مقدمة
التحولات الجارية داخل قطاعات من النخب اليهودية في إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة لا يمكن اعتبارها مجرد ظاهرة عابرة في نقاش أخلاقي متأخر حول حرب غزة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها شأنا داخليا يخص الجاليات اليهودية وحدها. فتلك التحولات تمس أحد الأسس العميقة التي استندت إليها إسرائيل لعقود طويلة في إدارة علاقتها بالعالم الغربي. فقد قدمت إسرائيل نفسها ليس باعتبارها قوة عسكرية فقط، ولا كونها حليف استراتيجي فحسب، ولكن بصفتها حالة أخلاقية خاصة، نشأت من صدمة تاريخية كبرى، وتستحق بسبب هذه الصدمة مساحة استثنائية من التفهم السياسي والأمني علي مستوي الوعي الغربي والعالمي Mearsheimer & Walt, 2007) ) تتبع التحولات داخل الوعي اليهودي، بعد حرب غزة، خصوصا بين نخب الأمن والدبلوماسية والفكر والحركات المدنية، مدخل لفهم ما إذا كانت الشرعية التي أحاطت بإسرائيل في الغرب لا تزال تعمل بالكفاءة نفسها، أم أنها دخلت مرحلة تآكل بطيء لا تظهر آثاره بالضرورة في القرارات المباشرة للحكومات، لكنها تعيد تشكيل البيئة السياسية والمعنوية التي تتحرك فيها الحكومات الغربية ( (Allin & Simon, 2016.
نهاية الاستثناء الإسرائيلي
علي مدي عقود، ساعدت المؤسسات اليهودية الكبرى في الولايات المتحدة وبريطانيا، ومعها قطاعات واسعة من النخبة الإسرائيلية، في تثبيت المعادلة التي بدت مستقرة وعير قابلة للمراجعة والتي تقول أن إسرائيل دولة ناجية من الاضطهاد التاريخي، ومهددة في محيط عدائي، ومؤهلة لذلك للحصول على هامش واسع من الدعم أو التفهم، حتى عندما تكون سياساتها في غزة أو الضفة الغربية موضع انتقاد. ولم يكن هذا الإجماع يعني غياب الخلاف. فقد وجدت دائما أصوات يهودية ناقدة للصهيونية أو للاحتلال أو للحروب الإسرائيلية. الجديد أن النقد لم يعد محصور في الهامش الأيديولوجي أو الأكاديمي، بل صار يظهر من داخل طبقات كانت في السابق جزء من البنية التي تحمي الإجماع نفسه. من الأمثلة الأخيرة، تصريحات الرئيس السابق للموساد تمير باردو Tamir Pardo، المفاوض الإسرائيلي السابق دانييل ليفي Daniel Levy، والمثقف اليهودي الأمريكي الذي خرج من قلب الليبرالية الصهيونية بيتر باينارت Peter Beinart، وحركات يهودية أمريكية باتت قادرة على احتلال الفضاء العام بشعارات وقف الحرب ورفض الحديث باسم اليهود لدعم سياسات إسرائيل (Associated Press, 2023; Beinart, 2025; Levy, 2024).
هذا التحول لا يعني أن اليهود في الغرب أو إسرائيل يتحركون في اتجاه واحد. العكس هو الأدق. فالمشهد الحالي يعج بالانقسام والتنازع وليس بالإجماع علي دعم الدولة الإسرائيلية في ممارساتها الوحشية ضد المدنيين. فهناك مؤسسات لا تزال شديدة الالتصاق بالدفاع عن إسرائيل، مثل أيباك AIPAC في المجال السياسي الأمريكي، وهناك منظمات مثل رابطة مكافحة التشهير ADL تضع جزء كبير من نشاطها في إطار مواجهة معاداة السامية (Anti-Defamation League, 2024) وتنتقد بشدة منظمات يهودية يسارية مثل الصوت اليهودي من أجل السلام Jewish Voice for Peace . وفي المقابل، هناك أجيال أصغر، وقطاعات أكثر ليبرالية أو تقدمية، لم تعد تقبل بسهولة الربط التلقائي بين الهوية اليهودية والدفاع غير المشروط عن سياسات الدولة الإسرائيلية. لذلك فإن جوهر الظاهرة ليس “نوبة استيقاظ” عابرة أو تحول أخلاقي موحد، بل انتقال من إجماع منضبط إلى فضاء مفتوح من الصراع على المعنى في أوساط اليهود حول العالم؛ معنى اليهودية، معنى الصهيونية، معنى الأمن، ومعنى المسؤولية تجاه الفلسطينيين (Jewish Voice for Peace, n.d.; Pew Research Center, 2024).
كانت البنية القديمة لهذا الإجماع تقوم على ثلاثة أعمدة مترابطة. العمود الأول هو الذاكرة، وبخاصة ذاكرة الهولوكوست وما سبقها ورافقها من تاريخ طويل من العداء لليهود في أوروبا. هذه الذاكرة منحت إسرائيل موقع خاص في المخيلة الغربية، ليس فقط كدولة، بل كضرورة تاريخية. العمود الثاني هو الأمن، أي تصور إسرائيل ككيان صغير محاط بالتهديد، يحتاج إلى أدوات استثنائية لضمان البقاء. أما العمود الثالث فهو الدبلوماسية، أي الوعد بأن السيطرة على الفلسطينيين ليست وضع دائم، وأن مسار أوسلو وحل الدولتين سيقودان في نهاية المطاف إلى تسوية تعيد التوازن بين الأمن الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية. هذه الأعمدة الثلاثة سمحت لليبراليين اليهود، خصوصا في الولايات المتحدة وبريطانيا، بأن يحتفظوا بموقف يمكن توصيفه بأنه “مركب”، فهو يتكون من مبادئ أساسية هي نقد الاستيطان، القلق من اليمين الإسرائيلي، التعاطف الإنساني مع الفلسطينيين، لكن من دون التخلي عن أو مغادرة الإطار العام لدعم إسرائيل (Beinart, 2012; Thrall, 2017; Telhami, 2024).

ليفي: ضمير الدبلوماسي اليقظ
غير أن العمود الدبلوماسي انهار قبل أن يعترف بانهياره رسميا. فقد بقيت لغة حل الدولتين حاضرة في البيانات والخطب والتقارير، لكن الوقائع على الأرض تحركت في اتجاه مغاير. فقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة توسعاً استيطانياً شرساً في الضفة، ونظاما معقدا من الحواجز والطرق والمناطق الأمنية، وفصلا سياسيا وجغرافيا بين غزة والضفة الغربية، مع تآكل شرعية السلطة الفلسطينية، وصعود حكومات إسرائيلية أكثر يمينية لا تتعامل مع الدولة الفلسطينية بوصفها أفق جدي يتعين الوصول إليه. من هنا تأتي أهمية النقد الذي يقدمه دانييل ليفي Daniel Levy، لأنه يتحدث من داخل تجربة التفاوض. فقد كان ليفي ضمن وفد المفاوضات الإسرائيلي في مراحل من عملية أوسلو ومحادثات طابا، ثم بات من أبرز الأصوات التي ترى أن ما سمي “عملية السلام” تحول إلى آلية لإدارة الصراع وليس العمل علي إيحاد حل للصراع. في مقالة في صحيفة الجارديان The Guardian في أغسطس 2024، كتب ليفي أن الاستراتيجية الدبلوماسية الأمريكية تجاه إسرائيل وغزة لا تعمل، وأن السياسات الأمريكية تقوي موقف بنيامين نتنياهو بدل أن تفرض عليه ثمن سياسي واضح لإنهاء الحرب أو تغيير المسار (Levy, 2024).
ويمكن القول أن قراءة دانيال ليفي باتت مهمة لأنها تكسر ما يمكن تسميته بـ “الوهم المريح” الذي عاش داخله جزء من الليبرالية الغربية وهو الذي دأب علي انتقاد الاحتلال وفي الوقت نفسه الاستمرار في ترديد ضرورة التوصل إلي حل الدولتين كما لو كان قابل للتحقق بذات الأدوات القديمة. في هذا المنطق، تصبح الدبلوماسية وسيلة مريحة لتأجيل السؤال الأخلاقي الملح حول طريقة تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين. أما المقاربة الحقوقية، التي يشارك ليفي في بلورتها مع باحثين أخرين حول كسر الوضع القائم، فتقلب السؤال من “أين سترسم الحدود مستقبلا؟” إلى “ما هي الحقوق التي يملكها البشر الآن تحت النظام القائم؟”. هذا التحول من الجغرافيا إلى الحقوق لا يمكن اعتباره أمرا هامشيا، فهو يساعد في الانتقال من التعامل مع تسوية مؤجلة إلى الطرح الصريح لمساءلة حاضرة، ومن خريطة لم تعد تنفذ إلى البحث في معيار مساواة لا يمكن تأجيله بلا نهاية. ويري ليفي أن الوقت حان للانتقال من محاولة إبقاء عملية سلام ميتة إلى مقاربة تركز على الحقوق والنظام الدولي القائم على القواعد والأمن الإنساني لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين (Carnegie Endowment for International Peace, 2021).
باردو: تمرد من قلب المؤسسة الأمنية
على مستوى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، يمثل تمير باردو Tamir Pardo نقطة مختلفة في هذا التحول. فالمعلوم أن باردو ليس ناشط يساري ولا مفكر أمريكي يكتب من نيويورك أو لندن، بل رئيس سابق للموساد، أي أحد أبناء الجهاز الأكثر ارتباط بفكرة الأمن القومي الإسرائيلي. عندما قال في مقابلة نقلتها وكالة أسوشيتدبرس أن إسرائيل تطبق نظام فصل عنصري في الضفة الغربية بسبب وجود نظامين قانونيين مختلفين للفلسطينيين والإسرائيليين في المساحة نفسها، لم تكن أهمية التصريح في المصطلح وحده، بل في موقع المتحدث. توصيف بهذه الحدة، من رئيس المؤسسة الأمنية السابق، يكون من الصعب رده كله إلى خطاب تضامني أو أخلاقي مجرد، بل هو بمثابة تحول يشير إلي تصدع داخلي في فهم طبيعة النظام القائم (Associated Press, 2026).
جوهر موقف باردو أنه يسهم في تحول سلطة الاحتلال من مسألة أخلاقية خارجية إلى مأزق استراتيجي داخلي. فالنظام الذي يحكم شعبين بمنطقين قانونيين مختلفين لا ينتج فقط معاناة للفلسطينيين، بل يفرض على إسرائيل تناقض بنيوي بين يهودية الدولة وديمقراطيتها وسيطرتها طويلة الأمد على شعب لا تمنحه حقوق متساوية. هذه ليست معضلة جديدة، لكنها باتت أكثر حدة لأن فكرة “المؤقت” لم تعد مقنعة للداخل والخارج معاً. فالضفة الغربية لم تعد تبدو كأرض معلقة بانتظار تسوية قريبة، لكنها أصبحت تشكل نظاما متراكما من خبرة السيطرة اليومية العنيفة، بينما قطاع غزة تحول من ساحة منفصلة تدير ضدها إسرائيل عمليات عسكرية متقطعة، إلي وجه عنيف لمنطق أوسع يقوم علي إدارة الفلسطينيين عبر القوة والحصار والتجريد السياسي بدل تسوية حقوقهم الوطنية والإنسانية (Freilich, 2018; Scheindlin, 2023).
وقذ ظهرت حدود القوة بوضوح في غزة، فقد تمكنت إسرائيل من تدمير جزء من البنية العسكرية لحماس، والقضاء علي القادة البارزين والاف المقاتلين، وكذلك، استطاعت إعادة ترسيم بعض خرائط السيطرة الميدانية. لكنها لم تستطع بالقوة وحدها أن تنتج شرعية جديدة، ولا أن تحول مجتمع محاصر ومدمر إلى فضاء مستقر- مثلما كان يأمل بنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية. وهذه هي الفجوة بين الانتصار العملياتي الدي يزهو به نتانياهو والفشل الاستراتيجي لحكومته. فقد تربح الدولة معركة وتخسر قدرتها على تقديم تفسير لمعنى المعركة، غير المتكافئة، التي تخوضها بلا هوادة أمام العالم. وقد تفرض هذه الدولة الهدوء لبعض الوقت، لكنها تعمق الأسباب التي تجعل الانفجار التالي أكثر احتمالا. بهذا المعنى، أزمة إسرائيل، كما يفهمها نقاد أداء حكومتها من داخل المجتمع اليهودي نفسه، تتمحور حول قدرتها على استخدام القوة والبطش ضد الفلسطينيين علي مدي سنوات من الحملة العسكرية الوحشية، ولكن هذه القوة، نفسها، تعجز عن أن تكون أفق سياسي واضح (International Crisis Group, 2024).
في الداخل الإسرائيلي، يظل هذا النقد محاصر بعوامل ممانعة قوية؛ صدمة هجمات السابع من أكتوبر، الخوف من حماس، وتراجع الثقة في أي شريك فلسطيني. لذلك لا ينبغي المبالغة في أثر أصوات مثل تمير باردو Tamir Pardo على القرار السياسي اليومي. لكنها تظل مهمة لأنها تكشف تصدع كبير وصل إلي المؤسسات الأمنية نفسها. فلم تعد قيادات سابقة في المؤسسة الأمنية قادرة على تبرير السيطرة الطويلة الأمد بمنطق “الضرورة المؤقتة”. فهناك إدراك متزايد لدى بعض المسئولين السابقين بأن هذه الضرورة قد تحولت إلى بنية، وأن البنية تنتج مخاطرها الخاصة. هذا الإدراك، وإن لم يتحول إلى سياسة، يظل دلالة مهمة على أن النقاش لم يعد يدور فقط بين إسرائيل والعالم، بل داخل إسرائيل نفسها (Harel, 2023).
انجراف المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين
لا يكتمل فهم التحولات داخل الوعي اليهودي في إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة من دون التوقف عند مسار مواز لا يقل أهمية ألا وهو انجراف المجتمع الإسرائيلي نفسه نحو اليمين بدرجة غير مسبوقة. هذا الاتجاه لا يمثل مجرد تحول انتخابي أو صعود حكومة بعينها، لكنه يعكس إعادة تشكيل عميقة في البنية النفسية والسياسية التي تحكم نظرة الإسرائيليين إلى الأمن، والفلسطينيين، وإمكانية تحقيق التسوية. فبينما تتجه قطاعات من اليهود في الخارج نحو مراجعة أخلاقية متزايدة لما يحدث في غزة والضفة، يتحرك الداخل الإسرائيلي في الاتجاه المعاكس، نحو مزيد من الصلابة والتشدد والشك في أي أفق سياسي.
هذا الانجراف نحو اليمين هو نتاج تراكم طويل، لا لحظة واحدة. فقد بدأ مع انهيار الثقة في عملية أوسلو، وتآكل اليسار الصهيوني، وتصاعد الاستيطان، وتنامي قوة الأحزاب الدينية والقومية، لكنه ترسخ بشكل حاسم مع تعاقب جولات العنف، ثم بلغ ذروة جديدة بعد هجمات السابع من أكتوبر وحرب غزة. في هذا السياق، لم تعد فكرة “السلام” تشكل أفقا مركزيا داخل المجتمع الإسرائيلي. فقد تحولت فكرة السلام لدى قطاعات واسعة إلى مفهوم مرتبط بالفشل أو الخطر. وأصبح السؤال المهيمن ليس كيف يمكن إنهاء الصراع، بل كيف يمكن منع تكرار الكارثة. هذا التحول في ترتيب الأولويات أعاد بالفعل تعريف السياسة كلها في الداخل الإسرائيلي، من إدارة التفاوض إلى إدارة التهديد، ومن البحث عن التسوية إلى تثبيت الردع، وفقا لتصورات وسيطرة اليمين الديني والقومي. ظهرت ملامح هذا التحول في المواقف تجاه غزة بوضوح. فحتى في ظل تراجع الحماس لفكرة الإدارة المباشرة للقطاع، لا يوجد داخل المجتمع الإسرائيلي ثقة حقيقية في أي بديل فلسطيني مستقل، سواء تمثل في السلطة الفلسطينية أو في ترتيبات دولية. هذا الغياب للثقة لا ينتج فراغا سياسيا محايدا، بل يعزز منطق السيطرة غير المباشرة أو طويلة الأمد، حتى لو لم يعلن بهذه الصيغة. بمعنى آخر، قد لا يكون هناك إجماع على كيفية حكم غزة، لكن هناك تقارب واسع على رفض تسليمها لفاعل فلسطيني يُنظر إليه بوصفه غير قادر أو غير موثوق. أما في الضفة الغربية، فإن التحول كان أكثر عمقا واستمرارية. فالتوسع الاستيطاني، وتعقيد البنية الأمنية، وتراجع الحديث عن الدولة الفلسطينية، كلها عناصر كرست واقعا لم يعد يُنظر إليه داخل قطاعات واسعة من الإسرائيليين كحالة مؤقتة، ولكن باعتباره ترتيبا مستقراً يمكن التعايش معه. في هذه المنعطفات، تحول اليمين من موقف سياسي إلى إطار إدراكي شامل؛ طريقة لفهم الأرض، والسكان، والحدود، والتهديد. ولم يعد اليمين الإسرائيلي فقط من يدعو إلى التشدد، بل أصبح، بدرجات مختلفة، اللغة التي يتحدث بها المجتمع عن نفسه وعن محيطه.
يمكن القول أن هذا الاتجاه يتغذى على عامل نفسي لا يمكن تجاهله وهو الخوف الذي عمقته السياسات اليمينية المتطرفة. فصدمة السابع من أكتوبر لم تكن حدثا أمنيا فقط، بل تجربة جمعية أعادت تعريف الإحساس بالهشاشة والتهديد. في ظل هذه الصدمة، تصبح الدعوات إلى الحذر والتشدد أكثر قابلية للقبول، بينما تبدو الدعوات إلى التسوية أو التنازل أقرب إلى المجازفة. وتكتسب السياسات اليمينية مشروعية وجدانية، لأنها تقدم نفسها بوصفها استجابة طبيعية لخطر وجودي، وليس باعتبارها خيارا أيديولوجيا يمكن النقاش حوله بهدوء.
التحول السابق لم يلغ الانقسام الداخلي. فالمجتمع الإسرائيلي يشهد احتجاجات واسعة ضد الحكومة، وانتقادات حادة لطريقة إدارة الحرب، وصراعات حول قضايا داخلية مثل دور المتدينين وطبيعة النظام السياسي. غير أن هذه الانقسامات، على أهميتها، لا تعني بالضرورة عودة اليسار أو صعود بديل سياسي يعيد طرح القضية الفلسطينية بوصفها جوهر الأزمة. في كثير من الأحيان، تظل هذه الاحتجاجات موجهة ضد أداء الحكومة أو فسادها أو فشلها، لا ضد بنية السيطرة نفسها. وهذا ما يجعل الانجراف نحو اليمين أعمق من مجرد اصطفاف حزبي، لأنه يستمر حتى في ظل المعارضة. ما ذكره تمير باردو يمكن اعتباره تنبيها للمجتمع الإسرائيلي بأنه أصبح أكثر تقبلا للواقع الجديد، إلى درجة لم يعد يرى فيه تناقضا حادا مع تعريفه لذاته. هذا التكيف مع وضع طويل الأمد هو ما يحول المؤقت إلى دائم، والإجراء الأمني إلى بنية سياسية.
في السياق ذاته، فإن التحول في الوعي اليهودي الغربي لا يحدث بالتوازي مع اعتدال إسرائيلي داخلي، بل في مواجهة تصلب إسرائيلي متزايد. فاليهودي الليبرالي في نيويورك أو لندن قد يرى في غزة اختبارا للضمير والقيم، بينما يرى الإسرائيلي في تل أبيب أو مستوطنة في الضفة أن غزة اختبار لقدرة الدولة على البقاء ومنع تكرار الفاجعة. منطق الفريق الأول ينطلق من لغة الحقوق، والثاني يستند إلي لغة الأمن. وكلما اتسعت المسافة بين هاتين اللغتين، يصبح من الصعب الحفاظ على إطار يهودي موحد لتفسير الصراع. يتعين ملاحظة أن هذا التباعد بين الفريقين لن يستمر فكريا فقط، إذ قد يتحول إلى توتر سياسي وثقافي. فكلما ازداد المجتمع الإسرائيلي يمينا، ازدادت صعوبة دفاع النخب اليهودية الليبرالية عنه دون شروط. وكلما تصاعد النقد من الخارج، ازداد شعور قطاعات داخل إسرائيل بأن هذا النقد يتجاهل واقعها الأمني أو يقلل من حجم التهديد الذي تواجهه. بهذه الطريقة، لا يقتصر الخلاف حول السياسات فقط، لكنه يمتد إلي تعريف الواقع نفسه؛ ما هو الخطر، وما هي العدالة، وما هي الحدود المقبولة لاستخدام القوة.
إن انجراف المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين ليس مجرد أزمة صورة ذهنية أو خطاب سياسي منحرف، بل أزمة تباعد متزايد بين مسارين؛ مسار داخلي يميل إلى تثبيت السيطرة وتعزيز الأمن، ومسار خارجي داخل الشتات اليهودي يميل إلى مساءلة هذه السيطرة وإعادة تعريفها أخلاقيا. وبين هذين المسارين تتشكل فجوة قد تكون من أهم ملامح المرحلة المقبلة، لأنها لا تعكس اختلافا في المواقف فقط، بل اختلافا في فهم معنى الصراع ذاته.
باينارت: حصاد مراجعات الوعي
علي صعيد الداخل الأمريكي، يعتبر بيتر باينارت Peter Beinart خير ممثل لطبقة أعمق من التحول، وهي طبقة الهوية والضمير. كان باينارت لسنوات صوت بارز داخل الليبرالية الصهيونية الأمريكية، يدافع عن إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية ممكنة بشرط إنهاء الاحتلال. لكنه انتقل تدريجيا إلى نقد أكثر جذرية، خصوصا في كتابه Being Jewish After the Destruction of Gaza: A Reckoning . أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في موقفه السياسي، بل في إعادة صياغة السؤال نفسه: ماذا يعني أن تكون يهودي بعد غزة؟ هل يمكن أن تظل الذاكرة اليهودية قوة أخلاقية بينما يتم تجاهل معاناة شعب آخر يعيش تحت السيطرة؟ (Beinart, 2025).
هذا النقاش يعيد فتح العلاقة بين الذاكرة والسياسة. فالذاكرة، التي شكلت أساسا للدفاع عن إسرائيل لعقود، تتحول هنا إلى أداة مساءلة. لم تعد فقط مصدر شرعية، بل أصبحت أيضا مصدر توتر. لأن الذاكرة التي تطالب العالم بعدم نسيان معاناة اليهود، تجد نفسها في مواجهة صور معاناة فلسطينية لا يمكن تجاهلها بسهولة. في هذا الواقع الجديد، يتعمق سؤال الأزمة وهو: هل تستخدم الذاكرة لتبرير الاستثناء، أم لتوسيع دائرة المسؤولية الأخلاقية؟ (Butler, 2012). هذه الأزمة الفكرية تجد صداها في بريطانيا أيضا. في أبريل 2026، نشرت صحيفة الجارديان تقريراً عن تحذير قيادات من اليهودية التقدمية في بريطانيا من أن اتجاه إسرائيل السياسي الراهن قد يشكل تهديد وجودي لليهودية نفسها، ليس بمعنى تهديد أمني خارجي، بل لأن سياسات الدولة قد تصبح أكثر تناقض مع القيم التي يريد هؤلاء الحاخامات نسبتها إلى اليهودية. وقد شدد الحاخامان تشارلي باجينسكي Charlie Baginsky وجوش ليفي Josh Levy علي أن نقد الحكومة الإسرائيلية ليس خيانة، بل قد يكون واجباً دينياً وأخلاقيا، ودعا إلى مساحة يهودية أوسع تسمح بالتعدد والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير (The Guardian, 2026).
يشكل هذا التطور في بريطانيا منعطفاً مهماً لأنه يكشف بعدا مختلفا. فالنقاش هناك ليس فقط سياسي أو أكاديمي، بل يمتد إلى المجال الديني نفسه. فعندما يتحول النقد إلى خطاب ديني أخلاقي، فإنه يكتسب عمقاً مختلفاً، لأنه لا يطعن فقط في السياسة، بل في مبدأ شرعية ربط الدين بها. ويفتح هذا التطور الباب لطرح سؤال أكثر عمقا مفاده: ليس ماذا تفعل إسرائيل، بل ماذا تعني إسرائيل للعقيدة اليهودية ذاتها.
في الولايات المتحدة، تتخذ هذه التحولات شكلا أكثر حركية من خلال منظمات مثل الصوت اليهودي من أجل السلام Jewish Voice for Peace وحركة إن لم يكن الآن IfNotNow. هذه الحركات لا تمثل كل اليهود، لكنها نجحت في خلق حضور ظاهر لما يمكن تسميته بـ “النقد اليهودي للحرب”. فتلك التنظيمات لا تتحدث باعتبارها حلفاء للفلسطينيين فقط، بل كيهود يرفضون أن تستخدم هويتهم لتبرير الحرب. وهذا التحول مهم لأنه يكسر احتكار تمثيل الصوت اليهودي، أي فكرة أن المؤسسات التقليدية وحدها تتحدث باسم اليهود. ورغم هجوم رابطة مكافحة التشهير Anti-Defamation League علي هذه الحركات اتهامها بتبني خطاب يقوض الإجماع ويخدم حملات الضغط على إسرائيل، فإن هذا الصراع في الداخل الأمريكي يعكس انقساماً عميقا ليس فقط حول إسرائيل، بل حول معنى التضامن ذاته، وتطرح أسئلة أعمق حول ماهية التضامن وهل يعني الدفاع المطلق، أم يعني أيضا النقد عندما يرى البعض أن السياسات تنحرف عن القيم؟
في المقابل، ما تزال مؤسسات مثل لجنة الشئون العامة الأمريكية- الإسرائيلية (أيباك) AIPAC قوية ومنظمة ومؤثرة. في خطابها حول حرب غزة، تؤكد أيباك أن أهداف إسرائيل هي إخراج حماس من السلطة، وتدمير بنيتها العسكرية، وتحرير الرهائن، ومنع تكرار هجمات السابع من أكتوبر. هذا الخطاب يعكس استمرار منطق أمني تقليدي يرى الحرب كضرورة، ويركز على النتائج العملياتية بوصفها معيار النجاح (AIPAC, 2024). لكن المشكلة أن هذا المنطق، رغم قوته داخل المؤسسات، لم يعد كافيا وحده لإقناع قطاعات أوسع من الرأي العام، خصوصا بين الشباب. تظهر أهمية الجيل الشاب في هذه النقطة تحديداً. فالأجيال اليهودية الأصغر في الولايات المتحدة وبريطانيا لا تتلقى أخبار غزة والضفة عبر مؤسسات الاعلام التقليدية وحدها، ولكنها أكثر انفتاحا علي مصادر غير تقليدية مثل منصات التواصل الاجتماعي، ومقاطع الفيديو، وتقارير المنظمات الحقوقية، ونقاشات جامعية وثقافية تتناول العنصرية والاستعمار والعنف المفرط الذي تقوم به إسرائيل. هذه البيئة لا تعد تنتج موقفاً واحداً، لكنها تنتج ردود أفعال متنوعة. فلم تعد مفردات “الأمن” تكفي وحدها لتفسير كل شيء، بل دخلت مفردات أخرى مثل الحصار، النزوح، القانون الدولي، العقاب الجماعي، عدم المساواة، والحقوق (Pew Research Center, 2024). تؤكد بيانات مركز بيو للأبحاث هذا التعقيد. ففي مارس 2024، أظهرت الدراسة أن 58 في المائة من الأمريكيين يرون أن لإسرائيل أسباب وجيهة لمحاربة حماس، لكنهم منقسمون حول طريقة تنفيذ الحرب، حيث اعتبرها 38 في المائة مقبولة مقابل 34 في المائة غير مقبولة. هذا التباين يعكس انقسام بين الاعتراف بالتهديد الأمني ورفض أو التشكيك في الوسائل المستخدمة. وفي قراءة أخرى، أشار المركز إلى أن اليهود الأمريكيين أنفسهم يعبرون عن طيف واسع من المشاعر، من الحزن والغضب إلى الخوف والإنهاك، وأن تسعة من كل عشرة يرون أن معاداة السامية زادت منذ بداية الحرب. هذا يعني أن النقاش لا يجري في فراغ أخلاقي هادئ، بل داخل بيئة مشحونة بالخوف الحقيقي، وهو ما يفسر حدة الانقسام.
وفي فبراير 2026، أظهرت مؤسسة جالوب Gallup أن التعاطف الأمريكي في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني شهد تحولا واضحا، حيث انخفض الفارق التاريخي لصالح إسرائيل، ووصل التعاطف مع الفلسطينيين إلى مستويات غير مسبوقة نسبيا. كما أظهرت البيانات أن دعم حل الدولتين لا يزال مرتفعا، رغم تراجع الثقة في إمكانية تحقيقه (Gallup, 2026). هذه الأرقام لا تعني انقلابا سياسيا فوريا، لكنها تشير إلى تغير تدريجي في المزاج العام. اللافت أن هذا التحول في الرأي العام يتزامن مع استمرار خوف يهودي حقيقي من معاداة السامية. لذلك لا يمكن اختزال النقاش في ثنائية بسيطة بين وعي أخلاقي أو انحراف سياسي. هناك توتر حقيقي بين حاجتين هما الحاجة إلى الأمان، والحاجة إلى الاتساق الأخلاقي. هذا التوتر هو ما يجعل النقاش داخل المجتمع اليهودي أكثر تعقيدا، لأنه لا يدور فقط حول إسرائيل، بل حول معنى أن تكون يهوديا في عالم يشهد هذا الصراع.
ما الذي يعنيه هذا استراتيجيا؟
أولا، يعني ذلك أن شرعية إسرائيل في الغرب لم تعد تختبر فقط في المؤسسات الدولية، بل داخل المجتمعات اليهودية نفسها. عندما يقول يهود إن ما يحدث في غزة لا يمثلهم، فإن إسرائيل تفقد جزء من قدرتها على تقديم نفسها كصوت موحد لليهود في العالم. وهذا لا يلغي الدعم الكبير، لكنه يجعله أقل تلقائية وأكثر عرضة للنقاش (Allin & Simon, 2016).
ثانيا، لا يعني هذا أن السياسة الأمريكية ستتغير بسرعة. التحالف الأمريكي الإسرائيلي أعمق من أن يتأثر بتحول فكري واحد. لكنه قد يصبح أكثر تعقيدا، مع زيادة الضغوط داخل الحزب الديمقراطي، وظهور أصوات يهودية ناقدة يصعب تجاهلها أو تصنيفها بسهولة (Mearsheimer & Walt, 2007).
ثالثا، يعزز هذا التحول الانتقال من خطاب التسوية إلى خطاب الحقوق. فإذا ظل حل الدولتين حاضرا في الخطاب وغائبا في الواقع، فإن النقاش سيتحول تدريجيا إلى سؤال الحقوق والمساواة. مثل هذا الأمر لا يقدم حلا فوريا، لكنه يغير طبيعة النقاش بشأن حقوق الفلسطينيين، ويجعل من الصعب العودة إلى اللغة القديمة دون تعديل (Telhami, 2024).
رابعا، يفتح هذا التحول فرص وتحديات أمام الفلسطينيين. فمن ناحية، يوفر النقد اليهودي الداخلي غطاء أخلاقي مهم. ومن ناحية أخرى، يجب ألا يتحول هذا النقد إلى بديل عن الصوت الفلسطيني نفسه. فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى وسيط أخلاقي بقدر ما تحتاج إلى اعتراف مباشر بحقوقها (Thrall, 2017).
في النهاية، ما يجري ليس نهاية مرحلة، بل بداية أخرى. مرحلة يتراجع فيها الإجماع، ويتسع فيها التنازع. لم يعد هناك صوت واحد يحدد ما يعنيه أن تكون يهوديا في هذا الصراع، ولم تعد المؤسسات قادرة على احتكار التفسير. هذا لا يعني انهيار الدعم لإسرائيل، لكنه يعني أن هذا الدعم لم يعد محصنا من المساءلة.
من المؤكد أن قطاع غزة والضفة الغربية ستظلان ساحتي الصراع المباشر، لكن ساحة أخرى أصبحت لا تقل أهمية وهي ساحة الوعي اليهودي نفسه. فمن خلال النقاشات الفكرية والسياسية والدينية، يعاد تعريف العلاقة بين الهوية والدولة، بين الأمن والأخلاق، بين الذاكرة والمسؤولية. وهذا التحول، رغم بطئه والعوائق التي تعترضه، قد يكون أحد العوامل الأكثر تأثيرا في مستقبل الصراع، لأنه لا يغير فقط سلوك الفاعلين، بل كيف يفهمون ما يفعلونه.
خاتمة
ما تكشفه هذه التحولات داخل النخب اليهودية في إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة أن المنعطف الجديد ليس مجرد خلاف في المواقف، بل تصدع في المعادلة التي حكمت علاقة إسرائيل بالغرب لعقود. المعادلة التي قامت على توازن دقيق بين ذاكرة تمنح الشرعية لسلوك متشدد، وأمن يبرر القوة المفرطة والباطشة، ودبلوماسية تعد بتسويات قادمة. اليوم، لم تعد هذه العناصر تعمل بالانسجام نفسه. في هذا السياق، تعد أصوات مثل باردو وليفي وباينارت محطة جديدة مهمة تتجاوز أصحابها. فهي تعبر عن انتقال النقاش من الهامش إلى الداخل، ومن الاعتراض الأخلاقي إلى مراجعة البنية التي أنتجت الإجماع نفسه. وعندما يتزامن ذلك مع صعود حركات يهودية ناقدة، وتحول في مزاج الأجيال الأصغر، وانقسام في الرأي العام الأمريكي، فإننا لا نكون أمام ظاهرة معزولة، بل أمام إعادة تشكيل تدريجية للمجال الذي كانت إسرائيل تتحرك فيه بثقة أكبر. هذا التحول قد لا يترجم فورا إلى تغير في السياسات. فموازين القوة، والتحالفات الاستراتيجية، وبنية النظام السياسي في الولايات المتحدة، كلها عوامل تبقي الدعم لإسرائيل قائما. لكن ما يتغير هو طبيعة هذا الدعم. فلم يعد الدعم يقوم على إجماع هادئ غير قابل للنقاش، وفي الوقت نفسه، يصبح الدفاع عن السياسات أكثر كلفة، والادعاء بتمثيل موقف يهودي موحد أقل إقناعا للرأي العام الذي تغيرت قناعاته كثيرا.
في النهاية، تشير الورقة بوضوح إلي أن الإجماع المؤيد لإسرائيل في الغرب لم يعد يعمل بالشكل نفسه الذي كان عليه في السابق. لقد دخل هذا الاجماع مرحلة تتسم بوجود “تنازع مفتوح” بين الأفكار، وحيث تتجاور روايات متعددة داخل المجال اليهودي ذاته. وبينما تستمر إسرائيل في الاعتماد على القوة لضبط الواقع، فإنها تواجه في الوقت نفسه تحديا مختلفا يتمثل في الحفاظ على القدرة على تفسير هذا الواقع أمام جمهور لم يعد مستعدا لقبول التفسيرات القديمة دون مساءلة.
المراجع
Allin, D. H., & Simon, S. (2016). Our separate ways: The struggle for the future of the U.S.-Israel alliance. PublicAffairs.
Anti-Defamation League. (2024). Jewish Voice for Peace.
https://www.adl.org/resources/backgrounder/jewish-voice-peace-jvp
American Israel Public Affairs Committee. (2024, September 4). Gaza war FAQs.
https://www.aipac.org/gaza-war-faqs
Associated Press. (2023, September 6). A former Mossad chief says Israel is enforcing an apartheid system in the West Bank.
https://apnews.com/article/israel-apartheid-palestinians-occupation-c8137c9e7f33c2cba7b0b5ac7fa8d115
Beinart, P. (2012). The crisis of Zionism. Times Books.
Beinart, P. (2025). Being Jewish after the destruction of Gaza: A reckoning. Knopf.
Butler, J. (2012). Parting ways: Jewishness and the critique of Zionism. Columbia University Press.
Carnegie Endowment for International Peace. (2021). Breaking the Israel-Palestine status quo: A rights-based approach.
https://carnegieendowment.org/research/2021/04/breaking-the-israel-palestine-status-quo
Freilich, C. D. (2018). Israeli national security: A new strategy for an era of change. Oxford University Press.
Gallup. (2026, February 27). Israelis no longer ahead in Americans’ Middle East sympathies.
https://news.gallup.com/poll/702440/israelis-no-longer-ahead-americans-middle-east-sympathies.aspx
IfNotNow. (n.d.). Our principles.
https://www.ifnotnowmovement.org/principles
Jewish Voice for Peace. (n.d.). About.
https://www.jewishvoiceforpeace.org/restructure/about/
Levy, D. (2024, August 27). The US diplomatic strategy on Israel and Gaza is not working. The Guardian.
https://www.theguardian.com/commentisfree/article/2024/aug/27/israel-gaza-us-diplomacy
Mearsheimer, J. J., & Walt, S. M. (2007). The Israel lobby and U.S. foreign policy. Farrar, Straus and Giroux.
Moor, A. (2025, January 27). “A moral wreckage that we need to face”: Peter Beinart on being Jewish after Gaza’s destruction. The Guardian.
https://www.theguardian.com/world/ng-interactive/2025/jan/27/israel-gaza-us-jews-peter-beinart
Pew Research Center. (2024, March 21). Americans’ views of the Israel-Hamas war.
https://www.pewresearch.org/2024/03/21/views-of-the-israel-hamas-war/
Pew Research Center. (2024, April 2). How U.S. Jews are experiencing the Israel-Hamas war.
https://www.pewresearch.org/short-reads/2024/04/02/how-us-jews-are-experiencing-the-israel-hamas-war/
Pew Research Center. (2025, May 9). Fewer Israelis support Israel taking over Gaza now than in 2024.
https://www.pewresearch.org/short-reads/2025/05/09/fewer-israelis-support-israel-taking-over-gaza-now-than-in-2024/
Pew Research Center. (2025, June 3). Israeli public is increasingly skeptical about lasting peace.
https://www.pewresearch.org/global/2025/06/03/israeli-public-is-increasingly-skeptical-about-lasting-peace/
Scheindlin, D. (2023). The crooked timber of democracy in Israel. Oxford University Press.
Telhami, S. (2024). The one-state reality: What is Israel/Palestine? Cornell University Press.
The Guardian. (2026, April 28). Israel’s direction poses “existential threat” to Judaism, UK’s leading progressive rabbis warn.
https://www.theguardian.com/world/2026/apr/28/israels-direction-poses-existential-threat-to-judaism-uks-leading-progressive-rabbis-warn
Thrall, N. (2017). The only language they understand: Forcing compromise in Israel and Palestine. Metropolitan Books.
—–
