاله عن 8 آلاف ميل بحري، في حين تبلغ ذات الرحلة عبر طريق قناة السويس أكثر من 12 ألف ميل بحري –انظر الخريطة التالية رقم1-، كما يتميز هذا الممر بعدم وجود نقاط اختناق أو توتر أمني على امتداده، لكن يعيبه موسمية حركة أعماله، فهو غير متاح للمرور سوى لأشهر معدودة خلال فصل الصيف حينما تقل كثافة الثلوج، كما يعيبه الاحتياج الدائم للتجهيزات الخاصة مثل كاسحات الجليد بهدف خوض مياهه المليئة بالجبال الجليدية المتناثرة.
خريطة رقم 1: مسار الممر الشمالي الشرقي الروسي بالمقارنة مع مسار قناة السويس المقابل

المصدر: تقرير منشور على موقع شبكة ABC الأخبارية الأمريكية.
تسببت التغيرات المناخية التي وصلت آثارها إلى القطب الشمالي، بما تسبب في فتح آفاق غير متوقعة لتنشيط هذا الممر، حيث يتوقع العلماء أن تصبح المناطق المتاخمة للسواحل الروسية الشمالية عديمة الثلوج خلال فترة الصيف في غضون ثلاثة عقود على الأكثر، وهو ما سيمكن روسيا من استغلال آبار النفط والغاز تحت هذه المناطق، فضلًا عن إتاحة حركة الملاحة الحرة بين شرق آسيا وغرب أوروبا على مدار ثلاثة أشهر في العام، هذا ما حفز الحكومة الروسية في أواخر 2022 للإعلان عن خطة تبلغ قيمتها 1.8 تريليون روبل “30 مليون دولار”، بهدف تشييد مشروعات تنموية لخدمة التجارة العابرة بهذا الممر الواعد، بالإضافة إلى بناء أسطول من السفن التجارية المقواة ضد صدمات الجليد، وهو ما سيسهل من تداول 160 مليون طن من البضائع سنويًا بحلول العام 2035، كما سيساعد دولة الصين على تدشين مشروعها المعرف بطريق الحرير القطبي.
2- الممر الشمالي الغربي الكندي
يتكون هذا الطريق من مجموعة ممرات تلتف بين سواحل وجرز شمال كندا –انظر الخريطة التالية رقم 2-، ويمكن لهذا الممر أن يسهم في تقليص المسافة بين شرق آسيا وغرب أوروبا إلى أقل من عشرة آلاف ميل بحري، في حين أن ذات المسافة باستخدام قناة بنما تجاوز الاثني عشر ألف ميل بحري، وباستخدام طريق قناة السويس تقارب على أربعة عشر ألف ميل.
خريطة رقم 2: مسار الممر الشمالي الغربي الكندي

المصدر: خريطة منشورة على موقع الموسوعة المفتوحة Britannica.
لكن تلك الميزة اللوجستية لم تساعد الممر الكندي على تبوء مكانة مهمة في عالم الملاحة البحرية الدولية، وذلك لوجود عدد من المعوقات التي تعرقل تطويره وتعظيم الاستفادة منه، وأبرزها طبيعة التضاريس القطبية القاسية بتلك المنطقة، التي يزيد فيها انتشار جبال الجليد بشكل مهدد لسلامة السفن العابرة، فضلًا عن انعدام البنية التحتية الكافية لخدمة حركة التجارة البحرية المارة، ويضاف إلى كل هذا الخلاف السياسي القائم بين حكومتي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا حول حق الأخيرة في إدارة الممر باعتباره ملكية خاضعة للسيادة الكندية الخالصة، وليس ممرًا دوليًا كما تريد واشنطن التي تسعى لتأمين مصالحها الأمنية والاقتصادية المرتبطة بهذا الممر.
3- قناة بنما
طمحت السلطات الكولومبية التي كانت تحكم منطقة بنما في القرن التاسع عشر إلى محاكاة مشروع قناة السويس المصري عن طريق شق ممر مائي يربط المحيطين الأطلنطي والهادي، ولقد كان ضِيق المسافة الفاصلة بين المحيطين عند المنطقة المعروفة باسم برزخ بنما – انظر الخريطة التالية رقم 3- حافزًا لتنفيذ هذا المشروع. حاول الفرنسيون وعلى رأسهم مهندس مشروع قناة السويس فيرديناند دليسيبس مساعدة كولومبيا في تنفيذ مشروعها الواعد بداية من عام 1881، لكن العديد من العقبات وقفت حائلًا دون إكماله، حيث كانت أعمال الحفر غاية في الصعوبة بسبب غزارة الأمطار الموسمية وانتشار الغابات الكثيفة، كما أدى انتشار الزواحف السامة والحشرات الناقلة للأمراض المعدية إلى ارتفاع معدلات الوفيات بين العمال، وهو ما أدى في عام 1889 لتوقف الجهود الفرنسية التي كلفت المستثمرين الدوليين قرابة 300 مليون دولار أمريكي.
خريطة رقم 3: برزخ بنما

المصدر: خريطة منشورة على موقع جامعة ولاية بنسلفانيا الأمريكية تعود للعام 1904.
استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تكمل ما بدأه الفرنسيون متجاوزة العقبات التي واجهوها من قبل، حتى افتتحت قناة بنما أمام الملاحة الدولية في عام 1914، لتصبح بذلك ثاني أهم ممر ملاحي عالمي من صنع الإنسان بعد قناة السويس، وهمزة الوصل الرئيسية بين شرق الأمريكتين وغربيهما، ولقد سهل التصميم الهندسي للقناة القائم على نظام الأهوسة مرور حوالي 700 ألف سفينة تجارية خلال قرن من الزمان، لكن ما عاب قناة بنما خاصة في العقود الأخيرة هو عدم إمكانية تحملها للسفن ذات الحمولات الساكنة التي تفوق تسعين ألف طن على أقصى تقدير، هو ما لم يتماش مع تطور شكل الملاحة الدولية وتعاظم أحجام السفن الراغبة في العبور.
دفع هذا التحدي الحكومة البنمية إلى إطلاق مشروع جديد في 2016، وهو المسمى بالتشكيل الثالث من الأهوسة Third Set of Locks، الذي أتاح الفرصة أمام السفن البالغة حمولاتها الساكنة 160 ألف طن لعبور قناة بنما، ليرفع ذلك من نسبة التجارة الدولية المارة بالقناة إلى 6% سنويًا وذلك بعد أن كانت 4% فقط في عام 2010، لكن هذا التطوير لم يوصلها إلى منافسة قدرة قناة السويس التي يمكنها استقبال سفن تبلغ حمولاتها الساكنة 240 ألف طن.
طال قناة بنما خلال النصف الثاني من العام الماضي 2023 تحدٍ آخر مفاجئ وغير مسبوق تاريخيًا، وهو المتمثل في جفاف البحيرات العذبة المغذية للأهوسة. حيث تسببت تلك الأزمة في تقلص عدد السفن المارة يوميًا إلى 22 سفينة لينخفض حجم أعمال القناة بذلك إلى نسبة 40%، كما أدت الأزمة لتكدس السفن أمام مداخل القناة فضلًا عن إطالة زمن انتظارها لأكثر من عشرين يومًا قبل العبور، وهو ما هدد بتعطيل 270 مليار دولار من التجارة العالمية المتداولة عبر هذا الممر، فضلًا عن خسارة سلطات قناة بنما لأكثر من 600 مليون دولار من عائداتها السنوية.
تسري التوقعات باحتمالية تعافي قناة بنما من أزمتها بحلول العام القادم 2025، إلا أن التغيرات المناخية قد يكون لها دور في تكرر حالة الجفاف مرارًا وتكرارًا، وهو ما سيقلل من جاذبية القناة للخطوط الملاحية العالمية التي ستخشى من خطر تعطل أعمالها، ليدفع هذا التحدي الجديد بالسلطات البنمية إلى محاولة إيجاد طرق هندسية فاعلة للحفاظ على نسب المياه المطلوبة لاستمرار عمل الأهوسة. ويمكن التعقيب في هذا الصدد بأن طموحات قناة بنما ستتمحور خلال الفترة القادمة حول المحافظة على حجم الأعمال التقليدي الذي تم تسجيله قبل أزمة الجفاف، والذي وصل بعدد السفن المارة سنويًا لأربعة عشر ألف سفينة، فيما ستتأجل أي مشروعات للتطوير والتوسعة على المديين القريب والمتوسط.
4- قناة نيكاراجوا
سعت السلطات الحاكمة لنيكاراجوا على مدار قرون أن يكون لتلك المستعمرة السابقة والدولة الحالية قناة مائية تسهل نقل التجارة العابرة بين السواحل الشرقية والغربية لقارتي أمريكا الشمالية والجنوبية، وهو ما يجنب السفن التجارية خطر الالتفاف حول شمال كندا أو الاضطرار للنزول حول رأس القرن بجنوب أمريكا اللاتينية، وحتى بعد إنشاء قناة بنما بقي الحلم راسخًا لدى نيكاراجوا في تشييد قناة أكبر وأفضل من سابقتها، وذلك لاستيعاب السفن ذات الحمولات الضخمة التي تفوق 300 ألف طن.
لكن هناك العديد من المعوقات البيئية والاقتصادية التي وقفت حائلًا دون تنفيذ هذا الطموح، والتي كان من بينها تقلب الظروف الطبيعية بالمنطقة المقترحة لشق القناة مثل كثرة الفيضانات والزلازل فضلًا عن تفجر البراكين وانتشار الأمراض المدارية المعدية، كما أن الخصائص الجيولوجية لأرض المشروع دائمًا ما كانت توصف بقسوتها، وهو ما صعب أي خطة موضوعة للحفر، ليدفع ذلك بالمخططين في إحدى المحاولات للتفكير في استخدام القنابل الذرية لشق بعض المواقع في مسار القناة المقترحة، وهو ما كان من شأنه أن يتسبب في أضرار بيئية خطيرة حال تنفيذه.
حاولت نيكاراجوا تاريخيًا أن تعوض النقص الذي تعانيه في الخبرة والقدرة العلمية والمالية والفنية، عن طريق التعاون مع بعض الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين، لكن محاولتها انتهت بالفشل العاجل، فدائمًا ما أثبتت الدراسات علو كلفة المشروع في مقابل عوائده المتوقعة، ولقد كانت آخر تجربة في هذا الصدد في عام 2014 حينما بدأت إحدى الشركات الصينية في حفر بعض المواقع، تمهيدًا للبدء في أعمال حفر وتشييد واسعة لقناة ذات أهوسة تتشابه في طريقة عملها مع قناة بنما، مع الفارق في الكبير في قدرتها الاستيعابية السنوية، لكن المشروع ألغي تمامًا في منتصف عام 2024 حينما لم تثبت الشركة الصينية قدرتها على إكمال المشروع.
ومن المتوقع أن يبقى طموح تشييد تلك القناة حلم بعيد المنال، لكن الآمال ستظل معقودة على تطور التكنولوجيات الفنية التي من شأنها تسهيل تلك المهمة المعقدة، كما سيظل مشروع تشييد قناة نيكاراجوا عرضة للأهواء السياسية المحلية التي تظهر وتختفي بين حين وآخر على حسب الاحتياج، لكن هناك مشروع بديل وواقعي قد تلجأ السلطات في نيكاراجوا إليه في المستقبل القريب، وهو المتمثل في مد شبكات برية من السكك الحديدية والطرق السريعة وأنابيب البترول، وذلك للمساعدة في نقل البضائع التي تعجز قناة بنما عن التعامل معها نتيجة للجفاف المستمر في بحيراتها، ويمكن التقدير بذلك أن مشروعات نيكاراجوا لن تكون منافسة لقناة السويس بقدر منافستها ومناوئتها لقناة بنما القريبة التي ستزيد أزمتها مع استمرار وطأة التغيرات المناخية العالمية.
5- رأس الرجاء الصالح
تربع هذا الطريق على رأس الممرات البحرية الرابطة بين شرق العالم وغربه منذ أواخر القرن الخامس عشر وحتى أواخر القرن التاسع عشر، إلا أن أهميته أخذت في الخفوت مع افتتاح مصر لقناة السويس عام 1869، حيث ساعدت القناة المصرية على اختصار المسافة بين أقصى شرق آسيا وأقصى غرب أوروبا بنسبة تقارب على 26% -انظر الجدول التالي رقم 4- كما قلصت من أزمنة الرحلات بما متوسطه 20 يومًا بالمقارنة باستخدام طريق رأس الرجاء الصالح. ولقد عملت الدولة المصرية خلال العقود الماضية على توسعة وزيادة مرافق قناة السويس، وهو ما ساعدها على إمكانية استقبال ناقلات الحاويات العالمية من مختلف الأحجام، فضلًا عن 93% من إجمالي سفن الصب، و61.2% من سفن نقل البترول.
جدول رقم 4: المسافة الفاصلة بين ثلاث وجهات دولية عبر طريق قناة السويس وطريق رأس الرجاء الصالح.
| من | إلى | المسافة (بالميل البحري) | الوفر في المسافة عن طريق استخدام قناة السويس | الوفر في المسافة عن طريق استخدام قناة السويس | |
| عن طريق قناة السويس | عن طريق رأس الرجاء الصالح | بالميل البحري | بالنسبة المئوية | ||
| طوكيو | روتردام | 11,192 | 14,507 | -3,315 | 23% |
| سنغافورا | روتردام | 8,288 | 11,755 | -3,467 | 29% |
المصدر: إحصاءات هيئة قناة السويس
أسهمت محدودية إقبال السفن العالمية على استخدام طريق رأس الرجاء الصالح في ضعف نشاط الموانئ الأفريقية المطلة على مسار الطريق بدول مدغشقر وجنوب أفريقيا علاوة على دول ليبيريا وسيراليون وغينيا والسنغال غيرها من دول الساحل الغربي الأفريقي، هذا ما حد من ضخ الاستثمارات التنموية فيها على مدار العقود الماضية، ليتسبب ذلك في بقاء تلك المواني خاصة موانئ الحاويات منها بين فئة الموانئ الصغيرة أو المتوسطة على أكثر تقدير، كما حُرمت أغلب تلك الموانئ الصغيرة من إمكانية الدخول في تصنيفات التنافسية العالمية، أما النسبة القليلة من الموانئ الأفريقية التي نجحت في إيجاد مكان لها داخل تلك التصنيفات، لم تستطع بإمكاناتها المحدودة أن تجاوز المراتب الأخيرة داخل أي تصنيف عالمي –انظر الجدول التالي رقم 5-.
جدول رقم 5: مواني الحاويات الأفريقية الواقعة على مسار طريق رأس الرجاء الصالح وفقًا لدولتها وترتيبها العالمي للعام 2022.

المصدر: The container port performance index 2022
ملاحظة 1: العدد الإجمالي لموانئ الحاويات العالمية التي يقيمها هذا التقرير يبلغ 348 ميناء فقط.
ملاحظة 2: لم ترد أي من موانئ دولتي غينيا بيساو وغامبيا في التقرير من الأساس.
ساعدت التوترات الأمنية التي اندلعت بجنوب البحر الأحمر منذ نوفمبر الماضي 2023 على إعادة الزخم إلى طريق رأس الرجاء الصالح، بعد قيام العديد من خطوط الشحن العالمية بتحويل حركة سفنها باتجاه هذه الممر الملاحي عوضًا عن طريق قناة السويس الذي قفزت كلفة التأمين على السفن المارة عبره بمقدار عشرين ضعفًا، وذلك خلال المدة من أكتوبر 2023 حتى فبراير 2024 فقط، ولقد دللت الإحصاءات الدولية على تلك الحالة المزدهرة التي يعيشها طريق رأس الرجاء الصالح الذي ارتفعت حركة السفن العابرة عليه بنسبة تجاوز 41% خلال عام واحد -انظر الشكل التالي رقم 6-.
شكل رقم 6: عدد السفن التجارية المسجل عبورها بطريق رأس الرجاء الصالح في اليوم الأول من كل شهر ميلادي على مدار عام فائت.

المصدر: منصة إحصاءات حركة الشحن البحري العالمي Port watch التابعة لصندوق النقد الدولي.
تعاني الموانئ الأفريقية الآن من حالة ضغط وازدحام كبيرة، هذا ما يدفع السفن العابرة لتجنب الوقوف بها إن أمكن، لذلك تتصاعد الأصوات الإقليمية والدولية المطالبة بتطوير تلك الموانئ، استغلالًا لحالة التحول الراهنة في عالم الشحن البحري، لكن الاستثمارات في هذا الصدد لا تزال توصف بترددها، فمن المحتمل أن تعود الحركة لطبيعتها بطريق قناة السويس؛ مما سيؤدي لخسارة المبالغ المدفوعة في تطوير الموانئ الأفريقية، كما أن هناك خشية من توسع أعمال القرصنة في غرب أفريقيا تبعًا لتوسع الأنشطة البحرية التجارية، وذلك في مقابل محدودية قدرات دول غرب أفريقيا على تأمين الطرق البحرية وسوء التنسيق بينها.
من المحتمل أن يتم العمل خلال السنوات القادمة على حل مختلف المعضلات التي تعطل تطوير طريق رأس الرجاء الصالح، وذلك لإبقائه بديلًا فعالًا لطريق قناة السويس الذي من الممكن أن يواجه حالة تعطل جديدة حال نشوب أزمات أخرى على غرار الأزمة الراهنة، كما تدفع التكنولوجيات الحديثة المستخدمة في بناء السفن إلى إمكانية الاعتماد على طريق رأس الرجاء الصالح حتى ولو لم يتم تطوير الموانئ الأفريقية المطلة عليه، حيث ستعتمد سفن المستقبل على مصادر طاقة نظيفة ومستدامة، فضلًا عن تحملها لسعات أكبر من البضائع وهو ما سيجبرها على خوض المياه المفتوحة متجنبة العبور بقناة السويس التي لها غواطس محددة.
- قناة بن جوريون عرضت
عرضت الولايات المتحدة الأمريكية على حليفتها إسرائيل في مطلع الستينيات فكرة ربط البحرين الأبيض والأحمر عن طريق شق قناة مائية موازية لقناة السويس المصرية، ولقد كان مقترحًا أن يمر مسار هذا المجرى الملاحي من إيلات على ساحل البحر الأحمر، مرورًا بصحراء وجبال النقب ذات الطبيعة التضاريسية القاسية، وصولًا إلى مدينة بئر السبع ثم ساحل البحر المتوسط عند عسقلان –انظر الخريطة التالية رقم 7-، ولقد وضع الأمريكيون تصورًا لاستخدام مئات من القنابل النووية بهدف حفر مجرى القناة الذي يبلغ طوله 160 ميلًا، لكن التقديرات الأمريكية عادت لتأكد علو الكلفة الاقتصادية والسياسية لمثل هذا المشروع، وهو ما مثل تراجعًا أمريكيًا سريعًا عن الفكرة.
خريطة رقم 7: مسار القناة المائية المقترحة بين البحرين الأحمر والمتوسط

المصدر: تقرير سري صادر بتاريخ 1 يوليو 1963، أرشيف وزارة الطاقة الأمريكية.
ظلت إسرائيل متعلقة بأمل إمكانية حفر قناة مائية موازية لقناة السويس على مدار العقود الماضية، وذلك لعظم الفوائد الاقتصادية والسياسية التي قد تجنيها دولة إسرائيل من وراء مثل هذا المشروع اللوجستي، ليدفعها الأمر إلى طرح أفكار تمثل تحديًا هندسيًا للتغلب على الصعوبات الطبيعية التي تلاقي ممر القناة المقترح في صحراء النقب والعقبة. كان تشييد قناة تعمل بنظام الأهوسة مثل قناة بنما واحد من تلك الأفكار باهظة الكلفة، حيث رأى المخططون في ذلك فرصة للتعامل مع مشكلة الارتفاعات المتفاوتة للجبال في منطقتي النقب والعقبة، إلا أن الدراسات أثبتت صعوبة الحفر والتشييد بتلك الجبال الوعرة، كما أن استعمال الأهوسة المائية في الصحراء يطرح تساؤلًا آخر حول كيفية تحويل كميات المياه الضخمة التي ستحتاجها عمليات الغلق والفتح لكل هويس.
عادت إسرائيل لتطرح فكرتها على العالم من جديد في السنوات الأخيرة خاصة بعد حادث جنوح السفينة أيفير جيفين، حيث ادعت إسرائيل أنها تقدم حلًا لوجستيًا غير قابل للتعطل وهو المتمثل في قناة بن جورين المقسمة لممرين متوازيين أحدهما للذهاب والآخر للإياب، ولقد حاولت إسرائيل إقناع بعض الدول العربية الغنية التي دخلت معها في مصالحات سياسية لكي تشاركها في تنفيذ المشروع، إلا أن الأمر برمته لا يزال أملًا غير قابل للتحقق، خاصة أن مشروع ممر التوابل الهندي يأسر حاليًا تفكير الإسرائيليين وشركائهم الإقليميين والدوليين على حد سواء.
ختامًا، الممرات البحرية الستة المقترحة لا يحتمل أن تمثل خطرًا على قناة السويس المصرية على المديين القصير والمتوسط، إلا أن هناك ممرين من بينهما يمكن أن يتحولا لمنافسين قويين على المدى الطويل وهما الممر الشمالي الروسي وممر رأس الرجاء الصالح وذلك في حال زيادة الاستثمارات المتعلقة بتطوير البنية التحتية الخادمة لهما، فضلًا عن تطوير نوعيات السفن التجارية الملائمة لعبور هاذين الممرين.
المراجع المستخدمة
أولا: المراجع العربية
- مقال بعنوان تعزيز تنافسية قناة السويس في مواجهة الطرق المنافسة والبديلة، محمد علي إبراهيم، القسم الأول، العدد الأول، دورية الأمن القومي والاستراتيجية، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، يناير 2023.
- تقرير بعنوان قناة السويس الجديدة.. خمس سنوات من النجاح، مصطفى عبداللاه، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أكتوبر 2019.
- تقرير بعنوان قناة السويس الممر الملاحي الأكثر أهمية في حركة التجارة العالمية، الهيئة العامة للاستعلامات، فبراير 2022.
- تقرير بعنوان هجمات الحوثي على الملاحة البحرية: ضربات كثيرة وتأثيرات متباينة، مصطفى عبداللاه، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، يونيو 2024.
- تقرير بعنوان قناة بن غوريون بين رفض الجغرافية وإلحاح الاستعمار، نسرين على سلامة، الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين، سبتمبر 2023.
ثانيا: المراجع الأجنبية
- Development in the Russian arctic report, Artic Portal, The arctic Gateway organization, Iceland, 20th of Sep 2023.
- Northwest Passage report, Artic Portal, The arctic Gateway organization, Iceland.
- Northeast Passage report, Artic Portal, The arctic Gateway organization, Iceland.
- The Nicaragua Canal: Potential impact on international shipping and its attendant challenges report, Chen and others, Maritime Economics & Logistics, 2017.
- The Panama Canal: an army’s enterprise Book, Center of military history, USA Army, W.D.C, 2009.
- The new Panama Canal research Paper, Menarguez & La Flor, Technical University of Madrid, August 2017.
- Disruption vs Expansion: African Ports and the Red Sea Crisis Challenges report, Opportunities, Emirate policy center, 25 Apr 2024.
- Use of nuclear explosives for excavation of sea-level canal across the Negev desert report, H. D. MacCabee, Lawrence Livermore national laboratory, USA, 1 July 1963.
باحث أول ببرنامج السياسات العامة






























