وحدة الدراسات الاقتصادية

الظلال القاتمة: تأثير القطاع غير الرسمي على عملية التعافي الاقتصادي

عادة يعد القطاع غير الرسمي بوابة للجوء في أوقات الأزمات أو مع زيادة عدم الأمان، حيث يمتص القطاع أولئك الذين فقدوا أعمالهم أثناء الركود الاقتصادي مع اختلاف أسبابه. ويتم تعريف القطاع غير الرسمي بأنه القطاع الذي لا يتم ضبطه من قِبَل الحكومات. ولكن كان تأثير الأزمة الحالية على القطاع الرسمي وغير الرسمي سواء، الأمر الذي ترك العاملين في القطاع غير الرسمي في حالة أكثر سوءًا مع عدم قدرتهم على اللجوء إلى شبكات الأمان الاجتماعي وغيرها من الخدمات. أولًا: القطاع غير الرسمي في ظل كورونا وفقًا لدراسة بعنوان “الظلال القاتمة للاقتصاد غير الرسمي: “التحديات والسياسات The Long Shadow of Informality: Challenges…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

عادة يعد القطاع غير الرسمي بوابة للجوء في أوقات الأزمات أو مع زيادة عدم الأمان، حيث يمتص القطاع أولئك الذين فقدوا أعمالهم أثناء الركود الاقتصادي مع اختلاف أسبابه. ويتم تعريف القطاع غير الرسمي بأنه القطاع الذي لا يتم ضبطه من قِبَل الحكومات. ولكن كان تأثير الأزمة الحالية على القطاع الرسمي وغير الرسمي سواء، الأمر الذي ترك العاملين في القطاع غير الرسمي في حالة أكثر سوءًا مع عدم قدرتهم على اللجوء إلى شبكات الأمان الاجتماعي وغيرها من الخدمات.

أولًا: القطاع غير الرسمي في ظل كورونا

وفقًا لدراسة بعنوان “الظلال القاتمة للاقتصاد غير الرسمي: “التحديات والسياسات The Long Shadow of Informality: Challenges and Policies” المقدم من البنك الدولي في مايو 2021، فإن ثلث الأنشطة الاقتصادية في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية تأخذ حيزًا في الاقتصاد غير الرسمي. إضافة إلى ذلك، فإن 70% من الوظائف في تلك البلدان يوفرها الاقتصاد غير الرسمي. ومن بين هذه النسبة، فإن أكثر من 50% يعملون لحسابهم الخاص. كذلك فإن الشباب والنساء وخصوصًا أصحاب المهارات المنخفضة يمثلون النسبة الأكبر من العاملين في القطاع غير الرسمي، وبالتالي فهم أكثر عرضة لفقدان وظائفهم والتي في الأغلب تكون مصدر دخلهم الوحيد، على الرغم من عدم قدرتهم على اللجوء إلى شبكات الأمان الاجتماعي. هذا بالإضافة إلى أن 72% من إجمالي الأعمال في قطاع الخدمات تأخذ حيزًا في القطاع غير الرسمي في تلك الدول.

إضافة إلى ذلك، فإن الاقتصاد غير الرسمي يؤثر على قدرة الحكومات في توفير الدعم أثناء حالات الركود، وبالتالي فإنها توفر حجم دعم أقل من الدول النامية الأخرى أو صاحبة الدخل المنخفض أو المتوسط، حيث إن مجموع الإيرادات الحكومية في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية ذات الاقتصاد غير الرسمي فوق المتوسط تكون أقل بنسبة تتراوح بين 5% و12% من الناتج المحلي الإجمالي من الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية الأخرى لتصل إلى متوسط 20% من الناتج المحلي الإجمالي فقط. هذا بالإضافة إلى انخفاض النفقات الحكومية بسبب الجائحة بنسبة 10%، وعدم قدرة البنوك المركزية في هذه الدول على توفير المساعدات بشكل فعال بسبب عدم كفاءة النظام المالي. ومن ناحية أخرى، فإن القطاع غير الرسمي يُصَعِّب فرض الإغلاق وتدابير التباعد الاجتماعي بسبب عدم قدرة أصحاب الأعمال والموظفين على البقاء في منازلهم وفقدان مصادر دخلهم مع مدخراتهم المحدودة أو المعدومة.

ثانيًا: صورة خاصة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

شكل 1: متوسط المساهمة في إجمالي الإنتاج والعمالة في القطاع غير الرسمي بالمنطقة في الفترة من 2010-2018

المصدر: دراسة “الظلال القاتمة للاقتصاد غير الرسمي: التحديات والسياسات”، البنك الدولي، مايو 2021.

كما هو موضح في الشكل رقم 1، تساهم الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأقل نسبة في الإنتاج والعمالة غير الرسمية العالمية، حيث إن المنطقة تساهم بنسبة 4.4% فقط (هي وجنوب آسيا) من متوسط إجمالي إنتاج القطاع غير الرسمي عالميًا في الفترة من 2010-2018، بينما شاركت بنسبة 2.1% في متوسط إجمالي عمالة القطاع غير الرسمي عالميًا في الفترة نفسها.

شكل 2: إنتاج القطاع غير الرسمي في اقتصادات محددة (%)

المصدر: بيانات البنك الدولي، 2021.

وبلغ متوسط إنتاج القطاع غير الرسمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 22% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة في الفترة من 2010 إلى 2018، كما بلغ متوسط العمالة في القطاع 23% من إجمالي العمالة في المنطقة في الفترة نفسها. وعلى الرغم من أن مصر كانت صاحبة أعلى مساهمة للإنتاج غير الرسمي في الفترة من 1990 إلى 1999 بنسبة 38.2%، إلا أن الدولة تمكنت من تخفيض هذه النسبة لتصل إلى 30.5% في الفترة من 2000 إلى 2018، أي انخفاض بنسبة 7.7% بين الفترتين وهو أعلى انخفاض بين الدول. إضافة إلى ذلك، فإن نشاط القطاع غير الرسمي في دول مجلس التعاون الخليجي محدود مقارنة بدول المنطقة خارج مجلس التعاون الخليجي، حيث يمثل متوسط العمالة في القطاع غير الرسمي 3% فقط من إجمالي العمالة في دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة من 2010 إلى 2018، وهو ما يتماشى مع نصيب الفرد من الدخل المرتفع. وتأتي هذه النسبة الضئيلة بسبب اعتماد هذه الدول بشكل أساسي على العمالة الوافدة أو نسبة العمالة المرتفعة في القطاع العام في بعض من هذه الدول.

إضافة إلى ذلك فإن حجم القطاع غير الرسمي يعتمد بشكل أساسي على عدة عوامل؛ أولًا: جودة الحوكمة وجاذبية وكفاء الخدمات المقدمة من الحكومة للشركات المسجلة (وخصوصًا في القطاعات ذات القدرة العالية على العمل في القطاع غير الرسمي مثل قطاع الخدمات). ثانيًا: سهولة إجراءات التسجيل. ثالثًا: جودة النظام الضريبي وحجم الضرائب. رابعًا: القدرة على الوصول إلى التمويل. ووفقًا لتقرير البنك الدولي، فإن كفاءة الحكومات في الدول خارج مجلس التعاون الخليجي تعد أسوأ من متوسط كفاءة الحكومات في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية وخصوصًا في الفترة من 2010 إلى 2018. ولكن وفقًا لاستطلاع الشركات المقدم من البنك الدولي، فقد بلغت نسبة الشركات التي تسجل رسميًا مع بداية عملياتها في مصر 91.4% في 2016. 

شكل 3: فعالية الحوكمة والجودة التنظيمية في الدول خارج مجلس التعاون الخليجي بالمنطقة

المصدر: بيانات البنك الدولي للحوكمة، 2021.

كما تدهورت فعالية الحكومات في الدول خارج مجلس التعاون الخليجي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فوفقًا لاستطلاع الشركات بلغ متوسط المؤشر لفعالية الحكومات في 2018 -0.9 انخفاضًا من -0.5 في 2010. وتعد هذه القيمة أقل من المتوسط، حيث إن -2.5 تعد أسوأ قيمة، في حين أن 2.5 هي أحسن قيمة. كما أن هذه القيمة تعد أقل من المتوسط للأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية البالغة -0.4 في الفترة من 2010 إلى 2018. أما بالنسبة إلى الجودة التنظيمية، فقد بلغ متوسط الاستجابات في 2018 -1 من -0.6 في 2010. في حين أن متوسط الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية بلغ 0.4 في الفترة من 2010 إلى 2018.

شكل 4: نسبة الشركات التي تشير إلى الوصول إلى التمويل كأكبر عقبة

المصدر: استطلاع الشركات، البنك الدولي.

إضافة إلى ذلك، وفقًا لاستطلاع الشركات للبنك الدولي، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا -بعد حذف دول مجلس التعاون الخليجي- تعد ثاني أكبر منطقة من حيث نسبة الشركات التي أجابت في الاستطلاع أن قدرة الوصول إلى التمويل تمثل أكبر عقبة لها بنسبة تبلغ 33.7% من إجمالي المستجيبين بعد منطقة إفريقيا جنوب الصحراء (والتي بلغت النسبة فيها 38.6%)، الأمر الذي يشير إلى عدم كفاءة النظام المالي والمساهمات المالية المحدودة التي تقدمها حكومات المنطقة.

في شأن آخر، أحد أهم الآثار السلبية لارتفاع حجم القطاع غير الرسمي هو عدم توفير منافسة عادلة في السوق. ووفقًا لاستطلاع الشركات للبنك الدولي في مصر، فإن 32.6% من إجمالي المستجيبين في استطلاع عام 2013 و22.7% من إجمالي المستجيبين في استطلاع عام 2016 أشاروا إلى أن ممارسات المنافسين في القطاع غير الرسمي تمثل عائقًا لهم.

وبشكل عام، فإن القطاع غير الرسمي يزيد من صعوبة فرص الإغلاق والتحكم بانتشار الفيروس. كما أن له تداعيات ضخمة على إيرادات الحكومات وقدرتها على توفير الدعم، الأمر الذي يهدد بارتفاع معدلات الفقر المدقع وعدم المساواة في الدخل وغيرها من الآثار السلبية. ولكن ساهمت جهود الدول، مثل: خفض الأعباء الضريبية، وتبني أساليب تكنولوجية حديثة للدفع والتحصيل الإلكتروني تمامًا كما حدث في مصر، وعمل أنظمة ملفات إلكترونية منسقة مثل المغرب، في تخفيض تكلفة القطاع الرسمي وزيادة تكلفة القطاع غير الرسمي، وبالتالي ساهمت في الحد من حجم القطاع.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة