لأول مرة منذ عقود، فشلت ألمانيا في الحصول على مقعد مؤقت بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في تصويت تاريخي أجري يوم الأربعاء 3 يونيو 2026 أسفر عن انتخاب النمسا والبرتغال لفترة ولاية مدتها سنتان إلى جانب ترينيداد وتوباغو وزيمبابوي وقيرغيزستان، وهو الأمر الذي اعتُبر بمثابة مفاجأة سياسية ودبلوماسية لافتة لحكومة المستشار الألماني “فريدريش ميرز” التي سعت إلى وضع نفسها كصوت أوروبي رائد على الساحة العالمية، لاسيما وأن برلين تُعد من أكبر المساهمين في ميزانية المنظمة الدولية، ومن أكثر الدول انخراطًا في قضايا الأمن والتنمية والعمل متعدد الأطراف.[1]
وقد طرحت النتيجة تساؤلات جوهرية واسعة داخل ألمانيا وخارجها حول الأسباب التي دفعت عددًا من الدول الأعضاء إلى حجب أصواتها عن أحد أبرز الفاعلين الأوروبيين على الساحة الدولية، وما إذا كانت النتيجة تعكس تراجعًا فعليًا في المكانة الدولية لألمانيا؟ أم أنها نتيجة ظرفية مرتبطة بحسابات انتخابية وتوازنات إقليمية داخل الأمم المتحدة؟ وما الدلالات التي تحملها بالنسبة لطموحات برلين المستقبلية في لعب دور أكبر في إدارة النظام الدولي؟
خلفية الانتخابات ونتائج التصويت
يتكون مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من 15 عضوًا لمناطق مختلفة من العالم، خمسة أعضاء دائمون يشكلون القوى النووية التي تشمل كل من: الصين، وروسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، والمملكة المتحدة. أما المقاعد العشرة المتبقية غير الدائمة، فتشغلها الدول الأعضاء لفترة مدتها سنتان. وتجري انتخابات المقاعد غير الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سنويًا من قبل الجمعية العامة، حيث يتم انتخاب خمسة أعضاء جدد من أصل عشرة أعضاء غير دائمين لفترة ولاية تمتد لعامين. وتشترط قواعد الأمم المتحدة حصول الدولة المرشحة على تأييد ثلثي الدول الأعضاء الحاضرة والمصوتة البالغ عددها 193 دولة في اقتراع سري لضمان الفوز بالمقعد.
ويمنح الحصول على مقعد في المجلس ثقلاً ونفوذاً دولياً أكبر، إذ يعتبر مجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين، كما يملك صلاحية إصدار قرارات ملزمة قانوناً كفرض العقوبات، واتخاذ قرارات بشأن حظر الأسلحة، ونشر قوات حفظ السلام، أو حتى الإذن بعمليات عسكرية، والتعامل مع النزاعات والأزمات الدولية. ومع ذلك، ونظراً لتضارب المصالح في النزاعات المحتدمة، غالباً ما يُعتبر المجلس في حالة جمود لأن الأعضاء الخمسة الدائمين يملكون حق النقض (الفيتو) على القرارات.[2]
وكانت ألمانيا في انتخابات هذا العام تتنافس مع النمسا والبرتغال للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن لعامي 2027 و2028، حيث كانت الدول الثلاث الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تتنافس للفوز بمقعدي “دول أوروبا الغربية WEOG” في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكانت النتيجة أن البرتغال قد حصلت على 134 صوتاً والنمسا على 131 صوتاً[3]، بينما حصلت ألمانيا على 104 أصوات فقط، وهو أقل بكثير من العدد المطلوب البالغ 127 صوتاً، على الرغم من ثقة برلين المعلنة قبل ساعات فقط بأنها ستحقق الفوز.[4]
أهمية المقعد بالنسبة لألمانيا
لطالما اعتبرت ألمانيا أن مشاركتها في مجلس الأمن تمثل جزءًا من مسؤوليتها الدولية المتزايدة منذ نهاية الحرب الباردة. فبرلين، التي تعتبر أكبر اقتصاد في أوروبا وثالث أكبر اقتصاد عالمي من حيث الناتج المحلي الإجمالي، تسعى منذ سنوات إلى ترجمة ثقلها الاقتصادي إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي أكبر داخل المؤسسات الدولية بما يحقق المشاركة في عملية صنع القرار الدولي.
ومنذ عام 1987، سعت ألمانيا بصورة متكررة إلى الفوز بمقاعد غير دائمة في مجلس الأمن لإثبات قدرتها على الاضطلاع بمسؤوليات دولية أكبر، وقد شغلت برلين المقعد غير الدائم ست مرات، ولم يسبق لها أن فشلت في تأمينه، مستفيدة من شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية والتعاون التنموي مع مختلف دول العالم، لكن المشكلة في طلبها السابع هذه المرة كانت تكمن في وجود منافسة حقيقية مع دول أخرى.
وتتجاوز أهمية الخسارة حدود المنافسة، إذ ترتبط بطموحات ألمانية أوسع للحصول مستقبلًا على مقعد دائم في مجلس الأمن ضمن أي عملية إصلاح محتملة للمنظمة، إذ تدعو برلين بشكل متكرر إلى توسيع المجلس بما يعكس التحولات التي شهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وترى أن الهيكل الحالي لم يعد يعبر بصورة كافية عن موازين القوى الاقتصادية والسياسية الراهنة. وفي هذا الإطار، تنسق ألمانيا مع كل من اليابان والهند والبرازيل ضمن مجموعة “G4″، التي تطالب بالحصول على مقاعد دائمة جديدة في المجلس.
ومن ثم، فإن الفوز بعضوية غير دائمة لا يمثل بالنسبة لألمانيا هدفًا مستقلًا بحد ذاته، بل يُنظر إليه باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز شرعية مطالبتها بمقعد دائم مستقبلًا. وعلى العكس من ذلك، فإن الإخفاق في حشد التأييد اللازم للفوز بالمقعد يثير تساؤلات حول مدى قدرة الدبلوماسية الألمانية على حشد التأييد الدولي في ظل بيئة عالمية تشهد تحولات متسارعة وصعودًا متزايدًا لدول الجنوب العالمي، كما يمنح معارضي توسيع المجلس حجة إضافية للتشكيك في حجم الدعم الدولي الذي تحظى به ألمانيا.
أسباب الخسارة
يصعب إرجاع أسباب الخسارة الألمانية إلى سبب واحد، وإنما إلى مجموعة من العوامل السياسية والدبلوماسية المتداخلة، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة[5]، وذلك وفقا لما أشار إليه وزير الخارجية الألماني “يوهان فادفول” الذي عزا أسباب الخسارة إلى عدة مبررات أبرزها دعم “إسرائيل” فيما يتعلق بالصراع في الشرق الأوسط والموقف من حرب غزة، ورد الفعل المتحفظ من الضربة الإسرائيلية ضد إيران، والصمت إزاء التدخل الأمريكي في فنزويلا، هذا إلى جانب اتهام روسيا ببذل جهود رامية إلى تقويض الدعم الألماني المستمر لأوكرانيا وإبقاء برلين بعيدا عن أقوى هيئة في العالم[6]، هذا فضلا عن تحميل دخول ألمانيا المتأخر للسباق الانتخابي جزءا من نتيجة الخسارة.
- الموقف الألماني من القضايا الدولية
فبرغم أن نتائج التصويت في الأمم المتحدة لا يمكن اختزالها في قضية واحدة، إلا أن المناخ السياسي الذي تشكل خلال الأشهر الماضية ساهم في إعادة تقييم عدد من الدول لعلاقاتها مع القوى الغربية الكبرى، بما في ذلك ألمانيا. ومن أبرز تلك القضايا:
- دعم “إسرائيل” الثابت في صراعات الشرق الأوسط: حيثيُعد الموقف الألماني من الحرب في غزة أحد أكثر العوامل التي أثارت جدلًا واسعًا على المستوى الدولي خلال الفترة الأخيرة. فقد تبنت برلين موقفًا داعمًا لإسرائيل بدرجة كبيرة مقارنة بعدد من الشركاء الأوروبيين، مستندة إلى اعتبارات تاريخية وسياسية مرتبطة بمسؤوليتها تجاه أمن إسرائيل في أعقاب المحرقة النازية. وقد انعكس هذا التوجه في مواقف الحكومة الألمانية داخل المؤسسات الدولية، وفي دفاعها المتكرر عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، حتى في ظل تصاعد الانتقادات الدولية للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وهو ما أثار انتقادات من جانب العديد من دول الجنوب العالمي –خاصة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية- التي رأت في هذا الموقف ازدواجية في المعايير المتعلقة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
وبعد السابع من أكتوبر 2023، شهد الموقف الألماني الداعم لإسرائيل استمرارًا في عدة ملفات رئيسية، من بينها السعي للإفراج عن الرهائن المحتجزين لدى حماس، واستمرار صادرات الأسلحة إلى إسرائيل ورفض الطعون المقدمة حول هذه القضية[7]، والتصدي للمقترحات الأوروبية الرامية إلى فرض عقوبات على تل أبيب[8]، فضلًا عن حظر بعض الشعارات المؤيدة للفلسطينيين مثل شعار “من النهر إلى البحر”.[9] إلا أن تصاعد حجم الدمار في قطاع غزة وارتفاع أعداد الضحايا الفلسطينيين دفعا برلين في بعض المراحل إلى إبداء قدر من التحفظ والحذر.[10]
ففي أغسطس 2025، أعلن المستشار الألماني “فريدريش ميرز” عن تعليق صادرات الأسلحة التي يمكن استخدامها في العمليات العسكرية داخل غزة، وذلك على خلفية الأزمة الإنسانية المتفاقمة والتقارير التي تحدثت عن مجاعة واسعة النطاق واحتمال شن هجوم إسرائيلي جديد، غير أن هذا القرار لم يدم طويلًا، إذ استمر التجميد لمدة أربعة أشهر فقط قبل استئناف الصادرات. كما طرأ تحول آخر على الموقف الألماني فيما يتعلق بالدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، فبعد أن وصفت برلين الدعوى في البداية بأنها “بلا أساس”، تراجعت في مارس الماضي عن تعهدها السابق بالتدخل قانونيًا لدعم إسرائيل أمام المحكمة.[11]
وفي الآونة الأخيرة، وعلى الرغم من استمرار التأييد الرسمي الألماني للتحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، أعرب وزير الخارجية الألماني “يوهان فاديفول” عن قلقه إزاء التوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان وما قد يترتب عليه من خسائر بشرية بين المدنيين، محذرًا من أن بعض المناطق اللبنانية قد تصبح غير صالحة للسكن على المدى الطويل نتيجة الغارات الجوية المكثفة. وفي الشهر الماضي، كانت ألمانيا جزءًا من أحدث العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على المستوطنين اليهود العنيفين.[12]
ورغم ما سبق، لا تزال ألمانيا متمسكة بموقفها الداعم لإسرائيل، وهو ما كشف عن فجوة متنامية في الرؤى السياسية بين القول والفعل للحكومة الألمانية، وعززت شعورا لدى بعض دول الجنوب العالمي – التي تمثل كتلة تصويتية متزايدة داخل الأمم المتحدة- بأن المواقف الغربية، بما فيها المواقف الألمانية، لا تطبق المبادئ القانونية والإنسانية بالمعايير نفسها على جميع النزاعات الدولية.
- الصمت إزاء التدخل الأمريكي في فنزويلا: فألمانيا لم تتبنى موقفا واضحا من حادثة اختطاف واعتقال الرئيس الفنزويلي السابق “نيكولاس مادورو” من قبل الولايات المتحدة باعتبارها انتهاكا للقانون الدولي.[13] واعتبر كثيرون أن الموقف الألماني كان حريصا على عدم إغضاب الرئيس الأمريكي، وهو ما عكس أن ألمانيا التي تدعي بأنها تحمي النظام الدولي القائم على القواعد تطبق “معايير مزدوجة” عندم يتعلق الأمر بالقانون الدولي، ما أضعف مصداقيتها أمام الدول المصوتة.
- الحملة الدبلوماسية الألمانية ونجاح المنافسين في حشد الأصوات
أثارت خسارة ألمانيا في مجلس الأمن تساؤلات واسعة بشأن فعالية الحملة الدبلوماسية التي قادتها برلين للترشح خلال السنوات الماضية، خاصة وأن الفوز بمقاعد الأمم المتحدة أثبت أنه لا يعتمد فقط على الوزن الاقتصادي أو السياسي للدولة المرشحة، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بالقدرة على بناء شبكات دعم واسعة داخل الجمعية العامة وحشد التأييد عبر تحركات دبلوماسية طويلة الأمد. ويُعزى جانب مهم من نجاح النمسا والبرتغال بالانتخابات الأخيرة إلى تركيزهما على البدء بحملتهما للترشح للمقعد منذ مدة، فقد أعلنت النمسا بالفعل عن ترشحها في عام 2011، وتبعتها البرتغال في عام 2013، بينما لم تدخل برلين السباق رسميًا إلا في عام 2020، مما ترك لها وقتًا أقل بكثير لحشد الدعم.
إلى جانب ذلك، ركزت كل من النمسا والبرتغال على أهداف دعم التعددية الدولية وتعزيز تمثيل الدول ذات الوزن الأصغر والمتوسط داخل الأمم المتحدة، كما عملتا على بناء تفاهمات وتحالفات انتخابية امتدت لسنوات قبل موعد التصويت، وهو ما أسهم في تعزيز جاذبية ترشحهما وحشد الدعم الدولي لهما، وهو عكس ما قامت به الحملة الألمانية على الرغم من الإمكانيات الدبلوماسية التي تمتلكها ألمانيا مقارنة بالنمسا والبرتغال.
- تأثير أولويات السياسة الخارجية لحكومة “ميرز”
لا شك أن فرص ألمانيا قد تأثرت بأولويات السياسة الخارجية للحكومة الحالية، والتي ركزت بصورة كبيرة على الحرب الروسية الأوكرانية، وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، وإعادة تموضع ألمانيا في البيئة الأمنية الجديدة التي أعقبت الحرب، في ظل التهديدات الأمريكية المستمرة بالانسحاب من تأمين القارة الأوروبية. ورغم أهمية هذه الملفات بالنسبة للأمن الأوروبي، إلا أنها لم تكن دائمًا متوافقة مع أولويات العديد من دول الجنوب العالمي، التي تركز بدرجة أكبر على قضايا التنمية والديون والتغير المناخي والعدالة الاقتصادية الدولية.
- تراجع بعض أدوات القوة الناعمة
فعلى مدار عقود، كانت القوة الناعمة أحد أهم مرتكزات النفوذ الدولي الألماني، وخاصة الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، حيث سعت برلين للاعتماد على أدوات غير عسكرية لتعزيز حضورها الخارجي، وذلك من خلال المساعدات التنموية، والتعاون الاقتصادي، والدعم الإنساني، وبرامج بناء القدرات، فضلًا عن دورها البارز في تمويل المؤسسات الدولية ومبادرات التنمية المستدامة، وهو ما أسهم لاحقا في بناء صورة ألمانيا كشريك موثوق وداعم للتنمية، خاصة لدى الدول النامية. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت ضغوطًا متزايدة على أولويات الإنفاق الألماني نتيجة تراجع النمو الاقتصادي، وارتفاع تكاليف الطاقة، وزيادة الإنفاق الدفاعي عقب الحرب الروسية الأوكرانية.[14]
وفي ظل هذه التحديات، اتجهت الحكومة الألمانية مطلع عام 2026 إلى خفض ميزانيات المساعدات التنموية والتعاون الدولي، وقد اعتبر منتقدو الحكومة أن هذه التخفيضات أضعفت شبكة العلاقات التي بنتها ألمانيا على مدى عقود، وقللت من قدرتها على حشد الدعم داخل المنظمات الدولية، كما ساهمت في تقويض صورة برلين كشريك دولي موثوق لدى العديد من الدول النامية التي تمثل كتلة تصويتية مؤثرة داخل الأمم المتحدة، ليستغل المنافسون هذا الواقع لتقديم أنفسهم بوصفهم شركاء أكثر قربًا من أولويات تلك الدول، سواء في مجالات التنمية أو المناخ أو التعاون الاقتصادي.
- العامل الروسي
برزت روسيا كأحد التفسيرات التي طرحتها الحكومة الألمانية عقب خسارة الانتخابات مجلس الأمن، حيث اتهم وزير الخارجية الألماني موسكو بإثارة معارضة لترشيح ألمانيا داخل الأمم المتحدة، مستفيدة من حالة الاستقطاب الدولي الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية والمواقف الألمانية الداعمة لكييف. وتستند هذه الفرضية إلى الدور البارز الذي لعبته ألمانيا خلال السنوات الأخيرة في دعم أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، فضلًا عن مشاركتها في الجهود الغربية الرامية إلى عزل روسيا دبلوماسيًا وفرض عقوبات عليها. ومن هذا المنطلق، ترى بعض الأوساط الألمانية أن موسكو امتلكت دوافع واضحة للعمل ضد حصول برلين على المقعد، سواء عبر اتصالات دبلوماسية مباشرة أو من خلال تشجيع دول أخرى على عدم التصويت لصالحها.
التداعيات في الداخل الألماني
أثارت النتيجة اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الألمانية، ليس فقط بسبب الخسارة في حد ذاتها، وإنما بسبب ما حملته من دلالات تتعلق بتراجع قدرة ألمانيا على تعبئة الدعم الدولي في مرحلة تشهد تغيرات متسارعة في موازين النفوذ داخل الأمم المتحدة، كما فتحت الباب أمام نقاش أوسع بشأن فعالية السياسة الخارجية الألمانية وأدواتها الدبلوماسية، ومدى تأثر صورتها الدولية بمجموعة من الملفات الخلافية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما قد يتطلب مراجعة شاملة لأداء السياسة الخارجية الألمانية.
فبعد الإعلان عن الخسارة، توجهت الانتقادات للحكومة الحالية من مختلف الأطياف السياسية في ألمانيا، وحتى من داخل الائتلاف الحاكم نفسه، حيث وصف “يورجن هاردت”، عضو البرلمان الألماني (البوندستاغ) والمتحدث باسم السياسة الخارجية للكتلة المحافظة CDU/CSU، إخفاق ألمانيا في الفوز بمقعد بمجلس الأمن الدولي بأنه أمر “مؤسف”. فيما حمل حزب الخضر الحكومة الألمانية مسؤولية هذه النتيجة[15]، معتبرًا أن برلين لم تبذل جهودًا كافية في ملفات المناخ والتنمية والحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد، وهي القضايا التي تشكل أولوية لدى عدد كبير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.[16]
من جهة أخرى، استغلت أحزاب المعارضة اليمينية، وعلى رأسها حزب “البديل من أجل ألمانيا AFD”[17]، النتيجة لتوجيه انتقادات أوسع للسياسة الخارجية الألمانية، معتبرة أن برلين أصبحت أكثر عزلة على الساحة الدولية نتيجة تبني سياسات “أيديولوجية” في بعض الملفات الخارجية، وسط دعوات بإجراء إصلاح جذري للأمم المتحدة، يشمل ذلك بطبيعة الحال منح ألمانيا مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن ومراجعة جميع مساهمات ألمانيا في المنظمات الدولية.[18]
بينما اتفق سياسيون مع فرضية أن روسيا عملت سرا ضد المسعى الألماني، انطلاقا من أن برلين تعتبر حاليا هي الخصم الأوروبي الأقوى لموسكو بسبب تزويد أوكرانيا بالأسلحة ودعمها للعقوبات، وبالتالي فإن الأصوات التي خسرتها ألمانيا كانت من دول لطالما سعت كل من روسيا والصين لاستمالتها، وأن فوز “النمسا” تحديدا يتماشى إلى حد كبير مع هذا الافتراض.[19] [20]
الدروس المستفادة: المراجعة وإعادة التقييم
لا تعتبر ألمانيا خسارتها للمقعد ضربة قوية للغاية في ظل الواقع الذي يشهده مجلس الأمن الفترة الأخيرة، إذ تعرقل كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا بعضهما البعض باستمرار، كما لم تسفر قرارات المجلس عن تغيير واقع الأزمات العالمية كالحرب الروسية الأوكرانية أو منع الممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة والشرق الأوسط، هذا إلى جانب ظهور تكتلات ومجموعات قوى بديلة جديدة، مثل مجموعة العشرين أو مجموعة بريكس بلس، كمجموعات ذات تأثير ينافس الأمم المتحدة.
وبالتالي يمكن اعتبار أن المقعد في حد ذاته هو “رمز” لبرلين أكثر من كونه أداة فعالة، وبالتالي فإن خسارته لا يعني أن ألمانيا دولة هامشية، فهي لا تزال تمتلك مقومات كبيرة تشمل الاقتصاد المتقدم، والقدرات التكنولوجية، والنفوذ داخل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب المساهمة الواسعة في المؤسسات الدولية، وإنما هي إشارة على أنها تتمتع بفعالية أقل مما يمكن أن تكون عليه في بيئة دولية أكثر تنافسية وتعقيدًا. لذا قد ينبغي على صناع القرار الألماني التفكير في إعادة تقييم ومراجعة بعض جوانب السياسة الخارجية والدبلوماسية، والاستفادة من تجربة مجلس الأمن واستخلاص أبرز الدروس منها:
- تعزيز العلاقة مع دول الجنوب العالمي عبر دبلوماسية طويلة الأمد: وذلك إدراكا لحقيقة أن الدول النامية باتت أكثر استقلالية في خياراتها السياسية، وأقل استعدادًا لمنح دعم تلقائي للقوى الغربية التقليدية، وأن المنافسة الدولية أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على بناء الشراكات طويلة الأمد والاستجابة لأولويات دول الجنوب العالمي، والتي تتعلق بالتنمية والديون ونقل التكنولوجيا والعدالة المناخية، وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى تغير الاستراتيجية الألمانية التي تروج لمطلب الحصول على مقعد دائم بمجلس الأمن.
- الحفاظ على أدوات القوى الناعمة: فقد أثبتت التجربة أيضا أن المساعدات التنموية وبرامج التعاون الدولي ليست مجرد أدوات إنسانية، بل تمثل أيضًا استثمارًا استراتيجيًا في النفوذ السياسي والدبلوماسي. ولذلك، قد تدفع الخسارة برلين إلى إعادة النظر في تخفيضات المساعدات الخارجية التي طبقتها، وتقوم بتعزيز حضورها التنموي في المناطق التي تمتلك ثقلًا تصويتيًا داخل المنظمات الدولية.
- تعزيز الحضور الألماني في المنظمات متعددة الأطراف: فقد تدفع النتيجة برلين إلى زيادة نشاطها داخل الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، فضلًا عن المنظمات الدولية والإقليمية الأخرى، وذلك من خلال توسيع مشاركتها في المبادرات التنموية والإنسانية، وتعزيز مساهماتها في عمليات حفظ السلام وبرامج المناخ والتنمية المستدامة، وتوسيع برامج بناء القدرات والشراكات التعليمية والتكنولوجية، ومن شأن هذه الخطوات أن تسهم في بناء رصيد سياسي طويل يمكن الاستناد إليه في المنافسات الدولية المستقبلية.
- تعزيز المصداقية الدولية: وذلك بتقليص الفجوة بين الصورة التي ترى بها ألمانيا نفسها كمدافع عن النظام الدولي متعدد الأطراف، وبين الطريقة التي تنظر بها بعض الدول الأخرى إلى سياساتها الخارجية. وهذا الأمر قد يتطلب قدرًا أكبر من الاتساق بين الخطاب السياسي والمواقف العملية تجاه الأزمات الدولية، وخاصة الدعم الألماني لـ “إسرائيل”، فالأمر بالنسبة للعديد من دول الجنوب العالمي قد لا يتعلق بمبدأ دعم إسرائيل في حد ذاته، بل بمدى اتساق السياسة الألمانية مع خطابها التقليدي بشأن القانون الدولي وحقوق الإنسان.
فقد رأت بعض الدول أن برلين تبنت مواقف أكثر تشددًا في إدانة انتهاكات القانون الدولي في أزمات أخرى، مقارنة بموقفها من الحرب في غزة وما تلاها من أزمات في الشرق الأوسط، وهو ما أدى إلى اتهامات بازدواجية المعايير. ومن ثم، قد يكون أحد الدروس المستفادة بالنسبة لألمانيا هو ضرورة الفصل بين التزامها التاريخي بأمن إسرائيل وبين الحفاظ على صورة أكثر توازنًا في القضايا الإنسانية والقانونية، وتطبيق المعايير نفسها على جميع النزاعات الدولية دون استثناء.
كما كشفت الانتخابات أن المواقف المتعلقة بالقضية الفلسطينية تحديدا أصبحت عنصرًا مؤثرًا في علاقات العديد من الدول مع القوى الغربية داخل الأمم المتحدة، لذلك قد تسعى برلين مستقبلاً إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي في ملفات مثل الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار ودعم حل الدولتين، بما يساعد على تقليل حدة الانتقادات الموجهة إليها دون التخلي عن التزاماتها التقليدية تجاه إسرائيل.
مجمل القول، تطرح الخسارة الألمانية تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت النتيجة تمثل مجرد خسارة مؤقتة أم أنها تعكس تحولًا أعمق في مكانة برلين داخل النظام الدولي. فمن ناحية، يصعب اعتبار النتيجة دليلًا على تراجع حاد في النفوذ الألماني؛ إذ لا تزال ألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا، وأحد أبرز المساهمين في الأمم المتحدة، وفاعلًا رئيسيًا داخل الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع، لكنها في الوقت نفسه أثبتت أن المكانة الاقتصادية وحدها لم تعد كافية لضمان النفوذ السياسي أو حشد الدعم داخل المؤسسات متعددة الأطراف، بل هناك اعتبارات أخرى تؤخذ في الاعتبار كالمواقف من القضايا الدولية والعلاقة مع دول الجنوب العالمي.
وعليه، يمكن اعتبار النتيجة كإنذار دبلوماسي يكشف الحاجة إلى مراجعة بعض أدوات السياسة الخارجية وأساليب بناء الشراكات الدولية، وإذا نجحت برلين في استيعاب الرسائل التي حملتها الانتخابات وعززت حضورها لدى دول الجنوب العالمي واستعادت زخم قوتها الناعمة، فقد تتحول هذه الانتكاسة إلى فرصة لإعادة صياغة دورها الدولي بصورة أكثر فاعلية الفترة القادمة، أما في حال اعتبار النتيجة مجرد انتكاسة مؤقتة، فقد تواجه ألمانيا تحديات مماثلة في استحقاقات دولية قادمة.
[1] ‘Portugal and Austria defeat Germany for seats on the UN Security Council’, AP News, 3 Jun 2026, https://apnews.com/article/un-security-council-election-austria-portugal-germany-afd582a50901182d7f955062456222ad
[2] ‘Security Council’, UN, https://main.un.org/securitycouncil/en/about_test1
[3] UN Statement on X, 3 Jun 2026, https://tinyurl.com/2wunwtvm
[4] ‘Johann Wadephul vor Wahl für Sitz im UN-Sicherheitsrat optimistisch’, Die Zeit, 3 Jun 2026, https://www.zeit.de/politik/ausland/2026-06/un-sicherheitsrat-johann-wadephul-deutschland-sitz-gxe
[5] ‘Germany’s UN defeat: What went wrong?’, DW, 4 Jun 2026, https://www.dw.com/en/why-did-germany-lose-un-security-council-seat/a-77420221
[6] Benjamin Alvarez (US Correspondent for DW) Statement on X, 3 Jun 2026, https://tinyurl.com/2nvfmbef
[7] ‘Germany’s top court dismisses Palestinian challenge to arms exports to Israel’, TRT World, 16 Feb 2026, https://www.trtworld.com/article/6999e923c5dc
[8] ‘Germany rejects Israel sanctions, urges dialogue’, EFE, 21 April 2026, https://efe.com/english/latest-news/2026-04-21/germany-rejects-israel-sanctions-dialogue/
[9] ‘”From the River to the Sea” plötzlich strafbar?’, LTO, https://www.lto.de/recht/hintergruende/h/hamas-parole-river-sea-palaestina-palestine-free-israel-antisemitisch-antisemitismus-billigung
[10] ‘Germany Is Paying a Price for Its Sweeping Support for Israel’, Haaretz, 6 Jun 2026, https://www.haaretz.com/world-news/europe/2026-06-06/ty-article/.premium/germany-is-paying-a-price-for-its-sweeping-support-for-israel/0000019e-97ad-d362-addf-97bf9c400000
[11] ‘Germany pulls support for Israel in ICJ genocide case as it faces own accusations’, The Times of Israel, 21 Mar 2026, https://www.timesofisrael.com/germany-pulls-support-for-israel-in-icj-genocide-case-as-it-faces-own-accusations/
[12] ‘EU sanctions extremist settlers and entities undermining the Two-State Solution’, European Union, 28 May 2026, https://www.eeas.europa.eu/eeas/eu-sanctions-extremist-settlers-and-entities-undermining-two-state-solution_en
[13] ‘Venezuela: Germany hesitates to condemn US attack’, DW, 5 Jan 2026, https://www.dw.com/en/venezuela-germany-hesitates-to-condemn-us-attack/a-75399144
[14] ‘Germany: The harsh reality of cutting development aid’, DW, 15 Jan 2026, https://www.dw.com/en/germany-the-harsh-reality-of-cutting-development-aid/a-75516453
[15] ‘Grüne kritisieren Merz und Wadephul nach Scheitern bei UN-Wahl’, Die Zeit, 3 Jun 2026, https://www.zeit.de/politik/ausland/2026-06/un-wahl-cdu-friedrich-merz-johann-wadephul-gruene
[16] ‘Germany loses vote for UN Security Council seat’, DW, 3 Jun 2026, https://www.dw.com/en/un-security-council-germany-temporary-seat-vote/a-77409955
[17] Alice Weidel satetement on X, 3 Jun 2026, https://x.com/Alice_Weidel/status/2062206445198676375
[18] ‘”Blamabel”, “herbe Niederlage”, “Schlappe für Merz”’, Tagesschau24, 3 Jun 2026, https://www.tagesschau.de/ausland/amerika/un-sicherheitsrat-reaktionen-100.html
[19] ‘Germany says Russia stirred up opposition to UN Security Council bid’, Reuters, 3 Jun 2026, https://www.reuters.com/world/germany-puts-brave-face-un-security-council-defeat-2026-06-03/
[20] ‘‘Embarrassing’: pressure on Merz after Germany’s failure to win UN security council seat’, The Guardian, 4 Jun 2026, https://www.theguardian.com/world/2026/jun/04/failure-to-win-seat-un-security-council-germany-friedrich-merz