الدراسات العربية والإقليمية

ماذا بعد إعلان مقتدى الصدر اعتزال العمل السياسي؟

ضمن مشاهد اعتادها العراق، نزل عدد من المحتجين الموالين للتيار الصدري في ساحة المنطقة الخضراء، في 29 أغسطس 2022، وتمددت هذه التظاهرات إلى عدة مناطق في محافظات (ذي قار، وميسان، والبصرة)، عقب إعلان زعيم التيار “مقتدى الصدر” عدم التدخل في الشئون السياسية، والاعتزال النهائي وغلق المؤسسات التابعة له، عدا مرقد والده، ومتحف النبلاء، وهيئة تراث آل الصدر. قام المحتجون باقتحام الحواجز الخرسانية للوصول إلى مقر مجلس الوزراء، مما دفع إلى فرض حظر التجول، وتعليق جلسات المجلس، وحدوث اشتباكات بين المحتجين وأفراد الأمن نتج عنها مقتل 33 وإصابة مئات الأفراد، فضلًا عن القصف بالصواريخ على المنطقة الخضراء في منطقتي الحبيبة والبلديات…

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

ضمن مشاهد اعتادها العراق، نزل عدد من المحتجين الموالين للتيار الصدري في ساحة المنطقة الخضراء، في 29 أغسطس 2022، وتمددت هذه التظاهرات إلى عدة مناطق في محافظات (ذي قار، وميسان، والبصرة)، عقب إعلان زعيم التيار “مقتدى الصدر” عدم التدخل في الشئون السياسية، والاعتزال النهائي وغلق المؤسسات التابعة له، عدا مرقد والده، ومتحف النبلاء، وهيئة تراث آل الصدر.

قام المحتجون باقتحام الحواجز الخرسانية للوصول إلى مقر مجلس الوزراء، مما دفع إلى فرض حظر التجول، وتعليق جلسات المجلس، وحدوث اشتباكات بين المحتجين وأفراد الأمن نتج عنها مقتل 33 وإصابة مئات الأفراد، فضلًا عن القصف بالصواريخ على المنطقة الخضراء في منطقتي الحبيبة والبلديات شرقي بغداد، إضافة إلى استهداف مقر مليشيا العصائب في الديوانية والمدائن وبغداد والبصرة.

جاء بيان مقتدى الصدر عقب بيان صادر، في 28 أغسطس الماضي، عن “كاظم الحسيني الحائري” المرجع الديني الذي حل مكان والد مقتدى الصدر، وأوضح البيان “اعتزال الحائري للمسئولية بسبب ظروفه الصحية والمرضية، موجهًا توصية للعراقيين بصفة خاصة بالحفاظ على الوحدة وتحرير العراق من الاحتلال الأجنبي، ودعا القائمين على المناصب والمسئوليات للقيام بوظائفهم الشرعية، والابتعاد عن المصالح الشخصية”. وتضمن نص البيان “على أبناء الشهيدين الصدريين، أن يعرفوا أن حب الشهيدين لا يكفي ما لم يقترن الإيمان بنهجهما بالعمل الصالح.. ولا يكفي مجرد الادعاء أو الانتساب، ومن يسعَ لتفريق أبناء الشعب والمذهب باسم الشهيدين الصدريين أو يتصدى للقيادة باسمهما هو فاقد للاجتهاد.. فهو في الحقيقة ليس صدريًا مهما ادعى أو انتسب، ووصى المؤمنين بصفة عامة إطاعة المرشد الإيراني “علي الخامنئي”.

ومع تصاعد الاقتتال الداخلي وتفاقم الأمور إلى حد العنف، خرج مقتدى الصدر في 30 أغسطس 2022، موجهًا كلمة إلى أنصاره بدعوتهم إلى الانسحاب بعد الاعتصام الذي استمر منذ 27 يوليو الماضي، قائلًا في كلمته: “أحزنني كثيرًا ما يحدث في العراق، بغض النظر عمن بدأ الفتنة، أعتذر للشعب العراقي المتضرر الوحيد مما يحدث، وأقول إن القاتل والمقتول في النار، بئس الثورة ما دام شابها العنف والقتل فهي ليست بثورة، وأنتقد ثورة التيار الصدري.. هناك مليشيات وقحة، لكن ما زلت أومن بأن التيار مطيع ومنضبط، خلال 60 دقيقة إذا لم ينسحب من الاعتصام حتى أمام البرلمان، فأنا أبرأ من التيار، انسحاب كامل حتى من الاعتصام، وإن لم تطيعوا، لنا موقف آخر”. وأعلن أن اعتزاله نهائي وشرعي، ليس سياسيًا ولا اجتماعيًا، مضيفًا: “المرجع قال لا، وأنا لا أتدخل في السياسة ولا في شيء”، لكنه لم يحدد من هو المرجع، وربما إشارة إلى علي السيستاني.

رسائل ودلالات

بالنظر إلى هذه الكلمات يمكن الوقوف على عدد من الرسائل ودلالاتها، يتم توضيحها فيما يلي: 

يمتلك الصدر أداة تأجيج الشارع في ظل قاعدة شعبية كبيرة مؤيدة له، وتنصاع لأوامره وهي أداة تمكّنه من التلويح بها بين حين وآخر من أجل الضغط على القوى المناوئة، لتحقيق مكاسب لصالحه، لا سيما أن الموالين له من الطبقات الفقيرة في العراق عانوا خلال الأنظمة السابقة من التهميش، لذلك فإن خطابه القومي والإصلاحي يمثل عامل جذب لهم ويعبر عن مطالبهم، ومن ثم فهو يدرك متى يحركهم ويستخدمهم.

 •يوجه الصدر رسائل إلى القوى الداخلية والخارجية تعكس نفوذه وثقله السياسي، وأن الانصياع لأوامره من خلال الموالين له يتم بإشارة؛ فقد جاء انسحاب المحتجين خلال دقائق عقب كلمته التي خاطبهم بها، والتي عكست وزنه الديني والاجتماعي في العراق. وبالرغم من إعلانه الاعتزال فإن نزول المحتجين إلى الشارع يعبر عن مدى رغبتهم في استمراره، ورفض من جانبهم لقوى الإطار التنسيقي الأكثر ولاءً لإيران والتي تضم كلًا من: (دولة القانون برئاسة نوري المالكي، وتيار الفتح برئاسة هادي العامري، وائتلاف قوى الدولة برئاسة عمار الحكيم، وائتلاف النصر برئاسة حيدر العبادي).

أيضًا مثّلت كلمة الصدر على صفحته الرسمية على تويتر عن الاعتزال، ردًا مباشرًا على بيان “كاظم الحائري” بما يوحي بما يمكن أن نسميه “صراع المرجعيات” بين المرجعية الإيرانية في قم، والمرجعية العراقية في النجف. حيث قال: “يظن الكثيرون بمن فيهم السيد الحائري أن هذه القيادة جاءت بفضلهم أو بأمرهم.. وعلى الرغم من استقالته، فإن النجف الأشرف هي المقر الأكبر للمرجعية كما هو الحال دومًا. وإنني لم أدع يومًا العصمة أو الاجتهاد ولا حتى القيادة، إنما أنا آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ولله عاقبة الأمور، وما أردت إلا أن أقوم الاعوجاج الذي كان السبب الأكبر فيه هو القوى السياسية الشيعية باعتبارها الأغلبية، وما أردت إلا أن أقربهم إلى شعبهم، وأن يشعروا بمعاناته، عسى أن يكون بابًا لرضا الله عنهم وأنى لهم هذا”.

 •تبعث هذه الكلمة برسائل إلى إيران والقوى الموالية لها داخل العراق، بأنهم مصدر الفوضى الحالية، وأن المرجعية الدينية في النجف، وليس في إيران كما دعا بيان الحائري بإطاعة المرشد الإيراني. بما يعطيها مساحة حركة أكبر في العراق، خاصة أن الصدر رافض لهذا النفوذ، ويدعو إلى حل المليشيات، وتحقيق إصلاح سياسي، كما أنه على خلاف مع قوى الإطار التنسيقي الموالية لإيران. 

لم تكن هذه المرة الأولى التي يعلن بها الصدر اعتزال العمل السياسي، فقد سبق وأعلن مقتدى الصدر عدم مشاركته في الانتخابات في يوليو 2021، وعدل عن ذلك القرار بمشاركته في الانتخابات الأخيرة التي حصد بها 73 مقعدًا، كذلك دعا أعضاء كتلته البرلمانية إلى تقديم الاستقالة وعدم المشاركة في الحكومة في 12 يونيو 2022، وكذلك في سياق مشاورات إنشاء الكتلة الأكبر لتشكيل الحكومة، أعلن ترك الفرصة لقوى الإطار التنسيقي لتشكيل حكومة دون الكتلة الصدرية ومنحهم آنذاك مدة 40 يومًا.

يختلف الانسحاب هذه المرة لأنه انسحاب من العملية السياسية برمتها، والذي وصفه الصدر بأنه اعتزال نهائي وشرعي، لكن هناك احتمالية للعودة في حال تقديم تنازلات سياسية من قبل قوى الإطار أو تنفيذ مطالباته بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة. كما يبدو عبر تاريخ حضور التيار الصدري في العملية السياسية أنه جمع بين أن يكون جزءًا من معادلتي السلطة والمعارضة.

أشار الصدر في كلمته “الكل في حِل منّي، وإن مت أو قتلت، أسألكم الفاتحة والدعاء”، تمثل هذه العبارة دلالة على تعرضه لمحاولات اغتيال، خاصة أن هناك حديثًا متداولًا في الصحف الإيرانية عن سيناريو اغتيال مقتدى الصدر صرح به السفير الإيراني السابق في لندن “سيد جلال”.

سيناريوهات محتملة

في ضوء المتغيرات الجديدة يمكن الإشارة إلى بعض السيناريوهات المحتملة للمسار السياسي في العراق على النحو التالي:

الأول: الاتجاه إلى الحوار بين القوى السياسية خاصة في ظل مطالبة الرئاسات الحالية وبعض القوى بضرورة الحوار، وربما يحفز تنفيذ ذلك وساطة أطراف إقليمية ودولية لدفعهم إلى الحوار، ولا سيما في ظل أزمة دستورية وسياسية تجاوزت المدد المحددة لتشكيل الحكومة واختيار رئيس الجمهورية، إضافة إلى وضع اقتصادي مأزوم واحتقان سياسي قابل للانفجار في أي وقت. كما أن قوى الإطار التنسيقي تعول على الحوار حتى لا تفقد نفوذها السياسي في العراق.

وعليه، يرتب هذا السيناريو حل البرلمان بمبادرة من أعضائه أو بطلب رئيس الوزراء وفقًا للنص الدستوري، ثم وضع خارطة طريق بضمانات حتى لا يتكرر السيناريو ذاته مع الانتخابات الماضية، وتشمل الخارطة تعديلات دستورية وقانونية لإجراء انتخابات مبكرة، والمضيّ في إجراءات تشكيل حكومة واختيار رئيس للجمهورية، مع ضرورة تعديل النظام السياسي وكذلك النص الدستوري، ومراجعة قرارات المحكمة الدستورية بشأن جدلية الكتلة الأكبر. خاصةً أن إحدى الإشكاليات الرئيسية في العراق هو نظام المحاصصة الطائفية الذي فرضه دستور 2005 مما رسخ لعدم الاستقرار السياسي، ودفع إلى وجود مليشيات تحمي المناصب داخل العراق، وكان السلاح الذي تحمله هذه المليشيات أداة للاقتتال الداخلي، والتنافس بين المكونات الطائفية (السنة، والشيعة، والأكراد) على السلطة والموارد.

الثاني: استمرار البرلمان مقابل صفقة بين قوى الإطار والتيار الصدري برجوعه مرة أخرى وليس انسحابه من المشهد، خاصة أن القضاء ليست له سلطة حل البرلمان، وإنما حله وفقًا للنص الدستوري المادة (64) “بالأغلبية المطلقة بناء على طلب من ثلث أعضاء البرلمان، أو طلب من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية…”، ومن ثم فقد يرتب هذا السيناريو استمرار البرلمان مع عودة أعضاء التيار الصدري، وبقاء حكومة الكاظمي أو حكومة انتقالية في حال ترك الكاظمي لمنصبه بحسب خطابه الذي خرج به عقب الأحداث، محذرًا في حال استمرار الفوضى والصراع أنه سيعلن خلو منصبه. لكن التخوف هنا من محاولات أعضاء البرلمان من قوى الإطار التنسيقي إجراء تعديلات على قانون الانتخابات والمفوضية الانتخابية بما يحقق مصالحهم، والعودة إلى نظام العد اليدوي بدلًا من النظام الإلكتروني الذي تم اعتماده في الانتخابات الماضية، والعمل على تقليص عدد الدوائر الانتخابية، لأنهم انتقدوا القانون الانتخابي الذي أضعف تمثيلهم في البرلمان.

الثالث: استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، والسير في ذات الدائرة المفرغة ولا سيما في ظل صراع شيعي-شيعي يسعى أطرافه للحصول على مكتسبات خاصة (السلطة، والنفوذ، وموارد الدولة) ويمتلك كل منهم أجنحة مسلحة يستطيع تحريكها في أي وقت، وهو ما حدث بعد انسحاب المحتجين قتل أحد قيادات سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر في 31 أغسطس على يد عصائب أهل الحق ويتزعمها قيس الخزعلي وهو يتبع قوى الإطار.

كما أنّ قوى الإطار التنسيقي على مدار الأشهر الماضية اتبعوا مناورات سياسية منذ انتخابات أكتوبر 2021 وعرقلوا المشهد السياسي عبر آلية الثلث المعطل، وتعطيل جلسة اختيار رئيس الجمهورية وعرقلة تشكيل الحكومة، حيث لا ترغب قوى الإطار في استبعادها أو تقليص نفوذ القوة الإقليمية الموالين لها.

كذلك، انتهجوا العنف من خلال استهداف منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ورئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي بمدينة الكرمة شرق محافظة الأنبار من خلال صواريخ كاتيوشا، في 25 يناير 2022، وتعرض مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى هجوم بقنبلة يدوية، وكذلك شهدت مقار حزبية تابعة لتحالف السيادة السني لهجوم بطائرات مسيرة، بالإضافة إلى الحديث المتداول في الصحف عن اغتيال مقتدى الصدر، والذي سيعقد المشهد أكثر.

ختامًا، مثّل إعلان الصدر اعتزال العمل السياسي متغيرًا جديدًا في المعادلة العراقية، وحتى صدور حكم المحكمة الاتحادية بشأن قرار حل البرلمان والمتوقع صدوره في 7 سبتمبر الجاري، ربما يطرأ تغير في المواقف يسهم في حلحلة الأزمة بين القوى الشيعية، خاصة أن إيران حريصة على عدم التناحر بين القوى الموالية لها لضمان استقرار نفوذها ومصالحها الخاصة في العراق.

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية