يحتفل العالم سنويًا باليوم العالمي للعمال ويربطونه باعتراضات العمال في أمريكا في القرن التاسع عشر على امتداد ساعات العمل، ولا يدرك البعض أن المصري القديم كان أول من حدد أوقات العمل وحافظ على العمال، بل وقدم حكام مصر الدرس الأول في معالجة مشكلة البطالة، كما كان المصري أول من قدس مهنة العامل وربطها بمعبود خاص بها.
وقد عبر المصري القديم عن معنى العمل بكلمة (اير) ومعناها يعمل، واللافت أن هذا المترادف لا يزال معروفًا حتى الآن في لهجتنا العامية، وعلى سبيل المثال “حاعمل الأكل” عوضًا عن طهي الطعام، “حاعمل الواجب” أي أذاكر دروسي.
في العصر الحديث حاول بعض العلماء وضع فرضية الاستعباد للعامل المصري، وذكرت الباحثة الفرنسية كريستيان ديروش نبلكور (عالمة آثار فرنسية قدمت عديدًا من الدراسات حول الحياة اليومية في مصر القديمة). أن العمال المصريين كانوا يساقون إلى مواقع العمل وقد وضعت عصابة على أعينهم حتى لا يعلموا مكان المقبرة، بل وأشارت إلى أن الآبار التي توجد في مقابر الدولة الحديثة في وادي الملوك كانت لإلقاء العمال بعد انتهاء العمل حتى لا يفشوا أسرار المقابر، وقد فند عبد المحسن بكير (عالم آثار مصري) في دراسة رائعة عن العبودية في مصر القديمة للألفاظ التي يروج لها الباحثون الأجانب حول العبودية، وقدم تحليلًا للفرق بين الخادم والعبد.
كما تقدم الوثائق التي خلفتها قرية العمال بدير المدينة؛ مما يؤكد تحرك العامل بكل حرية ودون قيود من وإلى العمل، ولدينا كذلك وثيقة رائعة تحدد حق العامل في الإجازات من عصر الأسرة التاسعة عشرة، ويبدأ النص بتأريخ الوثيقة: اليوم الثالث من الشهر الرابع من فصل الحصاد، ثم يذكر اسم العامل وسبب تغيبه عن العمل وعلى سبيل المثال لا الحصر:
- ملاحظ العمال نفر حتب: مريض
- ملاحظ العمال نب نفر ابن واد مس: مريض
- نب نفر ابن ناخي: مريض
- أمون ابن ايرت: ذهب للمعبد للمساعدة في احتفالات عيد حتحور
- رع حتب: مريض
- الرسام نفر حتب: يحتفل بعيد ميلاده
كما كان للعامل الحق في الأجازة حال ولادة طفل أو وفاة أحد الأقارب، وامتد الأمر ليشمل حق العامل في التغيب لرعاية زوجته إذا ألم بها عارض، وكان إجمالي أيام الإجازات الرسمية يصل إلى 42 يومًا سنويًا.
وبجانب ما سبق فإن المناظر والنصوص المختلفة طوال عصر الأسرات تؤكد أن الحضارة المصرية لم تقم على استعباد العامل؛ حيث أمر الملك خوفو من ملوك الأسرة الرابعة بأن يقوم العمال ببناء هرمه، ولما كان الأمر يحتاج إلى عدد كبير من العمال كان القرار الملكي بأن يوجد العمال في موقع العمل خلال فصل الفيضان؛ حيث تغمر الأراضي بالمياه، ولا يجد الكثير من الفلاحين وعمال الأراضي المأوى فكان المرسوم بقيام العمال ببناء هرم الملك خلال هذه الفترة في مقابل الطعام والشراب والمسكن الملائم، وكأنه بهذا وضع حلًا لمشكلة البطالة، وقدم ما يمكن باعتباره حياة كريمة، ويذكر نص في داخل الهرم الأكبر قول العمال (اليوم الأول من الشهر الأول من فصل الفيضان في العام السابع عشر من حكم خوفو نبدأ العمل) بمعنى أن العمال يبدأون العمل مع الفيضان ويعودون لأعمالهم الطبيعية بعد نهاية شهور فيض النيل، وكان العمال يقسمون إلى فرق من بينها ما ذكر باسم أصدقاء الملك خوفو؛ الأمر الذي يعني العلاقة القوية بين الملك وشعبه.
حرص الملوك في عصر الدولة الوسطي على الاستمرار في توفير حياة لائقة للعمال تستمر لمدد طويلة فكانت مدينة اللاهون (تقع في المدخل الجنوبي الشرقي من محافظة الفيوم، يشتق اسمها من الكلمة المصرية را حن أي فم البحيرة؛ حيث أقيم فيها أول سد في تاريخ الحضارة المصرية). التي قدم عمالها نموذجًا للعامل المستنير؛ حيث كشف في ربوع القرية عن برديلة تناولت أقدم معادلات رياضية من المستوي الثالث، وأقدم نموذج لبردية علاجية تناولت نحو 58 وصفة علاجية.
أما عصر الدولة الحديثة فقد قدم للعالم أعظم قرية عمال في العالم والتي اعتبرت نموذجًا لمدن العمال حول العالم برقيها وعظمتها، وهي قرية دير المدينة (تقع في البر الغربي لطيبة، وقد عرفت في النصوص المصرية باسم مكان الحق ” ست ماعت ” أما الاسم الحالي فيرجع أغلب الظن إلى الدير الذي تم بناؤه أثناء فترة الاضطهاد، وقد سكن قرية العمال بدير المدينة ابتداء من الدولة الحديثة على الأقل مجموعة من الفنانين والنحاتين والحجارين وقدموا درسًا رائعًا في الرسم والتلوين للمناظر وكانوا أول من صور مناظر التصويبات، وكان المعتمد أن التصويب يتم باللون الأسود والرسم باللون الأحمر عكس الشائع الآن) وهو ما أشار إليه الدكتور سامي جبرة (أحد أقطاب العمل الأثري في مصر يحسب له الكشف عن عديد من الوثائق القانونية المصرية القديمة) أن عمال دير المدينة كانوا يجتمعون نهاية الأسبوع في مجلس القنبة التي تشبه الآن الكنبة أو المصطبة الريفية للنقاش في أمور حياتهم، والتي كان منها الطريف؛ حيث قدموا نماذج للكاريكاتير مثل أقدم صراع بين القطط والفئران، وموضوعات تخص الحياة اليومية نقشوها على كسرات الفخار، وكتبوا عليها أحلامهم وطموحاتهم، ومن بينها رسالة شكر من أحد العمال إلى رئيسه الذي رقاه إلى درجة أعلى في العمل؛ الأمر الذي يعكس نظامًا اجتماعيا راقيًا يرفع من قدر من يعمل بكد واجتهاد، ويساعده على تحقيق طموحاته لمستقبل أفضل له ولأسرته، كما عبرت بعض الرسائل عن المشاعر الجميلة التي تعكس أن العامل لم يكن أداة بل كتلة جميلة من الجهد والعمل والمشاعر الفياضة، وفي أحد الرسائل يقول أحد العمال :(لا أنساكي يا محبوبتي أبدًا، وأتمني أن تجمعنا الأرباب قريبًا).
لم تخل حياة العمال من مواقف صعبة عبر عنها قرار مهم لمجلس القنبة بالتوقف عن العمل حين تأخرت رواتبهم، وهو حدث كان الأول من نوعه في العالم القديم، والملاحظ أن الملك رمسيس الثالث من ملوك الأسرة العشرين انحاز لجانب العمال، وأمر بصرف رواتبهم، ومعاقبة المتسبب في الأمر.
كان العمال في مصر القديمة لهم حقوق كثيرة وضعها النظام الملكي، وكانوا يتملكون بعض الأراضي بما يشبه الآن حق الانتفاع لاستصلاحها، ومنهم من تملك الأراضي؛ حيث كان سننجم رئيس العمال يصور في معية أسرته وهو يلعب معهم ويقضي أوقاتًا في الأرض التي كان يتملكها.
كل هذه الأمور منحت الحضارة المصرية حق الريادة في الحفاظ على حقوق العمال وحمايتهم اجتماعيًا؛ حيث يذكر أحد ملوك الأسرة الخامسة أن أحد مرافقيه قد توفي أثناء مرافقته للملك في إحدى المناسبات فقرر الملك رعاية أسرته، وتعيين ابنه في منصب لائق.
في عصري البطالمة والرومان حافظ العمال المصريون على حقوقهم، وحموا مكتسباتهم وأقيمت النقابات العمالية التي حافظت على كيان ونظام العمل، بل وأخذت بعض القواعد العمالية المصرية من عصر الأسرات ونقلتها إلى الحضارات المعاصرة.

العامل مع أفراد أسرته

حب العمل حتى في العالم الآخر
مدير وحدة دراسات حضارة مصر
