وحدة الدراسات الاقتصادية

الغاز الطبيعي في العلاقات المصرية-الإسرائيلية

دخل على العلاقات المصرية-الإسرائيلية متغير جديد في عام ٢٠٠٥ وذلك عندما جمعت الدولتين اتفاقيتان محوريتان ما زالتا تؤثران على العلاقات بينهما حتى الآن؛ الأولى هي توقيعهما -برعاية الولايات المُتحدة الأمريكية- اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة المشهورة باسم الكويز (QIZ)، والتي هدفت من خلالها الولايات المُتحدة إلى إعطاء دفعة للتعاون الاقتصادي بين الجانبين. أما الثانية فهي اتفاقية تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، والتي هدفت لنقل الغاز المصري إلى إسرائيل التي كانت تُعاني وقتها من نقص حاد جدًا في إمدادات الطاقة، وكانت تعتمد اعتمادًا تامًا على الأوروبيين في توفيرها، الأمر الذي كلّفها مبالغ طائلة، مما دفعها لبحث توفير إمدادات مُنتظمة للطاقة من أحد…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

دخل على العلاقات المصرية-الإسرائيلية متغير جديد في عام ٢٠٠٥ وذلك عندما جمعت الدولتين اتفاقيتان محوريتان ما زالتا تؤثران على العلاقات بينهما حتى الآن؛ الأولى هي توقيعهما -برعاية الولايات المُتحدة الأمريكية- اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة المشهورة باسم الكويز (QIZ)، والتي هدفت من خلالها الولايات المُتحدة إلى إعطاء دفعة للتعاون الاقتصادي بين الجانبين. أما الثانية فهي اتفاقية تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، والتي هدفت لنقل الغاز المصري إلى إسرائيل التي كانت تُعاني وقتها من نقص حاد جدًا في إمدادات الطاقة، وكانت تعتمد اعتمادًا تامًا على الأوروبيين في توفيرها، الأمر الذي كلّفها مبالغ طائلة، مما دفعها لبحث توفير إمدادات مُنتظمة للطاقة من أحد جيرانها، ولم يكن سوى مصر لديها القدرة السياسية والإمكانيات الاقتصادية لهذه الخطوة الكبيرة. لذا يهدف هذا المقال إلى تتبع علاقات الغاز المصرية-الإسرائيلية مُنذ هذه الاتفاقية، ليقف على المُتغيرات بشأنها.

أولًا- الفترة ٢٠٠٥-٢٠١٢:

تبدأ هذه الحقبة مع توقيع مُذكرة تفاهم لتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، في ٣٠ يونيو ٢٠٠٥، وذلك بقيمة ٢٫٥ مليار دولار، على أن تورد مصر ١٫٧ مليار متر مكعب أو ٦٠ مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا عبر خط أنابيب، وذلك لمُدة ١٥ عامًا حتى ٢٠٢٠ قابلة للتمديد حتى ٢٠٢٥، يعني ذلك أن إجمالي الكمية التي كان من المُفترض تصديرها إلى إسرائيل كانت ٣٤ مليار م٣ خلال السنوات العشرين، بواقع ٧٠ مليون دولار للمليار متر مُكعب.

وبالفعل في مايو ٢٠٠٨ بدأت مصر ضخ الغاز، واستمرت كذلك حتى عام ٢٠١٢ عندما تدهورت الأوضاع الأمنية في سيناء على إثر أحداث يناير التي أدت إلى إسقاط نظام الرئيس الراحل حسني مُبارك، واقتصرت الصادرات المصرية لإسرائيل على الفترة من ٢٠٠٨ إلى ٢٠١٤ كما يوضح الشكل التالي:

شكل (1)- يوضح مصادر الغاز الإسرائيلي في الفترة من ٢٠٠٤-٢٠١٢

ويتضح من الشكل أن الغاز المصري لم يصل خلال فترة تصديره مُطلقًا ليكون المصدر الرئيسي للغاز في إسرائيل، وإن كان بلغ ما إجماليه ٣٩٪ تقريبًا من إجمالي الغاز المُستخدم في عام ٢٠١٠. كذلك اتضح من الشكل أن إجمالي الغاز المصري المُصدر إلى إسرائيل لم يتجاوز ٤٫٦٨ مليارات م٣، خلال كامل الفترة، وذلك بمُقابل ٣٢٧٫٦ مليون دولار. وأخيرًا يُستنتج من الشكل أن مصر لم تورد كامل الحصة المُتفق عليها سنويًا إلا في عام ٢٠١٠، وذلك عندما بلغت الصادرات ٢٫١ مليار م٣، كذلك لم تلتزم مصر بكامل الحصة المُقررة خلال كامل الفترة، حيث إن فترة الخمس سنوات كانت تقتضي توريد ٨٫٥ مليارات م٣ من الغاز، بينما لم تصل الكميات لذلك كما سبقت الإشارة.

وبخصوص الأسعار فقد كانت إدارة الرئيس مُبارك تبيع الغاز لإسرائيل فعلًا بأقل من سعره العالمي تحت أي تقدير، سواء لدى عقد الصفقة في عام ٢٠٠٥، حيث بلغ ثمن المليون وحدة حرارية بريطانية وفقًا للعقد ٢٫٠٨ دولار، فيما بلغ متوسط السعر للغازين المُسال والمنقول عبر الأنابيب خلال سنوات التوريد الخمس في النقطتين الأوروبيتين الأساسيتين في كل الأوقات أعلى من سعر التوريد المصري، كما يوضح الشكل التالي: 

جدول (1)- يوضح أسعار بيع الغاز المصري مُقارنًا بمتوسط الأسعار الأوروبية

ويتضح من الجدول أن فرق الأسعار كان خلال كامل الفترة قد بلغ نحو ٩٣٩٫٩ مليون دولار، أو نحو مليار دولار تقريبًا.

يتضح من الجدول أن قرار المجلس الأعلى للقوات المُسلحة في إبريل ٢٠١٢ بإلغاء الصفقة كان قرارًا سديدًا، حيث إن استمرار التصدير كان سيُعمق من الخسائر السابقة، بالإضافة إلى ما كانت ستتكبده مصر من تكلفة لشراء الغاز للاستهلاك المحلي، حيث أصبح الإنتاج غير قادر على تلبية الطلب المحلي، فضلًا عن التصدير، لذلك كان يجب إنهاء الاتفاقية في وقتها، خاصة في ظل الضغط الشديد على الاحتياطي النقدي المصري، مما كان سيدفع البلد في اتجاه كارثة اقتصادية مُحققة.

ثانيًا- الفترة ٢٠١٣-٢٠١٨:

بداية من ٢٠١٣ طورت إسرائيل إنتاجها من حقل غاز تمار ليصل إلى ٥٫٤٩ مليارات م٣، فيما انخفضت باقي المصادر لتبلغ نحو ٩٠٠ مليون م٣ من خزان تيثس، ونحو ٥٠٠ مليون أخرى من خزان بيو، واستمرت مُساهمات حقل تمار في الارتفاع حتى بلغت في عام ٢٠١٨ نحو ١٠٫٤٦ مليارات م٣. على الجانب الآخر، استمرت المُعاناة المصرية خلال السنوات ما بين ٢٠١٢ و٢٠١٨، حيث وصلت تكلفة الغاز المُستورد إلى أقصاها في ٢٠١٧ قبل دخول حقل ظُهر إلى مُعادلة الإنتاج ليحول العجز إلى فائض بداية من ٢٠١٩. ويوضح الشكل التالي تطور مُشتريات الغاز المصرية، خلال الفترة المذكورة:

شكل (2)- يوضح تطور مُشتريات الغاز المصري في الفترة ما بين ٢٠١٣-٢٠١٨

ويتضح من الشكل تصاعد المُشتريات المصرية من الغاز باستمرار، وذلك حتى الوصول لذروتها في ٢٠١٧ عند مُستوى ٣٫٥ مليارات دولار، قبل أن تبدأ في الانخفاض مُجددًا لتصل إلى ٢٫٤٢ مليار دولار.

أما العلاقات بين الدولتين فقد اقتصرت في هذه الفترة على قضايا التحكيم، على إثر قرار الحكومة المصرية وقف تصدير الغاز إلى إسرائيل، وقد اتخذ النزاع القانوني صورة نزاع بين شركتي قطاع خاص هما أمبل أمريكان وآخرون Ampel-American and others وMaiman، ومنشأ النزاعين أساسًا هو ملكية الشركتين الأخيرتين في East Mediterranean Gas and oil company. أهمهما تلك التي أثارتها Ampel فقد طالبت الشركة فيه بإجمالي تعويضات قدرها ٥٦٤٫٤ مليون دولار أمريكي، كما يوضحه الجدول التالي:

جدول (2)- يوضح تفاصيل مُطالبات شركة Ampel في مُنازعة التحكيم

TableDescription automatically generated

هذا وقد انتهى النزاع إلى تسويته سياسيًا في ظل التعاون المُرتقب بين الطرفين المصري والإسرائيلي بعد اكتشاف حقل غاز ظُهر، وتحقيق مصر الاكتفاء الذاتي في عام ٢٠١٩، وبداية حقبة التصدير من جديد، وإدراك إسرائيل أنه لا مجال لتصدير مُنتجاتها من الغاز إلا عن طريق مُنشآت التسييل المصرية، وهو ما حدث فعليًا، كما نستعرض في النقطة التالية.

ثالثًا- الفترة من ٢٠١٨ وحتى الآن:

تعززت العلاقات المصرية-الإسرائيلية خلال تلك الفترة، ويُمكن تتبع تطورها من خلال اتفاقات التصدير من ناحية، وتطوير البنية التحتية للنقل والمُتمثلة في خطوط الغاز، ونستعرض النقطتين فيما يلي:

  •  اتفاقات التوريد إلى مصر:

في 19 فبراير 2018، وقعت كُل من “ديليك دريلينج” الإسرائيلية وشريكتها “نوبل إنرجي” الأمريكية اتفاقيتين ملزمتين مع شركة “دولفينوس القابضة” المصرية، بموجبهما تقوم الأخيرة باستيراد الغاز، وتوريده لمُنشآت الإسالة المصرية بغرض تسييله وإعادة تصديره إلى أوروبا. هذا وبلغت إجمالي الكميات المُتفق على تصديرها 64 مليار م3، من حقلي تمار وليفثيان على مدار 10 سنوات في اتفاقية بقيمة 15 مليار دولار، وذلك بداية من 2020 وحتى 2030.

وفي 3 أكتوبر 2019، وافقت الشركات الثلاث على تعديل الاتفاقية السابقة، بغرض زيادة الكميات المُصدرة إلى مصر بنسبة 34% لتصل إلى 85.3 مليار م3 حتى 2035، بحيث ترتفع قيمة الصفقة إلى 19.5 مليار دولار من 15 مليار سابقة، بحيث ترتفع الكميات المُصدرة من حقل ليفثيان إلى 60 م.م3، وخفض الكميات من حقل تمار إلى 25.3 مليار م3 بعدما كانت 32 م.م3. وقد وصلت أولى الشحنات المُستوردة من إسرائيل في 15 يناير 2020، على أن يبلغ حجم الكميات 1.5 إلى 3 مليارات متر مكعب سنويًا خلال 2020 ترتفع بحلول 2021 إلى 4-5 مليارات متر مكعب، لتصل إلى نحو 7 مليارات متر مكعب في 2022.

  • خطوط الغاز:

ترتبط مصر وإسرائيل أساسًا بخط غاز شرق المتوسط الذي شُيد لنقل الغاز المصري لإسرائيل ابتداءً والذي كان ينقل الغاز المصري لشركة الكهرباء الإسرائيلية، والذي يُعتبر غير كافٍ لاستيعاب هذه الكميات الضخمة من الغاز، لذلك جرى تطويره أولًا، ثم إنشاء خط الغاز السابق الإشارة إليه في صدر الموضوع:

  • خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي المصري من العريش بمصر إلى عسقلان بإسرائيل داخل المياه الإقليمية المصرية ثم الإسرائيلية في البحر المتوسط بطول 100 كم. امتلكته شركة غاز شرق المتوسط المصرية في الماضي، واشترته مجموعة من الشركات الإسرائيلية تتوزع حصصها كالتالي: ديليك حصة 25%، ونوبل 25%، وغاز الشرق 50%. وانتهت عملية إعادة تأهيله في يناير الماضي، وذلك بتكلفة 27 مليون شيكل، وذلك لرفع كفاءته وزيادة الكميات التي تُضخ فيه.
  • في 19 يناير 2021، أعلن الشُركاء في حقلي ليفيثان وتمار اتفاقًا بموجبه ستقوم شركة خطوط الغاز الطبيعي الإسرائيلية المحدودة (INGL) بمد خط أنابيب جديد تحت سطح البحر يوازي مسار الأول. الخط الجديد سيكلف 228 مليون دولار، وأعمال التوسعة ستدفعها شركات الغاز الإسرائيلية بنسبة 56٪ من خط الأنابيب الجديد، ويتحمل الشركاء الأجانب بقية التكلفة.
د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة