تنمية ومجتمع

“عاش هنا”.. جولات سياحية بمنازل مشاهير هوليود الشرق

“كل حي في مصر (حي) بناسه وتراثه والأحداث التي عاشها. فذاكرة المدينة لن تنسى أبدًا من شارك في بنائها، وساعد في تجميلها وعاش فيها”. بتلك الجملة الافتتاحية، أعلنت وزارة الثقافة في عام 2018، تدشين مشروعها المميز “عاش هنا” من خلال جهاز التنسيق الحضاري، ليس فقط استثمارًا سياحيًا لقوة مصر الناعمة في وجدان زائري مصر العرب من المحيط للخليج؛ بل كنوع من التحفيز للشباب والمواطنين للتعرف على حياة هؤلاء المبدعين الذين أثروا الحياة بأعمالهم في شتى المجالات، والعمل على تخليد ذكراهم وامتدادها للأجيال الجديدة. لم تكن البدايةُ من مشروع “عاش هنا”، فقد سبقته تجارب محدودة لتعريف المتجولين في شوارع القاهرة بأن…

د.مهند فودة on Email
د.مهند فودة
باحث في مجال التنمية العمرانية والحفاظ علي التراث الحضاري

كل حي في مصر (حي) بناسه وتراثه والأحداث التي عاشها. فذاكرة المدينة لن تنسى أبدًا من شارك في بنائها، وساعد في تجميلها وعاش فيها“.

بتلك الجملة الافتتاحية، أعلنت وزارة الثقافة في عام 2018، تدشين مشروعها المميز “عاش هنا” من خلال جهاز التنسيق الحضاري، ليس فقط استثمارًا سياحيًا لقوة مصر الناعمة في وجدان زائري مصر العرب من المحيط للخليج؛ بل كنوع من التحفيز للشباب والمواطنين للتعرف على حياة هؤلاء المبدعين الذين أثروا الحياة بأعمالهم في شتى المجالات، والعمل على تخليد ذكراهم وامتدادها للأجيال الجديدة.

لم تكن البدايةُ من مشروع “عاش هنا”، فقد سبقته تجارب محدودة لتعريف المتجولين في شوارع القاهرة بأن في ذلك المبنى الكائن أمامهم كانت تعيش شخصية شهيرة، وأشهر تلك التجارب السابقة مبادرة تثبيت لوحات رخامية على مداخل منازل الفنانين التي نفذتها لجنة “أبناء فناني الزمن الجميل” بالتعاون مع منظمة “يونارتس” وتمويل بعض المشاهير مثل مصممة الأزياء الإماراتية منى المنصوري عام 2015، ومن أشهر اللوحات الرخامية التي تم تنفيذها في ذلك المشروع تركيب أربع لوحات رخامية رُكبت رأسيًا بارتفاع 2.50 متر لتكفي أسماء المشاهير الذين سكنوا عمارة الإيموبيليا الشهيرة بوسط البلد.

صورة (1): لافتة المشاهير ساكني عمارة الإيموبيليا بوسط البلد قبل إزالتها

المصدر: “الإيموبيليا – هرم وسط القاهرة سكنه أشهر فناني مصر، مجلة العين، ديسمبر 2016”

ويُعد المشروع الأخير -الذي تتبناه وزارة الثقافة في الوقت الراهن- الأكبر والأكثر تنوعًا في توثيق أماكن سكن المشاهير في أنحاء العاصمة المصرية، فالمشروع يشمل المشاهير في شتى المجالات وليس الفن فحسب، مثل الأدب والصحافة والإعلام والسياسة والعلوم والدين والرياضة، ومؤخرًا تم ضم شهداء الجيش والشرطة إلى المشروع. يقف خلف المشروع كتيبة كبيرة من المتخصصين في مجالات الإعلام والتاريخ والعمارة والفن واللغة. وبحسب تصريح الدكتورة هايدي شلبي، مدير الادارة العامة للحفاظ على المناطق والمباني التاريخية بجهاز التنسيق الحضاري، فقد وصل عدد اللافتات المثبتة في القاهرة الكبرى والمدن المصرية الأخرى إلى 530 لافتة حتى 7 أغسطس 2021.

صورة (2): إحدى لافتات مشروع “عاش هنا”

المصدر: الكاتب.

تحتوي اللافتة النحاسية الأنيقة التي تثبت على قاعدة خشبية على مدخل المنزل الذي عاش فيه أحد المشاهير على خاصية QR، والتي تتيح للمتجول عبر مسحها من خلال أحد تطبيقات QR reader على هاتفه، الدخول على صفحة تعرض السيرة الذاتية لذلك الشخص وأبرز الأعمال التي قدمها، وتاريخي ميلاده ووفاته. ويتيح مشروع “عاش هنا” أيضًا عبر الموقع الرسمي له على شبكة الإنترنت، إمكانية البحث عن منزل أحد المشاهير قبل النزول للتجول في شوارع القاهرة، ومعرفة موقع منزل الشخصية وزيارته، سواء من خلال العنوان التفصيلي المتاح على الموقع، أو من خلال إمكانية البحث من خلال الخريطة. 

ومن خلال التجربة العملية لتلك الخريطة، فقد تبين أنها بحاجة إلى مزيد من التحسين وتفعيل خاصية البحث بالمكان أو بالمجال، كما يفضل إضافة صورة منزل الشخصية، فبعض المنازل يصعب الوصول لها في حالة عدم وضوح رقم المنزل عليها. المشروع أيضًا بحاجة إلى إضافة تطبيق خاص به، يمكن تحميله من خلال الهواتف الذكية، يُتيح إمكانية البحث عن مواقع منازل المشاهير وربطها بخرائط جوجل أسوة بخرائط مشروع حكاية شارع. فعلى سبيل المثال، قد يُمكن ذلك التطبيق المتجول السائر على الأقدام في حي الزمالك من صنع مسار حي على هاتفه للمرور على منازل المشاهير في ذلك الحي الذي كان مفضلًا لأغلب من استوطن القاهرة منهم، بل إن بعض البنايات تشارك الإقامة فيها أكثر من شخصية شهيرة.

جولة سياحية لمنازل المشاهير بالقاهرة!

جولة لمدة ساعتين، تشمل زيارة منازل المشاهير بمنطقتي وسط البلد والزمالك، والوقوف لالتقاط الصور التذكارية أمام عمارة الإيموبيليا الشهيرة وعمارة ليبون التي سكنت بها فاتن حمامة، وليلى فوزي، ومحرم فؤاد، وعمارة زهراء الجزيرة التي سكنها عبدالحليم حافظ، وتختتم الجولة بزيارة تمثال أم كلثوم بالقرب من فيلتها التي هدمت في الثمانينيات من القرن الماضي“. 

فلم لا تبادر وزارة السياحة المصرية بالتعاون مع شركات السياحة وجهاز التنسيق الحضاري، كاستثمار سياحي لشهرة نجوم مصر في العالم العربي، بإدراج جولات سياحية لمنازل المشاهير كهذه، ضمن برنامج زيارات السائحين العرب للقاهرة؟!، خاصة أن الجهاز قام بإصدار خرائط لمسار منازل المشاهير بحي الزمالك كخطوة أولى بالفعل (انظر صورة: 3).

فعلى هامش زيارة السائح لهوليود واستثمارًا للجاذبية التي يتمتع بها نجوم السينما الأمريكية حول العالم، تتهافت الشركات السياحية لجذب السائحين للقيام بجولات سياحية لمنازل مشاهير هوليود الذي يقطنون في حي بيفرلي هيلز السكني المجاور، وتمتد الجولة على مدار ساعتين، تشمل زيارة العلامات المميزة بالحي الشهير، عبر سيارة مكشوفة تتسع لـ12 فردًا وشرح صوتي بالإنجليزية. أهم المنازل التي تشملها الجولة: منزل مايكل جاكسون، أل بتشينو، هالي بيري، دكتور فيل، مارلين مونرو، كاتي بيري، وغيرهم. يصل متوسط سعر الجولة السياحية إلى 44 دولارًا، بينما تصل إلى 480 دولارًا إذا خُصصت لمجموعة مكونة من ثمانية أشخاص فقط، وتصل تكلفة شراء الخريطة التي تحدد مواقع منازل المشاهير بـ12 دولارًا إذا قرر السائح القيام بالجولة منفردًا.

الصورة (3): خريطة مسار زيارة منازل المشاهير بحي الزمالك

المصدر: موقع ذاكرة المدينة، جهاز التنسيق الحضاري، وزارة الثقافة، مصر.

صورة (4): كتابات محبي عبدالحليم حافظ على الحوائط أمام باب شقته في الزمالك

المصدر: الكاتب.

المحافظات في انتظار “عاش هنا”

أدت هجرة المبدعين والمفكرين إلى العاصمة ليحظوا بفرصة أكبر كل في مجاله إلى استئثار القاهرة الكبرى بالنصيب الأكبر من لافتات مشروع “عاش هنا”. وبحسب المعايير التي وضعها جهاز التنسيق الحضاري بالنسبة للشخصيات الشهيرة التي عاشت في أكثر من مكان أو أكثر من محافظة، يتم اختيار تثبيت اللافتة في مكان واحد فقط، إما آخر مكان أقامت به الشخصية وتوفيت فيه، أو أكثر مكان عاشت فيه، ويتم استشارة أسرته ورغبتهم في اختيار المكان الذي تُوضع عليه اللافتة، وغالبًا ما يقع الاختيار على إحدى البنايات داخل نطاق القاهرة الكبرى.

ورغم ذلك فإن المواطنين بالمحافظات يتطلعون إلى لافتات مماثلة لأعلام محافظتهم التي غالبًا ما شهدت ميلادهم ونشأتهم قبل انتقالهم للقاهرة. فإن ذهبت لأسيوط ستجد من يرشدك لبيت الزعيم جمال عبدالناصر بقرية بني مر، حيث وضع الأهالي لافتة زرقاء تشير إلى بيت الزعيم، بل إن قرى بأكملها نالت شهرتها من اسم الشخصية التي ولدت بها مثل قرية طماي الزهايرة بالسنبلاوين محافظة الدقهلية التي ولدت بها أم كلثوم وعاشت بها طفولتها، وكذلك قرية الحلوات بمحافظة الشرقية التي ولد بها عبدالحليم حافظ، وما زالت منازلهما موجودة هناك حتى الآن.

ورغم ضآلة عدد اللافتات التي تم تثبيتها خارج القاهرة الكبرى حتى الآن، فإن لمدينة طنطا بمحافظة الغربية نصيبًا بعدد محدود من اللافتات، مثل لافتة الكاتب أحمد خالد توفيق في 9 شارع ثروت، والشيخ المنشد سيد النقشبندي في 6 شارع زاوية القصبي، والدكتور محمد مشالي طبيب الغلابة في شارع النحاس. 

وحظيت مدينة الإسكندرية بعدد من اللافتات أهمها لافتة قسطنطين كفافيس الشاعر اليوناني الشهير بمنزله في حي العطارين، والفنان وحيد سيف بمنطقة محرم بك، وكذلك تم تثبيت لافتة للبرلماني السابق البدر فرغلي بمنزله ببورسعيد، والشاعر أمل دنقل بقرية القلعة في مركز قفط بقنا.

حكاية شارع.. المشروع الثاني لإحياء ذاكرة المدينة

لم يكن مشروع “عاش هنا” هو المشروع الوحيد الذي تم إطلاقه لإحياء ذاكرة المدينة وإحياء ذكرى المبدعين في شتى المجالات، فقد أطلق جهاز التنسيق الحضاري في 2018، مشروع “حكاية شارع” ليجيب عن السؤال الذي طالما يتبادر إلى أذهاننا: “عن تلك الشخصية المجهولة التي سُمي باسمها هذا الشارع؟” خاصة الشوارع ذات الأسماء الغريبة أمثال: قراقوش، كلوت بك، الفلكي، لاظوغلي، باتريس لمومبا. فيهتم المشروع بوضع لوحات أمام الشوارع الهامة بالقاهرة والإسكندرية، مدون عليها سبب تسمية الشارع، مع سرد لتاريخ الشخصية التي سُمي الشارع باسمها. وبحسب الدكتورة هايدي شلبي، فإن عدد اللافتات المثبتة في القاهرة الكبرى والإسكندرية حتى الآن بلغ 160 لافتة. وقد وضعت اللجنة العلمية للمشروع إطارًا محددًا للتعريف بكل شخصية من خلال ضوابط محددة منها “أن يتم التعريف بالشخصية التي سُمي باسمها الشارع في 25 كلمة فقط، تحديد تاريخي الميلاد والوفاة، أن تكون النصوص باللغتين العربية والإنجليزية، وتزود اللافتة بخاصة QR أيضًا.

صورة (5): لافتة حكاية شارع درب قرمز بحي الجمالية – القاهرة

،

المصدر: موقع مشروع حكاية شارع – جهاز التنسيق الحضاري – وزارة الثقافة – مصر.

ورغم النجاح الكبير لكلا المشروعين، وما أضافاه من إثراء لذاكرة المدينة من خلال توثيق ذكرى شخصيات عاشت فيها وأضافت قيمًا للحياة ثم رحلت عنا، ومن خلال الكشف عن لغز أسماء شوارع مدننا التي توارثناها دون أن نعلم أسرار تسميتها ومن هم أبطالها، فما زال بقية المواطنين بالمحافظات بانتظار دورهم في لافتات “عاش هنا” و”حكاية شارع” وربما أيضًا “حكاية قرية”، وهذا بحاجة إلى تغيير معايير وضع لافتة “عاش هنا” لتشمل مسقط رأس الشخصية الشهيرة بجانب محل إقامتها، وبحاجة أيضًا إلى جهود ضخمة تُبذل من قبل جهاز التنسيق الحضاري لتوسيع نطاق مشاريعه وإنشاء لجان فرعية بكل محافظة، والتعاون مع كليات الآداب بالجامعات الإقليمية، للبحث عن مواطن نشأة وميلاد الشخصيات المصرية الشهيرة التي نبتت وأزهرت في مختلف ربوع مصر قبل انتقالها للقاهرة، وكذلك البحث عن أصل تسمية الشوارع بالمدن الأخرى وأسماء القرى المصرية الغريبة التي يتم توارثها من جيل لجيل دون معرفة المعنى الحقيقي وراء ذلك الاسم.

المراجع:

حوار مع د. هايدي أحمد شلبي، مدير الإدارة العامة للحفاظ على المناطق والمباني التاريخية، جهاز التنسيق الحضاري، وزارة الثقافة مصر، بتاريخ 7 أغسطس 2021.

عبير الضمراني، “عاش هنا وحكاية شارع” يسجلانها، ذاكــرة المدينــة، تخليد لرموز الوطن وتوثيق لمبانيه” ، مقالة بجريدة الأهرام، 28 أغسطس 2020، السنة 145 العدد 48843 .

هند الشناوي، “عمارات المشاهير.. متاحف فنية ومعمارية تحتاج للاهتمام”، مقالة بجريدة المصري اليوم، 2 ديسمبر 2016.

الموقع الرسمي لمشروع “عاش هنا”، جهاز التنسيق الحضاري، وزارة الثقافة، مصر، http://livedhere.gov.eg/search/names.aspx 

الموقع الرسمي لمشروع ذاكرة المدينة، جهاز التنسيق الحضاري، وزارة الثقافة، مصر، 

http://www.memoryofthecity.gov.eg/

 الموقع الرسمي لمشروع حكاية شارع، جهاز التنسيق الحضاري، وزارة الثقافة، مصر، http://streetstory.gov.eg/

جولة سياحية لمنازل المشاهير، https://hollywoodbustoursla.com/tour-item/celebrity-homes-tour 

جولة سياحية لمنازل المشاهير من هوليود، https://www.starlinetours.com/en/celebrity-homes-tour-from-hollywood

د.مهند فودة on Email
د.مهند فودة
باحث في مجال التنمية العمرانية والحفاظ علي التراث الحضاري