وحدة التسلح

اختبار الإرادات: مرحلة انتقالية جديدة لإعادة الاعتبار للدولة في تونس

ربما تُعد التجربة السياسية “قيد التشكل” التي تمر بها تونس في المرحلة الحالية هي استثناء لنمط غير تقليدي من مراحل الانتقال السياسي، فالمعتاد إقليميًا أن مراحل الانتقال تأتي تداعيًا لمراحل الفشل أو الصراع السياسي كما هو الحال في التجربة العراقية الراهنة، أو بعد إقرار تسوية سياسية بعد صراع مسلح كما هو واقع التجربة الانتقالية الليبية الحالية. في تلك الحالات وغيرها يتم الانتقال من سلطة أو نظام لآخر، لكن في الحالة التونسية يبدو أن هناك مرحلة انتقالية داخل النظام السياسي ذاته في ضوء قرارات التجميد والتطهير التي يقوم بها الرئيس التونسي “قيس سعيد” في إطار المعركة التي افتعلتها “حركة النهضة” الإخوانية…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

ربما تُعد التجربة السياسية “قيد التشكل” التي تمر بها تونس في المرحلة الحالية هي استثناء لنمط غير تقليدي من مراحل الانتقال السياسي، فالمعتاد إقليميًا أن مراحل الانتقال تأتي تداعيًا لمراحل الفشل أو الصراع السياسي كما هو الحال في التجربة العراقية الراهنة، أو بعد إقرار تسوية سياسية بعد صراع مسلح كما هو واقع التجربة الانتقالية الليبية الحالية. في تلك الحالات وغيرها يتم الانتقال من سلطة أو نظام لآخر، لكن في الحالة التونسية يبدو أن هناك مرحلة انتقالية داخل النظام السياسي ذاته في ضوء قرارات التجميد والتطهير التي يقوم بها الرئيس التونسي “قيس سعيد” في إطار المعركة التي افتعلتها “حركة النهضة” الإخوانية التي كادت تقود إلى تفكك المنظومة السياسية أو انهيارها.

وعلى الرغم من كون المعركة سياسية بالدرجة الأولى، وفقًا لمظاهر الشلل الشاملة التي عاشتها الدولة التونسية قبيل تحرك الرئيس، والتي كانت على وشك نقل تونس من مرحلة التوتر إلى مرحلة الفوضى؛ إلا أن الرئيس عالج الشلل بالشلل المضاد، حيث تسببت تلك القرارات في عملية شلل سياسي “مؤقت” لحركة النهضة. وفي المقابل، بدأت حركة النهضة بالسعي إلى تحويل “المعركة السياسية” إلى “أزمة قانونية” من خلال الطعن السياسي بعدم حجية القرارات الرئاسية، ووصفها بـ”الانقلاب الدستوري”؛ لكن يبدو أن هذه الخطوة لم تؤتِ ثمارها في ظل التأييد الشعبي ودعم أغلب قوى الحراك السياسي ومنظمات المجتمع المدني للمسار الذي يتبعه الرئيس. 

في هذا السياق، يمكن القول إن الترجمة السياسية للقرارات التي اتخذها الرئيس كاشفة عن عدة مؤشرات، منها على سبيل المثال: 

أن العلاقة بين الرئيس والنهضة ذهبت إلى نقطة اللا عودة، فالرئيس وإن لم يُقصِ النهضة باعتبارها مكونًا سياسيًا، لكنه شل الحركة سياسيًا وقوض أدواتها التي تغلغلت في دولاب الدولة البيروقراطي، للحليولة دون “تفجير الدولة من الداخل” بتعبير الرئيس، مما يعني أن ثمة مؤامرة كانت قائمة تستهدف “المرافق العمومية” التي تشكل قاعدة أجهزة الدولة، بالإضافة إلى عوامل أخرى منها تلميح “سعيد” لتورط النهضة في قضايا فساد اقتصادي وأخلاقي من خلال استغلال الحصانات السياسية والبرلمانية يعكس مدى موقف الرئيس من “النهضة” وصعوبة العودة إلى تجسير تلك العلاقة مرة أخرى. وفي المقابل، فإن موقف النهضة الحالي بالدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة هو محاولة انقلاب من النهضة على الرئيس من خلال العملية السياسية، على الرغم من أن النهضة تدرك أن فرصها في أي انتخابات لن تكون كما كانت عليه في السابق، وبالتالي لا يشكل هذا الطرح أكثر من مناورة سياسية من جانبها وخطابًا للخارج أكثر منه للداخل. 

في السياق نفسه، لم يعد ممكنًا الحوار بين الطرفين، فالرئيس أكد أكثر من مرة على سياسة “الصبر الاستراتيجي” التي اتّبعها في التعامل مع النهضة وحلفائها (ائتلاف الكرامة)، كما دعم الحوار السياسي الذي دعا إليه الاتحاد العام للشغل منذ ديسبمر 2020، والذي فشل بسبب عدم رغبة النهضة في الانخراط في حوار جدي. الآن هناك حالة من التناقض في موقف النهضة، فالحركة تدعو إلى انتخابات مبكرة في الوقت الذي تتبنى فيه العودة إلى الحوار الوطني، مشترطة “مراجعة الرئيس لقراراته، والعودة إلى العقل” على حد قول “نور الدين البحيري” القيادي في الحركة، مما يعني أن الحركة تريد إما حوارًا مشروطًا أو انتخابات مبكرة، وفي كلتا الحالتين تسعى إلى تحييد الرئيس أو إبعاده من المشهد.

فتح الملفات الجنائية وملفات الفساد المالي والإداري، هي الخطوة التي لم يتمكن منها الرئيس الراحل “الباجي قايد السبسي” الذي فجر ملف التنظيم السري إلى العلن، في ظل الأسوار الحديدية التي وضعتها النهضة حول تلك الملفات، لا سيما ملفات الاغتيالات السياسية، لكن من الواضح أن الرئيس وضع يده على الكثير من تلك الملفات، بناء على القرارات التي اتخذها، فقد أقال النائب العام، واحتفظ لنفسه مؤقتًا بالمنصب، كما أقال القائم بمنصب وزير العدل، في مؤشر على عدم الثقة أيضًا فيمن تولوا هذه المناصب، وبالتالي سيتعين على الرئيس خلال الفترة المقبلة أن يقدم دلائل قطعية على تلك الشكوك. ومن المرجّح أن هناك بداية موفقة لهذا السياق، ليس عبر الرئيس فقط ولكن أيضًا عبر قوى الإسناد، فالاتحاد العام للشغل دعا إلى “التدقيق الشامل للمالية العمومية وديون الدولة، كما دعا لجنة التحاليل المالية بالبنك المركزي إلى الكشف عن التحويلات المالية للأحزاب والجمعيات، وعرضها على القضاء”.

لكن معادلة القوى السياسية تشير وفق ما يجري حاليًا إلى أن الرئيس في الطرف القوي من تلك المعادلة، فالرئيس لديه الكتلة الوازنة من الجماهير وأغلب القوى المدنية، مقابل العزلة السياسية التي يواجهها الإخوان أو حركة النهضة، لكن من المهم الإشارة -في هذا الصدد- إلى أن الرئيس بلا مظلة سياسية، فلم ينخرط في حزب سياسي، وبالتالي يتعرض للمرة الثانية لاختبار خوض المعركة السياسية مستقلًا ومعتمدًا على قوى الإسناد التي سيتعين عليها -في المقابل- أن تواصل عملية الإسناد خشية أن يتعرض الرئيس لحالة الانكشاف، وبما أن مبادرة الرئيس الأولى نجحت في استقطاب تلك القوى فستعين عليه في المقابل الاستمرار في قيادة الأمور بنفس القدر من المسئولية والحذر للإبقاء على زخم المبادرة ومظلة الإسناد البديلة التي اصطفت معه. 

كما أن الخطوة الأولى التي أقدم عليها الرئيس باقالة وزيري الدفاع والداخلية مهمة للغاية في هذا الصدد، بالإضافة إلى أن خطوة إفساح المجال للجيش للقيام بدور إعادة الانضباط على الساحة في أزمة توزيع الأمصال لمكافحة تفشي كورونا، بالإضافة إلى إدارة الأقاليم؛ هي خطوة استباقية كاشفة، حيث طلب منها معالجة الانهيار الصحي، والذي كان بماثة الخطوة الأولى في كشف مؤامرة النهضة على الدولة، حيث أشار “سعيد” إلى أنه قام بجولات عديدة في المنطقة، وقام باتصالات لتوفير تلك الأمصال، لكن النهضة دفعت قواعدها للانقضاض عليها، في مسعى لإفشال جهد الرئيس، مما تسبب في انهيار تلك المنظومة. 

سيناريوهات محتملة

على الرغم من صعوبة التنبؤ بالسيناريو التالي في ضوء طبيعة ديناميكيات المشهد السياسي الحالي، لكن من المتصور أن المسار المقبل سيظل محكومًا بطبيعة ومخرجات وأدوات إدارة الأزمة، لكن سيناريو الانفجار القادم قد يكون أحد السيناريوهات المرشحة في المستقبل القريب، لا سيما إذا فُتح “الصندوق الأسود” لتنظيم الإخوان، فإلى جانب الأدوات السياسية التي تتصدر المشهد السياسي، لا يمكن إغفال الأدوات الخشنة التي أصبحت فاعلًا رئيسيًا، فاصطفاف الجيش وقوى الأمن إلى جانب الرئيس لا يشكل فقط عامل إسناد بقدر ما يشكل قوة وازنة ومحركة قد تقود إلى تحول فارق في المشهد إذا ما ذهبت الأمور إلى التأزم أو تحول التوتر السياسي إلى توتر أمني، فالرئيس لديه ذخيرة سياسية، لكنه استخدم تعبير “وابل من الرصاص” مقابل “طلقة الرصاص” مما يعني إعادة الاعتبار للقوة الصلبة كلاعب في المشهد كأداة لحماية الدولة وتأمينها من سيناريو الانفلات المحتمل في ضوء ما تمتلكه النهضة من أدوات في هذا الصدد قد يتم استدعاؤها في المرحلة المقبلة، وهي أدوات عنيفة من المتطرفين العائدين من مناطق الصراعات كسوريا والعراق الذين تقدرهم تقارير الأمم المتحدة بنحو ألفي عنصر، بالإضافة إلى قوى الدعم من دول الجوار لا سيما ليبيا، فقد أيد رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري توجه النهضة مباشرة، معتبرًا أن ما قام به الرئيس التونسي هو “انقلاب”.

ربما يكون سيناريو الاحتواء واردًا، حيث قد تلجأ النهضة إلى التراجع مؤقتًا وعدم مقاومة التيار الجارف على نحو ما فعلت خلال مرحلة الرئيس “السبسي”، فهي حتى الآن لا تزال تشير إلى أن معركتها مع الرئيس، متجاهلة قوى الاصطفاف السياسي والمدني، كما أنها تستغل أن الرئيس وإن كان في خصومة مع الحركة حاليًا لكنه لا يسعى لإقصائها سياسيًا، بقدر ما يسعى إلى كبح جماح الحركة في الهيمنة على المجال العام وترشيد سلوكها السياسي، لكن سيتوقف هذا السيناريو على عدة عوامل منها: تبرئة الحركة من الاتهامات الموجهة لها بالفساد السياسي والمالي، وهو أمر محل شك في ضوء مؤشرات عديدة، كما أن أدواتها القضائية والأمنية تم إضعافها بقرارات الرئيس، ولم يعد من الممكن العودة عن فتح هذه الملفات. وهو ما يتوقف على عامل آخر هو قبول النهضة بتقديم تنازلات، وتغيير سلوكها، والقبول بتسديد فاتورة ما قامت به في السابق، والتراجع عن سياسة المغالبة لا المشاركة السياسية.
في الأخير، من المتصور أن النقلة السياسية التي يقوم بها الرئيس التونسي مقابل حركة النهضة هي محاولة لإعادة الاعتبار للدولة في المقام الأول، والتي تعرضت هيبتها بسبب سلوكيات حركة النهضة لهزة عنيفه. كما يمكن القول إن الرئيس يسعى إلى بناء تحالف ضامن وليس قاعدة سياسية أو حزبية له، مما يعني أنه تحول من الطرف المحايد المشاهد إلى المحرك الرئيسي للتفاعلات حتى الآن، ومن ثم سيظل الرهان على القرارات التي سيتخذها لضمان الإبقاء على هذا التحالف أكبر قدر ممكن حتى إخراج تونس من المأزق، وستكون الحكومة التي سيشكلها أول علامة فارقة ستقيم مدى نجاح أو إخفاق هذا المسار السياسي. أما باقي الخطوات التي اتخذها من استدعاء قوة الدولة للمشهد فلا شك أنها خطوة موفقة نحو تعزيز مناعة الدولة التي أضعفتها النهضة.

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح