وحدة الدراسات الأوروبية

فرنسا والساحل والصحراء: الانتقال من استراتيجية إلى أخرى

نشرت مجموعة الأزمات الدولية، يوم ٢٧ يوليو ٢٠٢١، تقريرًا عن “تركيا في الساحل والصحراء” قالت فيه إن القوى الغربية تراقب بقلق تزايد التواجد التركي في هذه المنطقة في وقت يتراجع فيه الوجود الفرنسي بعد قرار الرئيس ماكرون بإنهاء المهمة العسكرية “باركان” في يونيو الماضي وبعد توقيع تركيا اتفاقية عسكرية مع النيجر في يوليو ٢٠٢٠ لم تتضح ملامحها إلى الآن، إلا أنه يبدو أنها تنص على إرسال جنود وضباط أتراك لتدريب القوات النيجرية على فنون قتال مجموعة بوكو حرام.  وتقول ورقة مجموعة الأزمة الدولية، إن هذا الإجراء (إرسال ضباط أتراك) سيكون غالبًا مقدمة لدعم عملياتي مباشر. وبعد توقيع هذه الاتفاقية بشهر…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

نشرت مجموعة الأزمات الدولية، يوم ٢٧ يوليو ٢٠٢١، تقريرًا عن “تركيا في الساحل والصحراء” قالت فيه إن القوى الغربية تراقب بقلق تزايد التواجد التركي في هذه المنطقة في وقت يتراجع فيه الوجود الفرنسي بعد قرار الرئيس ماكرون بإنهاء المهمة العسكرية “باركان” في يونيو الماضي وبعد توقيع تركيا اتفاقية عسكرية مع النيجر في يوليو ٢٠٢٠ لم تتضح ملامحها إلى الآن، إلا أنه يبدو أنها تنص على إرسال جنود وضباط أتراك لتدريب القوات النيجرية على فنون قتال مجموعة بوكو حرام. 

وتقول ورقة مجموعة الأزمة الدولية، إن هذا الإجراء (إرسال ضباط أتراك) سيكون غالبًا مقدمة لدعم عملياتي مباشر. وبعد توقيع هذه الاتفاقية بشهر أطاح انقلاب عسكري بالرئيس المالي المقرب من فرنسا، وقام وزير الخارجية التركي بزيارة لقادة الانقلاب فسرت بأنها دعم مباشر لهم. وفي يناير ٢٠٢١، نددت وزيرة الدفاع الفرنسية بمواقف تركيا (وروسيا) الساعية دائمًا إلى استغلال الثغرات لفرض وجودها ولنزع مصداقية فرنسا في عدة مناطق منها الساحل والصحراء.

وأبرز تقرير المجموعة “تطمينات” المسئولين الأتراك، الزاعمين بأن أهدافهم في المنطقة اقتصادية وتجارية وثقافية، وإن أقروا بأن حماية مصالحهم واستثماراتهم المتنامية في المنطقة قد تتطلب “قوة عسكرية”. كما أشار التقرير إلى شكوى المسئولين الأتراك من موقف الدول الغربية من تواجدهم في المنطقة، وهو موقف متحفظ جدًا يتوجس من التعاون معها “بعد التصعيد في شرق المتوسط” السنة الماضية. ويُشير التقرير إلى كون تركيا بدأت سنة ٢٠١٨ تدريب عناصر من القوات المالية واستضافت بعضهم في كلياتها وأكاديمياتها العسكرية. كما بدأت في تزويد الجيش المالي بسلاح خفيف وذخيرة. وحاول التقرير الإيحاء بأن نشاط بعض القوى الإقليمية المناوئة لتركيا مثل الإمارات هو سبب تزايد التواجد العسكري التركي. باختصار مال التقرير إلى تبرير الموقف التركي وتأييد زعمه بأن وجوده أساسًا اقتصادي وتجاري وثقافي، وأشار -في هذا الصدد- إلى تنامي المشاعر المضادة لفرنسا في المنطقة، ولكنه أقر بأن هناك شكوكًا غربية وإقليمية في النوايا التركية، غذاها السلوك التركي في شرق المتوسط من ناحية ودعمها للإخوان المسلمين من ناحية أخرى، وأقر أيضًا بأن الاستثمارات والصادرات التركية في المنطقة ما زالت ضئيلة إن قورنت بمثيلاتها الفرنسية والصينية، وهذا رغم نموها نموًا سريعًا في العقد الماضي، وقال أخيرًا إن شعوب وإثنيات المنطقة تستحسن الوجود التركي وهذا حقيقي.

حسابات تركية

لا يمكن الجزم بما يدور في ذهن المسئولين الأتراك وحساباتهم؛ إلا أنه يبدو أن تركيا تملك بدون كلفة كبيرة ما يمكنها من التأثير القوي على الرأي العام الساحلي، ومن رفع ثمن فاتورة التواجد العسكري الأوروبي ولا سيما الفرنسي، ولكننا لا نظن أنها تستطيع الحلول محل الفرنسيين هناك، لا سيما مع تعدد الجبهات التي تنخرط فيها. ويلاحظ -في هذا الصدد- أن بعض المواقع الإعلامية التركية عرضت مؤخرًا لفكرة تعاون فرنسي تركي في المنطقة “يخرج فرنسا من مأزقها”، وقطعًا باريس غير مستعدة في الوقت الحالي لسماع مثل هذا الكلام.

طبعًا الأسباب الرئيسية للقلق الفرنسي والأوروبي من تنامي الوجود التركي هي عدوانية تركيا في السنوات الماضية على كافة الجبهات، واستخدامها الشرس لكروت مثل المهاجرين والمليشيات، وتوقيت هذا التنامي الذي تزامن مع قرار فرنسا بإنهاء عملية “باركان” العسكرية وبتخفيض تواجدها العسكري بما لا يقل عن ٤٠٪، وتزامن أيضًا مع وفاة الرئيس التشادي “إدريس ديبي”، الفاعل الرئيسي في عمليات محاربة المجموعات العسكرية الجهادية في المنطقة؛ إذ إن الجيش التشادي أقوى جيوش الدول الإفريقية الخمس الواقعة في منطقة الساحل والصحراء، وسبب آخر هو تمتع تركيا بمزايا ثقافية ودينية واقتصادية لا تستطيع أوروبا منافستها فيها، وهذا لا يعني طبعًا أن أوروبا وفرنسا تحديدًا لا يملكان أوراقًا وإمكانيات.

وقبل نشر تقرير مجموعة الأزمات الدولية بحوالي شهر، نشرت بعض الصحف الفرنسية أهمها “لو فيجارو” (يوم ١٦/٦) تقارير تحذر من تنامي الدور الروسي في المنطقة، وقالت إن روسيا تعرف قائد الانقلاب المالي، وإن نجاحها في تأمين النظام في جمهورية إفريقيا الوسطى ودعمها القوي للرئيس المالي الجديد مبعثان للقلق، وأشارت إلى التواجد الروسي القوي والمؤثر في عدة دول إفريقية منها ليبيا، ولكنّ التقارير نفسها قالت إن الخبراء العسكريين الفرنسيين يستبعدون دخولًا روسيًا قويًا في منطقة الساحل والصحراء، لأن أداة روسيا الرئيسية في المنطقة ورأس حربتها هي مليشيات فاجنر، وهذه المليشيات غير قادرة على التعامل مع التحديات الأمنية الضخمة في الساحل والصحراء. ومن ناحية أخرى، في النماذج الناجحة للتدخل الروسي كانت مليشيات “فاجنر” تمول نفسها بطلب نسب على عائد الثروات الطبيعية، وهذا غير ممكن في مالي.

تخبط فرنسي

بعد مرور ما يقرب من شهرين على قرار الرئيس “ماكرون” بإنهاء عملية باركان وتخفيض الوجود العسكري الفرنسي في المنطقة، يبدو واضحًا أن هذا القرار كان رد فعل غاضبًا على سلوك السلطات المالية التي سعت إلى التفاوض مع المتمردين والجهاديين “من وراء فرنسا”، والتي عجزت عن الاضطلاع بمهامها كدولة وعن بناء جسور الثقة مع كل مواطنيها، وهي مهام أكدتها بعض الاتفاقات والقمم الدولية، وهذا الغضب لم يكن غضب الرئيس الفرنسي لوحده، بل شاركته فيه كل الجهات الفرنسية ذات الصلة بالملف، وهذا الغضب هو السبب الحقيقي للموقف الفرنسي الجديد وإن حاول القادة الفرنسيون تبريره باعتبارات استراتيجية أهمها أن الخطر الإرهابي تمدد ليهدد كافة دول الخليج الغيني المجاورة لدول الساحل والصحراء، وأن مواجهة هذا التطور تقتضي تغيير الخطط وإعادة الانتشار وتنسيقًا دوليًا أكبر. ولكنه قرار اتُّخذ بدون حساب دقيق لتبعاته الاستراتيجية ولتوقيته، ويراهن رهانًا غير مضمون على إمكانية حث/إجبار القوى الغربية على مضاعفة تواجدها لتعويض انخفاض عدد القوات الفرنسية، كما يراهن على إمكانية تطوير الجيوش الساحلية لتضطلع هي بالمجهود العسكري الرئيسي للتصدي للمجاهدين. 

وأشارت بعض التقارير الصحفية إلى التخبط السائد بعد صدور القرار. مثلًا، استقال رئيس أركان الجيش الفرنسي، صحيح أنه شدد على عدم وجود أي علاقة بين قراره وقرار الرئيس “ماكرون”، وصحيح أيضًا أنه دافع عن القرار قائلًا إنه يتفق وتوجهات تفكير وتخطيط وعمل القيادات العسكرية الفرنسية منذ سنتين، وصحيح أنه برره بضرورة “حث شركاء فرنسا على الاضطلاع بمسئولياتهم، لأن فرنسا لا تستطيع أن تكون متصدرة وفي الواجهة لوحدها دائمًا”؛ ولكنه صرح أيضًا بأن تطبيق القرار سيكون أمرًا بالغ التعقيد، وأنه لا يستطيع أن يحدد اليوم لا عدد الجنود والوحدات التي ستظل موجودة في المنطقة، ولا الدول الإفريقية التي يجب عرض عليها شراكة عملياتية في إطار مكافحة الإرهاب، والأهم أنه قال في محاضرات ومجالس إن آفة فرنسا غياب الثقافة العسكرية في النخبة المدنية، وقصور فهمهم لأبجديات الاستراتيجية. ومن ناحيتها، صرّحت وزيرة الدفاع بأن العملية “باركان” تتحور ولكنها لم تنتهِ، وأن تحورها هذا لا يعني أن فرنسا ستقلل أو تبطئ من عملياتها في منطقة الساحل والصحراء.

ومن أمثلة التخبط إعلان فرنسا في مطلع شهر يونيو الماضي تعليق عملياتها المشتركة مع القوات المالية احتجاجًا على تنصيب العقيد “جويتا” نفسه رئيسًا لمالي في محاولة لاستغلال دقة الموقف العام بعد وفاة الرئيس “ديبي”، وعلى اعتماد الرئيس الجديد على حركة ٥ يونيو الكارهة لفرنسا لضمان تأييد شعبي. وهذا القرار الفرنسي يناقض استراتيجية باريس في تمكين القوات الساحلية، وبعد مرور شهر تراجعت فرنسا عنه “بعد أن حصلت على ضمانات من النظام الجديد حول العملية السياسية وتنظيم الانتخابات”.

باختصار، قالت أغلب التحليلات الفرنسية إن الوضع السياسي في مالي وعجز الدولة المالية عن القيام بمهامها كدولة يعرضان الحصاد والنجاح العسكريين للوجود الفرنسي للخطر، ويجعلانه بدون فائدة. وتقول إن الدولة المالية أصبحت عبئًا على شركائها.

الاستراتيجية الفرنسية الجديدة

ورغم التخبط بدأت بعض ملامح الاستراتيجية الفرنسية الجديدة تتضح، فأعلن الرئيس “ماكرون” يوم ٩ يوليو في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس النيجر أن فرنسا ستغلق بعض القواعد في شمال مالي وتقوي بشدة وجودها في النيجر، مع الاستمرار في عمليات مكافحة الإرهاب في شمال مالي وهي عمليات ستقوم بها قوات خاصة فرنسية وأوروبية والقوات الجوية المنطلقة من النيجر. وبدا أن المرحلة القادمة ستشهد تموضعًا فرنسيًا يعتمد أساسًا على النيجر وتشاد والكوت ديفوار وقادرًا على التدخل السريع في كل دول المنطقة، وقال ماكرون صراحة إنه لا يثق في قيادات مالي. وأضاف أن الوضع في تشاد مختلف جدًا (المقارنة مع تشاد تعود إلى عدم احترام الدستور في الدولتين)، وقال إن عدد القوات الفرنسية في المنطقة لن ينخفض قبل إتمام عملية إعادة الانتشار في مطلع السنة القادمة، وعندئذ سيتواجد ما بين ٢٥٠٠ و٣٠٠٠ عسكري فرنسي في المنطقة وفقًا له. وقال الرئيس إن تغيير استراتيجية وتموضع قوات فرنسا بات ضروريًا لأن الجهاديين غيروا أهدافهم وفهموا أنهم لن يستطيعوا إقامة إمارة، وباتوا يعتمدون على انتشار يهدد كل الإقليم ومعه كل دول الخليج الغيني. وفسر المراقبون اختيار النيجر لتكون الحليف الرئيسي الجديد رغم ضعف جيشها بعوامل سياسية (نظمت انتخابات “نزيهة” هناك) واستراتيجية (التواجد في النيجر يحول دون التقاء قوات جهاديي تشاد وجهاديي مالي). وأخيرًا، تحاول فرنسا حث الأمم المتحدة على تعديل وتوسيع مهام بعثة الأمم المتحدة المتعددة الأبعاد لدعم استقرار مالي، ولكن هذا السعي يلقى حاليًا اعتراضًا أمريكيًا.

جدل التواجد العسكري الفرنسي في المنطقة

قد يكون من المفيد العودة إلى الوراء قليلًا لاستجلاء صورة الأوضاع قبل قرار الرئيس الفرنسي الصادر في يونيو الماضي. في الإعلام الفرنسي، طرح سؤال جدوى التواجد العسكري الفرنسي في المنطقة بقوة في مناسبات عديدة في العقد الماضي، جدوى عملية تكلف مليار يورو سنويًا ويموت فيها جندي كل شهر، “دون تقدم ملحوظ” وفقًا لهذا الإعلام في تحقيق الأهداف التي حددتها القيادات المتعاقبة. وساهم بعض الخبراء في شئون المنطقة في التشكيك في جدواها، مشيرين إلى انقلاب الرأي العام الساحلي عامة والمالي تحديدًا على فرنسا. وفي المقابل، اعتبر عددٌ من العسكريين هذه المعركة الأهم بالنسبة لفرنسا نظرًا لقرب المسرح من فرنسا (مقارنة بلبنان وأفغانستان مثلًا) ولأهمية الاستثمارات الفرنسية فيها، ولإدمان المتمردين والجهاديين اختطاف مواطنين فرنسيين وغربيين. وشددوا على أهمية نجاحاتها في القضاء على مئات بل آلاف الإرهابيين، وفي الحد من القدرات العسكرية للتنظيمات الإرهابية، وفي منعها من تشكيل إمارة تحكم سيطرتها على إقليم أو أكثر، وفي تحسين أداء القوات العسكرية الساحلية، وفي تطوير أداء القوات الفرنسية التي أصبحت أكثر سرعة وتجيد استخدام الدرونز والتنسيق مع قوات الحلفاء الغربيين. وفي المقابل، أقر المحللون بأن الهدف النهائي -قدرة القوات الساحلية على الاضطلاع بمهامها دون تدخل غربي- ما زال بعيد المنال.

وفي منتصف إبريل الماضي –أي قبل قرار الرئيس “ماكرون” بحوالي شهرين أو أقل- صدر تقرير برلماني فرنسي مفصل حول العملية، وبدا أيامها وكأنه يحسم الخلاف لصالح استمرار العملية ولاعتبارها “الطريق السليم” ولاعتبار نتائجها نجاحًا وإن كان هشًّا، ويرى أنه من الضروري مواصلة “البناء عليه”. ويلاحظ أن التقرير قال صراحة إن الاعتماد على جيوش دول الساحل والصحراء أمر غير واقعي وغير ممكن، أي إن أهم ركن من أركان قرار “ماكرون” الصادر في يونيو ويوليو هدف غير واقعي، وكلام لا أساس له.

وأيّد التقرير سياسة فرنسا في المنطقة، القائمة على الاستثمار في دعم الدول، وفي تأمين المناطق التي تواجد فيها المجاهدون تأمينًا يسمح بعودة الدولة إليها وعودة مرافقها وخدماتها إليها، وببناء جسور الثقة بين الدولة وسكان هذه المناطق، وبدعم عمليات التنمية الاقتصادية، وهي سياسة ترمي إلى القضاء على فعالية المجموعات الإرهابية المسلحة أو على الأقل التقليل منها، وإلى دعم وتأهيل الجيوش الساحلية وتنظيم التنسيق بينها، وبما أنها (فرنسا) أدركت أن بناء جيوش محلية فعالة عملية تستغرق وقتًا طويلًا فإنها سعت إلى الضغط على شركائها الغربيين لإشراكهم في المجهود السياسي والعسكري والاقتصادي.

وشدد التقرير على ضرورة اعتبار النجاحات العسكرية “وسيلة” وليست “غاية”، وسيلة تمكّن الدول من أداء مهامها في خدمة مواطنيها. وقال صراحة إن إنهاء عملية “باركان” حاليًا معناه عدم تأمين حدود أوروبا الجنوبية، وترك شعوب وإثنيات إفريقية لتكون صيدًا سهلًا لمجموعات عنيفة متوحشة. وقال الرئيس الفرنسي شيئًا مشابهًا في مؤتمره الصحفي يوم ٩ يوليو، إذ صرّح بأن هناك خطرًا يُهدد كل دول العالم تمركز في منطقة الساحل والصحراء، وأخذ ينمو فيها ويهدد أيضًا مواطني دولها.

وقال التقرير إن العملية ستستغرق وقتًا طويلًا نظرًا لحجم التحديات، ورسمت خطوطًا حمراء هي رفض التفاوض مع المجموعات الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية وللقاعدة، وهو خط أحمر لم تحترمه السلطات المالية بعد الانقلاب. فالتفاوض وفقًا للتقرير هو تقصير في حق ضحايا هذه التنظيمات، وإهانة لتضحيات الجنود الفرنسيين. وهي تيمة لجأ إليها الرئيس الفرنسي في مؤتمره الصحفي يوم ٩ يوليو السابق الإشارة إليه.

وخصص التقرير الوافي قسمًا لدراسة الفاعلين الأساسيين المحليين، أي الجماعات الجهادية الموالية للقاعدة وتلك الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية، وقال إنها هزمت حركات تمرد الطوارق أو احتوتها لتتحكم في مناطق مهمة لمرور القوافل فيها. وأشار إلى نجاح القاعدة في إيجاد حاضن شعبي على عكس المجموعات التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية التي تمارس أبشع أنواع القمع ولا تحاول احترام خصوصية وعادات المنطقة، وتحاول القاعدة تقديم نفسها على أنها حامية السكان من شر السلطات المركزية، ولا تستهدف أبدًا الهيئات التي تقدم مساعدات إنسانية، أما تنظيم الدولة الإسلامية فهدفه القضاء على كل ما يراه “غير إسلامي”، وهذه الاختلافات الكبيرة لا تعني أن القاعدة لا تمارس أبشع أنواع الإرهاب ضد خصومها، ولكنها تعني أنها أكثر انتقائية في تحديدهم. ويعمل الفريقان على تأجيج التوترات الإثنية والمذهبية بين مختلف مكونات المجتمع المالي، وتسير على نفس النهج في كل من النيجر وبوركينافاسو. ويشير التقرير إلى كون الفقر المدقع يسهل عمليات التجنيد، فمبالغ زهيدة تكفي لشراء الولاءات. ويقول التقرير إن الزيادة السكانية المريعة تولد زحفًا نحو المدن الكبرى يجبر دول المنطقة على التركيز على تطوير البنية التحتية في تلك المدن، وبالتالي على عدم تخصيص موارد للريف والصحراء. وغياب الدولة الساحلية وتركيز جهدها في المدن أحد أهم أسباب التمدد الإرهابي الذي لم يتوقف إلى الآن رغم الضربات القوية الموجهة إليه. ويقول التقرير إن المشكلة أقل حدة في كل من موريتانيا وتشاد، ويشير إلى اتهامات أمريكية مفادها أن الحكومة الموريتانية تفاوضت مع القاعدة لتضمن سلامة أراضيها.

ويُشير التقرير إلى ظاهرة تمدد الخطر الإرهابي ليهدد دول خليج غينيا، وهي الظاهرة التي برر بها الرئيس ماكرون تغيير استراتيجية فرنسا، ويقول إن هذا التمدد لا يعني أن الحملات العسكرية فشلت، بل يعني أن دول المنطقتين (الساحل والصحراء وخليج غينيا) ما زالت عاجزة عن تنمية الداخل وعن التواجد خارج المدن الكبرى. وفي المقابل، فإن التنظيمات الإرهابية تنجح في بث أيديولوجيتها عبر الحدود. ويقول التقرير إن العنف الإرهابي خلق سياقًا “حرر” كل أنواع العنف المستهدف لسكان تلك المناطق. مثلًا، زادت معدلات الإجرام والسرقة واختطاف النساء، والصراع على مناطق المراعي أصبح أكثر ضراوة، ولذلك فإن عدد القتلى وعدد المختطفين وعدد النازحين في ارتفاع مستمر. ويشير التقرير إلى رأي خبيرة أدانت التطبيق المتسرع وغير المدروس للتوصيات الدولية (دمقرطة، لا مركزية، تمكين النساء، تمكين الفقراء، تفضيل الزراعة على المراعي) لأنها أضرت باستقرار المجتمعات التي حكمها مبدأ التراتبية لعصور طويلة. كل هذه الأوضاع والتطورات والتشققات وغيرها أدت إلى ظهور مليشيات إثنية للدفاع عن مكون أو غيره، وأقر التشريع هذا التطور في بوركينافاسو.

ثم عرض التقرير في قسم طويل انتشار القوات الفرنسية وغيرها في المنطقة وأساليب عملها ومهام القوات الخاصة وتطور تقنيات القتال والاعتماد الناجح على الدرونز، كما عرض لمهام بعثتي الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتحدث عن المساعدات العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأخرى، وتكلم بإسهاب عن الصعوبات الناتجة عن قلة عدد القوات أو اتساع الرقعة الواجب تأمينها، وعن صعوبات العمل الاستخباراتي وكيفية التغلب عليها، وتأثير المناخ والاستخدام الكثيف على المعدات، ومشكلات التنسيق بين الأطراف المتواجدة على الأرض، وعن القيام مع الجيوش المحلية بعمليات مشتركة، والعمل على تنمية قدرات تلك القوات وتدريب كوادرها.

وأقر التقرير بأن الطريق ما زال طويلًا، فإذا كان مستوى الجيشين التشادي والموريتاني مرضيًا فإن ضعف الجيوش الساحلية الأخرى لا سيما المالي ما زال مقلقًا للغاية، فهي جيوش تفتقر إلى القيادات العليا وإلى ضباط الصف وإلى الذخائر وإلى البنية التحتية. ورغم التحسن الكبير في مستوى الضباط والجنود وتدريبهم؛ إلا أن هذه الجيوش تعاني في مجالي التخطيط والتنسيق، و”نفس بعض الوحدات قصير للغاية”، ولا تلتفت القيادات إلى بعض البديهيات الإنسانية منها عدم إبعاد الجندي عن عائلته لفترات طويلة، ومشكلة نقص المعدات مريعة. وكتب التقرير “كيف نلوم جنود مالي إن هربوا لأنه لا يوجد ساتر يحميهم، ولا يكون معهم سوى خمس خراطيش؟”، ولا توجد إلى الآن في هذه الجيوش وسائل لتعميم الدروس المستفادة من الاشتباكات.. إلخ. وأشار التقرير إلى رأي بعض الخبراء، ومفاده أن نتائج المجهودات الرامية لتأهيل تلك القوات لن تظهر قبل عشر سنوات، لأنه لا يجب فقط “إنتاج” ضباط أكفاء، بل يجب أيضًا التخلص من القيادات غير الكفؤة والمرتشية، وشكك التقرير في هذا التقييم، ورآه مبالغًا في تشاؤمه، ولكنه أقر أن النتائج لن تظهر بسرعة.

ودرس التقرير بعض العمليات العسكرية بشيء من التفصيل. وأشار أيضًا إلى تطوير الجماعات الإرهابية لأساليبها العملياتية فبدأت تستخدم الدرونز، وما زالت قادرة على التجنيد طالما لم تتغير الأحوال المادية والاقتصادية للمنطقة، وقيم التقرير أيضًا حصاد التواجد العسكري الفرنسي والغربي تقييمًا إيجابيًا، ولكنه ذكر أن استمرار التواجد قد يؤثر سلبًا على قدرات الجيش الفرنسي الذي يكتسب مهارات معينة ولكنه “يفقد مهارات أخرى”، فمثلًا الطيران لم يعد يتدرب بما فيه الكفاية على المعارك الجوية. وتحدث أيضًا عن المساعدات الفرنسية والدولية غير العسكرية بإسهاب، وأشار التقرير إلى عدم توفيق فرنسا والقوات الغربية في معركة الإعلام والرواية الكبرى، فتقوم دولتان (روسيا وتركيا) بالتشكيك الدائم في نوايا الدول الغربية وفي أدائها، وتستغل أي خطأ وتضخم منه (القوات الفرنسية قصفت مرة تجمعًا زعم خصومها وبعثة الأمم المتحدة أنه كان فرحًا، وشككت القوات الفرنسية في نتائج التحقيق الأممي وكيفية إجرائه)، وتوظف الدولتان أدواتهما لدعم وجودهما في المنطقة، وتجيد صياغة رواية تعجب شعوب المنطقة ورواية أخرى تستهدف الداخل الفرنسي. وطبعًا ترتكب القوات الفرنسية أخطاء تافهة ومؤثرة تعود إلى نقص الكفاءات. مثلًا وزعت منشورات باللغات المحلية تقول إن “الجيش الفرنسي يراقبكم”، بينما كان المقصود “الجيش الفرنسي يحميكم”. وأبدى التقرير أسفه لحال البحث العلمي الفرنسي في شئون المنطقة، ولسوء العلاقات بين المؤسسة العسكرية وجماعة العلوم الاجتماعية. وأدان التقرير تغطية وسائل الإعلام الفرنسية للعمليات العسكرية وتأثيرها السلبي على معنويات الضباط والجنود. فمثلًا، لا يقول الإعلام أبدًا إن القوات الفرنسية تتحمل خسائر ناتجة عن خوفها من ضرب المدنيين، ويطيل في تغطية الحالات النادرة للقتل الخطأ.

وفي النهاية، يبقى السؤال: إذا كان التواجد الأبدي غير ممكن وغير مرغوب فيه، وإذا كانت دول الساحل والصحراء ما زالت عاجزة عن العودة إلى الأقاليم وعلى تنميتها وتقديم الخدمات لقاطنيها، وجيوشها ما زالت عاجزة عن الاضطلاع بمهام التأمين وردع الإرهابيين. فما الحل؟. لم يرد أحد إلى الآن على هذا السؤال.

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية