إمارات «داعش» الجديدة في قلب أفريقيا (1)

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الاستراتيجية الجديدة التى اعتمدها تنظيم «داعش» فى وحدة قيادته المركزية أن هناك فرصة جديدة تدفعه للاستثمار وتطوير فرعه الأفريقى القوى، الذى اصطلح على تسميته «ولاية غرب أفريقيا» بعد سنوات من المساجلات مع «بوكو حرام»، التنظيم التاريخى فى هذه المنطقة. فتح بالطبع مقتل «أبوبكر الشكوى»، زعيم جماعة «بوكو حرام»، صفحة جديدة فى معادلات النفوذ والاستحواذ داخل مناطق اعتادت على معايشة تقلب رايات العمل المسلح ومرجعياتها وولاءاتها. الفصل الأخير من هذه النزاعات البينية جرى ما بين جماعة «الشكوى»، التى تمثل أصل «بوكو حرام» وامتدادها التنظيمى القاعدى، والمجموعة الكبيرة التى خرجت من عباءتها لتبايع «داعش» وتحظى بالعمل تحت علامتها الجهادية بقيادة «أبومصعب البرناوى»،…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الاستراتيجية الجديدة التى اعتمدها تنظيم «داعش» فى وحدة قيادته المركزية أن هناك فرصة جديدة تدفعه للاستثمار وتطوير فرعه الأفريقى القوى، الذى اصطلح على تسميته «ولاية غرب أفريقيا» بعد سنوات من المساجلات مع «بوكو حرام»، التنظيم التاريخى فى هذه المنطقة. فتح بالطبع مقتل «أبوبكر الشكوى»، زعيم جماعة «بوكو حرام»، صفحة جديدة فى معادلات النفوذ والاستحواذ داخل مناطق اعتادت على معايشة تقلب رايات العمل المسلح ومرجعياتها وولاءاتها. الفصل الأخير من هذه النزاعات البينية جرى ما بين جماعة «الشكوى»، التى تمثل أصل «بوكو حرام» وامتدادها التنظيمى القاعدى، والمجموعة الكبيرة التى خرجت من عباءتها لتبايع «داعش» وتحظى بالعمل تحت علامتها الجهادية بقيادة «أبومصعب البرناوى»، حيث أعلن الأخير بنفسه مقتل غريمه فى مايو الماضى إثر غارة نفذتها سرية تابعة لولاية غرب أفريقيا، داهمت فيها «غابة سامبيسا» الكثيفة ذات الأهمية الاستراتيجية، التى تقع فى شمال شرقى نيجيريا، والتى ظلت لسنوات تمثل قاعدة «أبوبكر الشكوى» ومركز قيادته.

جماعة «بوكو حرام»، التى تأسست عام 2002 على يد «محمد يوسف»، ركزت فى بدايتها على رفض أسلوب التعليم الغربى، واتخذت من تسميتها معبراً عن توجهها فى تحميل الغرب مسئولية تفاقم الفقر والفساد فى نيجيريا. ظل «أبوبكر الشكوى» يلعب دور الساعد الأيمن لـ«محمد يوسف»، مؤسس الجماعة، حتى تسلَّم قيادتها فى عام 2009 بعد مقتل زعيمها أثناء اعتقاله لدى الشرطة النيجيرية. تطورت الجماعة على يد «الشكوى» بصورة كبيرة، فسرعان ما قام بتحويلها من حركة سرية معزولة، إلى تنظيم أقرب إلى حركة التمرد المسلح، لا سيما بعد اجتياح شمال شرق نيجيريا، وقدرته على تحويل جزء كبير منها إلى منطقة رخوة بالكاد تسيطر عليها الدولة المركزية. على خلفية ما نفذته الحركة تحت إمرة «الشكوى» من تفجيرات وقتل وعمليات خطف، فضلاً عن ترتيب لفرار معتقلين من السجون، تمكن من تحريرهم وضمهم إلى صفوف التنظيم فى طبعته الثانية الأخطر والأشرس. وفق ما ذكرته تقارير الأجهزة الأمنية النيجيرية التى أُرهقت لسنوات فى محاربة هذا التنظيم، منذ عام تولى «أبوبكر الشكوى» قيادته فى 2009 قُتل ما يزيد على (30 ألف شخص)، ونزح أكثر من مليونين عن منازلهم فراراً من عمليات القتل والترويع. إثر ذلك حاز «الشكوى» لقب «إرهابى عالمى»، مسجلاً فى قائمة المطلوبين الأمريكية، ورصدت مكافأة بقيمة (7 ملايين دولار) لمن يدلى بمعلومات تساعدها فى إلقاء القبض عليه، قبل أن يضرب الجماعة الانشقاق الكبير الذى تزعمه «أبومصعب البرناوى»، نجل محمد يوسف مؤسسها، عندما بايع «داعش» عام 2015، وأتم عملية الانسلاخ بالجانب الأكبر من تنظيم والده فى 2016، ليتولى منذ هذا التاريخ قيادة «ولاية غرب أفريقيا» على مساحة من الفوضى والانفلات الأمنى، سمحت له بالتمدد خارج حدود نيجيريا إلى دول الجوار المستهدفة من قبَل التنظيم الأم، لتمثل له دائرة حركة جديدة، ولتشهد هى الأخرى فصولاً من العمل والغارات المسلحة التى يتميز بها «داعش»، وقام بنقل تكتيكاتها إلى هذا المسرح المثقل بالأساس من نشاط الجريمة المنظمة وحركات التمرد الانفصالية المحلية.

هذا موجز لمناخ الاستثمار الذى قرر تنظيم «داعش» أن يطور من وجوده فيه، عبر تأسيس (4 ولايات) جديدة تستقر حول محيط «بحيرة تشاد»، تحت قيادة مركزية بولاية «بورنو» فى نيجيريا، مسقط رأس والمكنى باسمها القائد «أبومصعب البرناوى»، الموجود فى أدغال «غابة سامبيسا» منذ مقتل «أبوبكر الشكوى» حتى يجرى تعيين الولاة الأربعة من قبَل القيادة المركزية. وقد وصله تكليف أوّلى منها بالعمل على استقطاب العناصر التى ظلت موالية لـ«بوكو حرام»، حتى يمكن ضمان عدم منازعتهم لمشروع الولايات الداعشية الجديدة. وقد بدأ «البرناوى» وأركان قادته المحليين فى العمل على هذا الأمر، وإن لم يخل المشهد من حالة «تشظى» متوقعة لهذه العناصر بعد مقتل «الشكوى»، ففى طيات هذا التطوير أصبح هناك ما يثير قدراً كبيراً من القلق، فانتظام هذه العناصر التى ظلت تمثل القوة المقاتلة لـ«بوكو حرام» لسنوات داخل كيانات جديدة، لن يقف عند حدود نيجيريا وجوارها القريب، بل الشاهد خلال الأشهر الثلاثة الماضية أن المجال قد فُتح على مصراعيه، ورصد المئات منهم يتجهون تجاه الشمال عبر شبكة معقدة من الاتصالات والطرق، حيث وصل البعض منهم إلى الجنوب الليبى، محتمياً بالتحالف مع فصائل المعارضة التشادية التى تفتح أبوابها منذ سنوات أمام المرتزقة وغيرهم من عناصر التنظيمات الإرهابية فى نسق تعاونى فيما بينهما، تحكمها معادلة تأمين الإقامة والحماية، مقابل استئجار البنادق وخبرات القتال.

فى الاتجاه العكسى من هذا الطريق؛ ما إن جرى الإعلان عن النية لتأسيس الولايات الأربع لـ«داعش» حتى هرع المئات من المقاتلين السابقين، الموجودين فى ليبيا والسودان ومالى والنيجر، للانضواء وحجز أماكن فى صفوف الكيانات الجديدة. المصادر المحلية فى هذه المنطقة الشاسعة بدأوا فى رصد هذه التحركات، بل وبدأوا فى الخروج ببعض من الاستخلاصات المهمة أيضاً، منها أن العائدين إلى تخوم بحيرة تشاد يفضلون استخدام طريق أطول نسبياً عبر (ليبيا، الجزائر، مالى، النيجر، نيجيريا)، بدلاً من الممر المباشر القديم (ليبيا، النيجر، نيجيريا)، فى تعاون مستحدث مع «تجار البشر» الذين يؤمّنون للمقاتلين الدعم اللوجيستى الذى يعين على وعورة وطول الطريق، لكنه يبقى متمتعاً بميزة التأمين الذى يقوم عليه النيجيريون المشغلون لعناصر من العرب والطوارق، فى منظومة يقوم «داعش» بسداد تكلفتها الباهظة نسبياً بالمقارنة مع ما كان يجرى سابقاً. كما يقدمون تعليمات حول كيفية ارتداء الملابس ومواعيد السفر، ووسيلة النقل التى يجب استخدامها لتجنب اكتشافهم من قبَل قوات الأمن.

ماذا تستهدف «داعش» من هذا التطوير؟ وما يجرى وراء عملية الميراث التى يُنفق عليها بسخاء؟ ومَن من القوى الدولية يقف وراء كل هذا النشاط بالحماية والتخطيط ورسم مسارات الحركة المتوقعة لاحقاً؟.. هذا ما نتناوله الأسبوع المقبل بمشيئة الله.

نقلا عن جريدة الوطن بتاريخ 9/8/2021
خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب