تنمية ومجتمع

التنمية المهنية للمعلمين بين الواقع والمأمول

تحرص دول العالم، ومن بينها مصر، على تدريب المعلمين وتطوير السياسات المتعلقة بهم باستمرار، فقد عملت وزارة التربية والتعليم على وضع هيكل تنظيمي للتطوير المهني للمعلمين؛ أملًا في الارتقاء بأداء المعلمين ومن ثم جودة العملية التعليمية. لكن أداء المعلمين يظل محل نقاش ونقد طوال الوقت، والسؤال الذي يطرح نفسه في كل حديث عن أداء المعلمين بمصر هو: ما الإجراءات التي اتُّخذت لمساعدة المعلمين على التطور المهني؟ وهل تحققت الأهداف المنشودة؟. التطوير المهني والهيكل الإداري اهتمت وزارة التربية والتعليم بملف التطوير المهني للمعلمين منذ فترة طويلة. فلأكثر من عقدين من الزمان وجهود تطوير أداء المعلمين تتوالى، وتم خلال هذه الفترة إنشاء…

أمنية صلاح

تحرص دول العالم، ومن بينها مصر، على تدريب المعلمين وتطوير السياسات المتعلقة بهم باستمرار، فقد عملت وزارة التربية والتعليم على وضع هيكل تنظيمي للتطوير المهني للمعلمين؛ أملًا في الارتقاء بأداء المعلمين ومن ثم جودة العملية التعليمية. لكن أداء المعلمين يظل محل نقاش ونقد طوال الوقت، والسؤال الذي يطرح نفسه في كل حديث عن أداء المعلمين بمصر هو: ما الإجراءات التي اتُّخذت لمساعدة المعلمين على التطور المهني؟ وهل تحققت الأهداف المنشودة؟.

التطوير المهني والهيكل الإداري

اهتمت وزارة التربية والتعليم بملف التطوير المهني للمعلمين منذ فترة طويلة. فلأكثر من عقدين من الزمان وجهود تطوير أداء المعلمين تتوالى، وتم خلال هذه الفترة إنشاء هيكل إداري ضخم مسئول عن التدريب والتطوير المهني للمعلمين. يتضمن الهيكل عددًا من المستويات تشمل:

وحدات التدريب بالمدارس

أُنشئت وحدات التدريب في المدارس عام 2000؛ بهدف تنفيذ برامج تدريبية للمعلمين على مستوى المدرسة، والعمل على تحديد الاحتياجات التدريبية للمعلمين، والبحث عن مصادر تمويل ذاتي لهذه البرامج التدريبية. في ضوء تلك الاختصاصات أصبحت وحدات التدريب هي الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها الوزارة في تنمية قدرات ومهارات المعلمين أثناء الخدمة في ضوء التنسيق الذي يتم مع الأكاديمية المهنية للمعلمين، التي تم إنشاؤها لاحقًا.

ورغم أهميتها إلا أن وحدات التدريب الموجودة في المدارس تعاني من مشكلات تعوقها عن القيام بمهامها، وذلك وفقًا لما أظهرته العديد من الدراسات التربوية، ومنها على سبيل المثال: ضعف جودة التدريبات المقدمة لمسئولي الوحدات أنفسهم والمدربين وأحيانًا انعدامها نهائيًا، والافتقار لأدلة الدعم على مستوى المدرسة، وعدم وجود مخصصات مالية، وعدم وجود مقر خاص لوحدة التدريب في بعض المدارس، والنقص في أجهزة الحاسب الآلي في بعض المدارس، وعدم تعاون الإدارة المدرسية، وعدم توافر الوقت اللازم لتدريب المعلمين نظرًا للعبء التدريسي الواقع عليهم، وعدم توافر الحافز المادي للمعلمين والمدربين للمشاركة في عملية التدريب، وعدم تحديد الاحتياجات التدريبية الفعلية للمعلمين بطرق سليمة.

الأكاديمية المهنية للمعلمين (PAT):

أُنشئت الأكاديمية عام 2007، لتصبح الكيان المسئول عن تصميم وتنسيق وتقييم جميع الأنشطة المهنية للمعلمين، وتتضمن اختصاصاتها منح شهادة الصلاحية للمعلمين، بالإضافة إلى وضع الخطط والسياسات ومعايير الجودة الخاصة بالبرامج التدريبية، وإعداد البرامج التدريبية، واقتراح سياسات ونظم تقويم الأداء المهني لأعضاء هيئة التعليم، ودعم وحدات التدريب في المدارس.

ويُشير الواقع الفعلي إلى أن الأكاديمية لم تنفذ المهام الخاصة برسم السياسات التدريبية، ونظم تقويم الأداء المهني، أو تحديد الاحتياجات الفعلية للمعلمين في ضوء تقييم أدائهم، ولم تقدم دعمًا لرفع قدرات ومهارات مسئولي وحدات التدريب باعتبارهم العناصر الأساسية في التنمية المهنية للمعلمين بالمدارس؛ مما ساهم في تحويل دور وحدات التدريب إلى دور شكلي، واكتفت الأكاديمية المهنية باعتماد برامج التدريب والمدربين، وتقديم برامج التدريب اللازمة للترقي الوظيفي بمقابل مادي يدفعه المعلمون الراغبون في الحصول على الخدمة، الأمر الذي حول الأكاديمية إلى ما يشبه هيئة ربحية تقدم خدمات بمقابل، بدلًا من أن تكون الهيئة المسئولة عن الارتقاء بأداء كافة المعلمين.

اللجنة العليا للتدريب:

تم تشكيل هذه اللجنة في يناير 2020 بهدف تنسيق جهود المؤسسات التي تقدم وتنظم تدريبات للمعلمين والعاملين بجميع المديريات التعليمية والإدارات التعليمية، ومتابعة تنفيذ التدريبات المعتمدة من اللجنة لضمان جودتها، وإعداد قاعدة بيانات تشمل جميع البرامج التدريبية المقدمة والمستهدفين بهذه البرامج. ورغم تشكيل اللجنة منذ ما يقارب العامين؛ إلا أنه وحتى الآن لم يتم وضع سياسة فعّالة لتدريب المعلمين أثناء الخدمة، كما أن المتأمل للبرامج التدريبية المقدمة يلاحظ أنها هي نفسها البرامج التي كانت موجودة قبل ذلك دون تغيير.

ورغم النجاح في بناء هيكل إداري تنظيمي لتدريب المعلمين، إلا أن العديد من الدراسات والتقارير سلطت الضوء على واقع التنمية المهنية للمعلمين في مصر، ومنها على سبيل المثال دراسة المركز الإقليمي للجودة والتميز في التعليم (2019) بعنوان “حول سياسات وبرامج التنمية المهنية والتدريب أثناء الخدمة للمعلم في الدول العربية”، والتي هدفت إلى تحليل واقع ممارسات التنمية المهنية للمعلمين في عدد (6) دول عربية من بينها مصر، وانتهت إلى أنه وفقًا لوجهة نظر المعلمين بمصر، فإنه لا توجد ساعات مخصصة للتنمية المهنية أثناء اليوم الدراسي لهم.

كما أشار تقرير مشروع ( SUP4PCL/ERASMUS+) (2020) الذي نفذته الجامعة الأمريكية بالتعاون مع عددٍ من الجامعات المصرية والأوروبية، والذي اعتمد على دراسة ميدانية في (15) مدرسة حكومية كمرحلة أولى، إلى أن المعلمين يعتبرون التدريبات التي تقدمها الوزارة لهم مكررة وعديمة القيمة، وأن هناك مجموعة من التحديات التي يواجهها المعلمون لتطبيق النظام التعليمي الجديد (2.0)، حيث وصفوه بأنه محير وصعب التناول؛ نظرًا لضيق وقت التدريس. وقد لاحظ التقرير أن المعلمين يقاومون التغيير إلى نظام مختلف عما اعتادوا عليه، كما أفادوا بضعف مستوى الدعم الذي يقدمه الموجهون لهم.

جهود تطوير أداء المعلمين بالمشروع القومي لتطوير التعليم

في ضوء الجهود المبذولة لتطوير وإصلاح التعليم، تضمنت وثيقة إصلاح التعليم المقرر تنفيذها في الفترة 2018 – 2023 والموقعة مع البنك الدولي، مكونًا خاصًا بالارتقاء وتطوير أداء وممارسات المعلمين، ويشمل المؤشرين الفرعيين التاليين: 

تحسين جودة منظومة التطوير المهني المستمر: وذلك من خلال وضع إطار شامل للتطوير المهني المستمر للمعلمين والمديرين التربويين والموجهين، وتقييم احتياجاتهم للتطوير المهني، وصياغة وتنفيذ خطط تطوير مهني تتوافق مع الإطار الجديد، وتطوير النظام الحالي للتدريب، وتصميم وتنفيذ برنامج تدريب للموجهين يكون الهدف منه القيام بالتوجيه وليس التفتيش.

التوسع في فرص التطوير المهني المستمر: وذلك حتى يتسنى تحسين السلوكيات المهنية للمعلمين والمديرين التربويين والموجهين، من خلال توسيع نطاق برنامج السلوكيات المهنية للمعلمين، ليشمل المزيد من المعلمين والقيادات التربوية والموجهين.

في أبريل 2021، تم إجراء بعض التعديلات على الوثيقة، ولعل أبرزها حذف الهدف الخاص بتطوير وتنفيذ برامج تدريب للمعلمين والقيادات التربوية الجدد، واستبدال مؤشر التوسع في تنفيذ برنامج السلوكيات المهنية بتنفيذ برنامج تطوير مهني جديد للمعلمين والموجهين، وتوسيع دائرة التطوير المهني لقادة التعليم لتتضمن مديري المدارس، ونوابهم، ورؤساء المناطق التعليمية، من خلال تطوير إطار عام للتنمية المهنية المستمرة لهذه الفئات، بالتوافق مع الإطار الخاص بالمعلمين والموجهين.

وعلى الرغم من جودة أهداف مشروع إصلاح التعليم فيما يتعلق بالتنمية المهنية للمعلمين؛ إلا أن معدلات التنفيذ ونتائج المشروع التي تضمنتها التقارير الدورية الصادرة عن البنك الدولي ووثيقة إعادة هيكلة المشروع كانت ضعيفة، حيث لم تُحرز الوزارة تقدمًا فيما يخص إعداد الإطار العام الخاص بالتنمية المهنية المستمرة للمعلمين، أو المؤشر الخاص بتحسين جودة برامج التطوير المهني للمعلمين والقادة التربويين، أو نسبة المعلمين الذين يظهرون تحسنًا في ممارسات التدريس.

أما الإجراءات التي تم تنفيذها بالفعل لتطوير أداء المعلمين منذ 2018، فتتلخص فيما يلي: 

  • تنفيذ تدريب لمعلمي رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية على المناهج الجديدة (2.0) قبل بدء العام الدراسي مباشرة.
  • أطلقت الأكاديمية المهنية للمعلمين عام 2020 أول منصة حكومية لتدريب المعلمين online، وهي “منصة المعلم”؛ بهدف رقمنة المنظومة، ويمكن عن طريقها حجز برامج الترقي، والوظائف القيادية والإشرافية، وتغيير المسمى الوظيفي.
  • أعلنت الأكاديمية عبر موقعها الإلكتروني عن بيان إحصائي بأعداد المعلمين الذين تم تدريبهم بدءًا من يناير 2020 بإجمالي عدد يزيد على 676 ألف معلم، وهو رقم يعكس ما تم إداريًا وليس واقعيًا. ووفقًا للبيان بالشكل رقم (1) فإن البرامج التي تم تنفيذها تتضمن برامج الترقي، وبرامج تدريبية خاصة بالقيادات التربوية، وبرامج تغيير المسمى الوظيفي، والتوجيه الفني، وبرامج نوعية لتنمية مهارات معلمي المواد الدراسية، وبذلك تدور هذه البرامج حول الإدارة والترقية واستراتيجيات التدريس، أي إنها لم تختلف عن مثيلتها التي تم تنفيذها قبل توقيع وثيقة إصلاح التعليم في 2018.

شكل (1): بيان إحصائي بأعداد المعلمين الذين تم تدريبهم من 1/1/2020

المصدر: موقع الأكاديمية المهنية للمعلمين.

مزيد من الجهد لإحداث التغيير

رغم التحديات التي يواجهها ملف التنمية المهنية للمعلمين، إلا أن هناك فرصة كبيرة للتطوير وإحداث تغيير على أرض الواقع من خلال: 

تنفيذ المكون الخاص بالمعلمين بمشروع إصلاح التعليم، وإعداد إطار عام للتنمية المهنية المستمرة للمعلمين. 

تنفيذ التدريب على أكثر من مستوى، ليشمل مستوى وطنيًا عامًا تتولاه الأكاديمية المهنية، وآخر محليًا بناءً على احتياجات كل محافظة، ويمكن تقديمه من خلال الشراكات مع كليات التربية بالمحافظات، وثالثًا من خلال وحدات التدريب بالمدارس، على أن يعتمد على أشكال مختلفة ولا يقتصر على الدورات التدريبية.

إعادة هيكلة الأكاديمية المهنية للمعلمين، وتطويرها إداريًا للقيام بعملها بأفضل صورة.

توقيع شراكات تعاون بين الأكاديمية والمؤسسات التدريبية المرموقة بالدول التي استطاعت أن تحقق إنجازًا بجودة التدريس ونتائج تحصيل الطلاب مثل: كوريا الجنوبية، واليابان، وفنلندا، وسنغافورة، وهونغ كونغ؛ لنقل الخبرات، والارتقاء بأداء الأكاديمية.

استغلال منصة المعلم الإلكترونية، وإطلاق تطبيق إلكتروني للمعلمين يتم من خلاله إمدادهم بمواد تكميلية طوال العام، ونماذج لخطط تدريسية وأنشطة تعليمية مبتكرة. 

قيام الأكاديمية بإعداد دليل لوحدات التدريب بالمدارس يهدف إلى مساعدتهم على القيام بعملهم، وتقديم تدريبات لتأهيل ورفع كفاءة مسئولي الوحدات.

تشكيل فريق دعم للوحدات من الأكاديمية؛ بهدف تقييم الوحدات على أرض الواقع وتقديم الدعم الملائم لهم.

ختامًا، رغم التحديات الموجودة بملف التطوير المهني للمعلمين؛ إلا أن مواجهتها وحلها ضرورة وليس رفاهية، وفي كل الأحوال لا يمكن باتباع نفس الأسلوب التقليدي في التدريب أن تأتي النتائج مختلفة على مستوى أداء المعلمين، وجودة التعليم ككل.

أمنية صلاح