وحدة الدراسات الاقتصادية

كيف ينظر المستثمرون للنظام الضريبي المصري؟

الضرائب هي المصدر الأول والأهم لإيرادات الحكومة، وهي بالطبع عبء على المواطنين والمستثمرين. ويمكن تعريف الضرائب بمفهوم مبسط للغاية بأنها رسوم إلزامية تفرضها الحكومة على المواطنين بهدف جمع الإيرادات اللازمة لتمويل النفقات العامة دون الحصول على منفعة في المقابل. أما التعريف الأكثر تعقيدًا فهو تعريف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الدولية بأن الضرائب هي رسوم إلزامية (يعاقب من لا يدفعها)، ويتم دفعها إلى الحكومات دون مقابل، أي إن الضرائب التي يدفعها المواطنون لا يجب أن تكون بالضرورة متناسبة مع المنافع التي يتلقونها من الحكومة، ومن ثم وفقًا لذلك التعريف فإن المواطنين الذين يدفعون ضرائب أكثر ليس من حقهم أن يحصلوا على…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

الضرائب هي المصدر الأول والأهم لإيرادات الحكومة، وهي بالطبع عبء على المواطنين والمستثمرين. ويمكن تعريف الضرائب بمفهوم مبسط للغاية بأنها رسوم إلزامية تفرضها الحكومة على المواطنين بهدف جمع الإيرادات اللازمة لتمويل النفقات العامة دون الحصول على منفعة في المقابل. أما التعريف الأكثر تعقيدًا فهو تعريف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الدولية بأن الضرائب هي رسوم إلزامية (يعاقب من لا يدفعها)، ويتم دفعها إلى الحكومات دون مقابل، أي إن الضرائب التي يدفعها المواطنون لا يجب أن تكون بالضرورة متناسبة مع المنافع التي يتلقونها من الحكومة، ومن ثم وفقًا لذلك التعريف فإن المواطنين الذين يدفعون ضرائب أكثر ليس من حقهم أن يحصلوا على منافع أكثر. ويمكن تقسيم الضرائب إلى عدة تصنيفات، منها تصنيف طريقة تحصيلها أو جبايتها إلى: الضرائب المباشرة وهي ضرائب يتم سدادها من الأفراد والشركات للحكومة وهو يستند إلى مبدأ القدرة على الدفع، أي إن من يمتلك أكثر يدفع أكثر، ومن أمثلة تلك الضرائب الضريبة على الدخل والضريبة على الثروة. أما النوع الثاني فهو الضرائب غير المباشرة: وهي الضرائب التي يدفعها الأفراد والشركات إلى الحكومة بشكل مباشر لكنها تفرض على إنتاج السلع والخدمات وبيعها، ومن أمثلة تلك الضريبة ضريبة المبيعات وضريبة القيمة المضافة. وتهدف تلك السياسات المالية في البلاد (الضرائب) إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية التي تتمثل في تحفيز النشاط الاقتصادي، ورفع معدلات النمو الاقتصادي، وإيجاد فرص عمل بتقليل معدل البطالة، والحفاظ على ثبات الأسعار من خلال التحكم في معدل التضخم، وأخيرا تحقيق التوازن في العلاقات التجارية مع الخارج.

تحديات منظومة الضرائب

توجد العديد من التحديات التي ترتبط بمنظومة الضرائب في مصر التي تشكل في جزء منها عبئًا على المنتجين، سواء كانوا محليين أو استثمارًا أجنبيًا مباشرًا. ووفقًا لاتحاد الصناعات المصرية فإن المستثمرين يرون أن قانون الضرائب غامض إلى حد كبير، الأمر الذي يترتب عليه اجتهاد في التفسير، ومن ثم وجود اختلافات في التفسير داخل المصلحة في كل من تعاملاتها مع الصناعات المختلفة، وذلك الغموض في التفسير يفتح المجال بشكل كبير على وجود سلطة لمأموري الضرائب لفرض ما يسمى التقدير الجزافي للضرائب، خاصة في حال عدم الاقتناع بالميزانيات والإقرارات المقدمة، بالإضافة إلى أن ذلك الغموض يترتب عليه تأخر الفحص الضريبي في بعض الأحيان لعدة سنوات، وهو الأمر الذي يحمل الشركة أعباء إضافية تتمثل في دفع غرامات عن التأخير قد تتجاوز مبالغها حجم الضريبة الأصلية.

ليس ذلك هو التحدي الوحيد في تلك المنظومة، حيث إن تطبيق النماذج التقديرية لقطع التقادم دون الالتفات نهائيًا إلى الإقرارات المقدمة من الشركات تمثل تحديًا آخر يترتب عليه أنه في بعض الأحيان تفوق الضرائب المفروضة على المنشآت إجمالي حجم المبيعات، هذا فضلًا عن أنه عند تقدم الشركات بالاعتراض وطلب إعادة الفحص فإن تلك العملية يترتب عليها إجراء عدد من الإجراءات المعقدة، خاصة وأن تلك العملية قد يكون قد مر عليها عدة سنوات. إهدار الدفاتر والمستندات أثناء عملية الفحص الضريبي هو أمر آخر يشتكي منه المصنعون المحليون، خاصة وأنه غالبًا ما يتم الخلط بين المخالفات دون الفصل بين العمليات التي بطبيعتها تعد تهربًا ضريبيًا، وبين المخالفات البشرية الأخرى.

أمر آخر يُشكل عائقًا أمام المستثمرين هو عدم الترابط بين كافة شُعب (وحدات) المأمورية (شعبة الفحص التجاري، شعبة كسب العمل، شعبة الدمغة، شعبة خصم المنبع) مما يؤدي إلى إهدار وقت الممول والمأمورية في المرور على كافة تلك الشعب السابق الإشارة إليها، حيث يقوم الممول بتجهيز أكثر من ملف للفحص مع أكثر من مأمور بنفس المستندات تقريبًا، وهو ما يستغرق جهدًا ووقتًا طويلًا ويزيد من بيروقراطية الفحص الضريبي. الحجز الإداري أيضًا هو من المشكلات التي تواجه عملية الفحص الضريبي أيضًا والذي يترتب عليه الحجز على كافة أموال الشركة بدلًا من الحجز على ما يساوي قيمة الضريبة، وهو الأمر الذي يؤثر على التعاملات اليومية للمصانع والشركات لحين رفع الحجز، حيث يوقف ذلك الحجز قدرة الشركة على القيام بأعمالها، ومن ثم تتحول الشركات إلى الخسارة لحين الوصول إلى اتفاق مع مصلحة الضرائب الذي قد يستغرق وقتًا ويزيد من احتمالات وقوع فساد في المنتصف لتسريع تلك العملية.

جانب آخر من التحديات التي تتعلق بالنظام الضريبي في مصر، هو وجود بعض الحالات التي لا يتم فيها الاعتداد باتفاقيات منع الازدواج الضريبي، يؤثر ذلك الأمر على تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر، حيث إن الشركات تدفع ضرائب عدة مرات على نفس الدخل المتولد. جانب آخر يواجه المصنعين هو عدم تمكن الشركات المصدرة من استرداد ضريبة القيمة المضافة على مدخلات الإنتاج من الخامات ومستلزمات الإنتاج التي تم استخدامها في الإنتاج لفترات طويلة قد تستغرق سنوات. غرامات التأخير على الضريبة هي الأخرى إحدى النقاط التي ينظر إليها المستثمرون على أنها أمر سلبي يؤثر على العملية الإنتاجية، خاصة وأن قرار وزير المالية رقم 484 لعام 2019 يقضي بتوقيع غرامات التأخير على أداء الضريبة دون التفرقة بين التأخير الناتج عن التهرب والتأخير الناتج عن المنازعة الضريبية. أمر آخر يُعد أحد التحديات المتكررة هو المغالاة في تقدير سعر المتر من الأراضي والمباني والمنشآت الصناعية وما يستتبعه من المغالاة في تقدير القيمة الإيجارية، وهو أمر يواجه كافة القطاعات الصناعية، هذا إلى جانب رفض بعض المأموريات تقسيط الضريبة، والإصرار على التحصيل دفعة واحدة أو الحجز على أموال الشركة لدى البنوك لإجبار الممولين على السداد، دون مراعاة الوضع الاقتصادي للمنشآت وسمعتها التي قد تتأثر لدى البنوك بذلك الحجز. هذا فضلًا عن أن ضريبة القيمة المضافة التي يتم فرضها على السلع الرأسمالية يؤدي إلى ارتفاع التكلفة بشكل كبير، الأمر الذي يضعف قدرة المؤسسات المحلية على المنافسة الخارجية، وأخيرًا توجد العديد من الحالات التي يتم فيها تسجيل المنشآت بأكثر من ملف لذات المنشأة في أجهزة متعددة.

تطور منظومة الضرائب

جميع تلك النقاط السابقة تحمل وجهات نظر مختلفة، حيث إن تلك النقاط السابقة تم عرضها من وجهة نظر المستثمر والمنتج في مصر، لكن بالنظر إلى وجهة نظر وزارة المالية ومصلحة الضرائب فإن تلك المؤسسات ترى أن النقاط السابقة بها مغالاة شديدة من جانب الممولين والمصنعين الذين يرفضون أن يؤدوا حق الدولة على الرغم من استفادتهم من بيئة العمل في مصر وتحقيقهم أرباح كبيرة. لكن الأمر الذي يجب النظر إليه بعناية هو ضرورة أن تكون القوانين واللوائح والتعليمات الضريبية واضحة وسهلة الفهم لتخفيض السلطة التقديرية للعاملين بالإدارة الضريبية، ومن ثم يجب إشراك أصحاب المصلحة (مصلحة الضرائب، مصلحة الجمارك، اتحاد الصناعات، الغرف الصناعية) لمناقشة المشكلات التي تواجه الممولين ونقاط الغموض في تفسير القانون، حيث إن الهدف الرئيسي هو مساعدة المستثمرين على العمل في مصر وتطوير أعمالهم مع الاحتفاظ للدولة بحقها، وبالطبع فإن إجراءات التقدير الجزافي هو أمر غير مبرر، حيث يجب النظر إلى المستندات التي يتم تقديمها من جانب الممولين على أنها مستندات صحيحة مع إجراء فحص عشوائي، هذا فضلًا عن أنه يجب أن يتم اعتماد الميزانيات التي مر عليها خمس سنوات بشكل أسرع لوضع حل نهائي لتلك النزاعات، وتحصيل الضرائب بشكل أسرع. أما عن عملية الازدواج الضريبي فهو أمر يجب أن يتم الالتزام به لتشجيع الشركات الأجنبية على ضخ المزيد من الاستثمارات في مصر. جانب آخر يجب النظر إليه بجد هو ضرورة إلغاء الضرائب على السلع الرأسمالية التي تدخل في العملية الإنتاجية.

عالجت وزارة المالية التحديات التي ترتبط برفع الحد الأدنى لتسجيل الشركات (500 ألف جنيه) من خلال تطبيق ضريبة قطعية ثابتة على المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر الأمر الذي سهل من عملية المحاسبة الضريبية لتلك المنشآت وقدم حوافز لتلك المنشآت من خلال توفير إعفاءات من عدد كبير من رسوم التسجيل والدمغات وما إلى ذلك، وقد وضعت وزارة المالية خطة استراتيجية لتطوير منظومة الضرائب في مصر بهدف التحول إلى مصلحة رقمية وحديثة من خلال اتخاذ الدول المتقدمة نموذجا “Benchmark” للوصول بالخدمات إلى مستوى عالمي بجودة عالية، حيث تم بناء تلك الإجراءات وفقا لمعايير TADAT العالمي، والذي تم وضعه من جانب صندوق النقد الدولي بهدف قياس وتحسين أداء عمليات هيئات الضرائب العالمية، تساهم عملية التحول الرقمي الذي تطبقه المصلحة في تبسيط الإجراءات على الممولين والعاملين بالمصلحة، وتشمل تلك الأهداف الاستراتيجية المزمع تحقيقها التحول إلى التكنولوجيا الرقمية في كافة الأعمال الضريبية تدريجيًا، وتوحيد وتسهيل الإجراءات والقوانين الضريبية الرئيسية، وتحديث وتوحيد الهيكل التنظيمي لمصلحة الضرائب، تحسين بيئة العمل وزيادة رضاء العاملين، رفع كفاءة التحصيل الضريبي، الأمر الذي سيسهم في زيادة الحصيلة الضريبية، لتشجيع السوق غير الرسمية على الدخول إلى السوق الرسمية ومن ثم توسيع الوعاء الضريبي، وقياس رضاء المتعاملين مع المصلحة والعمل على زيادة رضائهم، ورفع كفاءة العاملين بالمصلحة من خلال تطبيق برامج تدريبية مستمرة، وتغيير ثقافة المواطنين ونشر الوعي المجتمعي بأهمية دفع الضرائب والأثر الإيجابي الذي سيعود عليهم من خلال دفع تلك الضرائب. تعمل وزارة المالية في ذلك المشروع من خلال إطار تعاون مثمر بين وزارة المالية ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وشركة مايكروسوفت العالمية. ومن ثم فإن وزارة المالية ومصلحة الضرائب أدركتا جيدًا تلك العقبات التي تواجه المستثمرين ومن ثم فقد سعت بجد إلى الرقمنة واتباع أحدث المعايير العالمية في تصميم نظم وسياسات الضرائب عالميًا وشاركت مع العديد من المؤسسات الدولية للإشراف على عملية التحول الرقمي لضمان اكتمال تلك المنظومة بأسرع طريقة وبحيث تكون أكثر فاعلية.

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة