وحدة الدراسات الاقتصادية

تأثير أزمة الغاز الأوروبية على دور مصر كمركز إقليمي لتداول الطاقة

شهدت أسعار الغاز العالمية قفزات مُتسارعة خلال الأشهر الستة الأخيرة. ففي الأول من إبريل ٢٠٢١، كانت قد استقرت عند مُستوى ٢٫٦٢ دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، على مؤشر نيمكس الأمريكي، لتتخذ سبيلها للارتفاع فتلامس مُستويات ٥٫٣٠ دولارات في ٢٧ سبتمبر، بمُعدل نمو يزيد على ١٠٢٪ خلال الفترة السابق الإشارة إليها، مع ضغوط طلبية ستدفع الأسعار مؤكدًا مزيدًا من الارتفاع في الأمد المنظور على الأقل، بسبب حلول فصل الشتاء في النصف الشمالي من الكُرة الأرضية، الأكثر استهلاكًا للغاز، ومواد الطاقة بشكل عام. الوضع في أوروبا أسوأ، حيث ارتفعت الأسعار من مُستوى ١٩ دولارًا للجيجاوات/ ساعة إلى مستويات قرب ٧٤ دولارًا خلال…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

شهدت أسعار الغاز العالمية قفزات مُتسارعة خلال الأشهر الستة الأخيرة. ففي الأول من إبريل ٢٠٢١، كانت قد استقرت عند مُستوى ٢٫٦٢ دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، على مؤشر نيمكس الأمريكي، لتتخذ سبيلها للارتفاع فتلامس مُستويات ٥٫٣٠ دولارات في ٢٧ سبتمبر، بمُعدل نمو يزيد على ١٠٢٪ خلال الفترة السابق الإشارة إليها، مع ضغوط طلبية ستدفع الأسعار مؤكدًا مزيدًا من الارتفاع في الأمد المنظور على الأقل، بسبب حلول فصل الشتاء في النصف الشمالي من الكُرة الأرضية، الأكثر استهلاكًا للغاز، ومواد الطاقة بشكل عام. الوضع في أوروبا أسوأ، حيث ارتفعت الأسعار من مُستوى ١٩ دولارًا للجيجاوات/ ساعة إلى مستويات قرب ٧٤ دولارًا خلال الفترة ذاتها. ويكمن المرض العضال في مُعضلة أسعار الطاقة، في انخفاض المعروض من الغاز في السوق الأوروبية، مع اتجاه الطلب عليه للارتفاع، مما يُفاقم حالة عدم اليقين التي تلُف الاقتصاد الأوروبي بسبب تفشي كورونا ومتحوراته.

في ظل هذه الأزمة، تحاول مصر تنصيب نفسها كمركز إقليمي لتداول الطاقة، ومُصّدر أساسي للطاقة للقارة الأوروبية. لذا يحاول هذا المقال تتبع سياقات الأزمة، وتحديد أسبابها، ومن ثم توقع انعكاساتها على مشروع مصر الأبرز في الوقت الحالي.

أولًا- مُحركات الأزمة ومآلاتها:

تعود الأزمة -في مُجملها- إلى ارتفاع الطلب على الغاز -كما سبقت الإشارة- بداية من شهر فبراير ٢٠٢١ مدفوعة بعدد من العوامل أهمها ما يلي:

1. تخفيف الإجراءات الاحترازية ضد كورونا:

حيث بدأت الحكومات في أوروبا عقب تحسن وضع حملات التلقيح ضد المرض، ووصولها إلى نسب مُرضية من الإنجاز، بفتح الاقتصادات مرة أخرى، مما تسبب في طلب أكبر على الطاقة من المتاجر والمطاعم وأماكن الترفيه، وهو ما حرك طلبًا على المُنتجات والسلع بكافة أشكالها، دفع القطاع الصناعي إلى رفع قدراته الإنتاجية إلى أعلى من مُستويات ما قبل كورونا حتى تواكب الضغوط الطلبية، الأمر الذي خلق طلبًا مُتزايدًا من نوع آخر على كافة السلع الأساسية ومن ضمنها الطاقة والمعادن والمُنتجات الغذائية، حتى دخل الاقتصاد العالمي فيما يُطلق عليه “الدورة الفائقة” التي تعني ارتفاعًا مُبالغًا فيه لأسعار مُدخلات الإنتاج لفترات طويلة، يؤدي فورًا إلى ارتفاع أسعار السلع بشكل عام، مما يخلق موجات تضخمية تضرب الأسواق بشكل جماعي. ويوضح الشكل التالي ارتفاع أسعار النحاس والقصدير كبعض أهم المعادن الصناعية في العالم خلال الفترة من ٢٠١٩ وحتى أغسطس ٢٠٢١:

شكل 1: يوضح تطور أسعار معدني النحاس والقصدير خلال عامي ٢٠١٩ وأغسطس ٢٠٢١

يوضح الشكل النمو السريع لأسعار المعدنين بداية من يوليو ٢٠٢٠، على إثر إجراءات الفتح بعد الموجة الأولى، الأمر الذي أفرز موجات تضخم مُتوالية، تأثرت أوروبا بها بشكل أكثر حدة، وذلك بسبب اعتمادها على واردات المواد الأساسية بشكل كبير، مما أفرز كذلك ضغوطًا تضخمية، أدت إلى ارتفاع الأسعار، وبالتالي ارتفاع هوامش الأرباح، فالمزيد من الطلب على الطاقة، حتى وصل الطلب إلى مُعدلات قياسية، تجاوزت المعروض بشكل ضخم للغاية، كما سيجري توضيح ذلك لاحقًا.

2. الاضطرابات الجيوبوليتيكية:

يعتمد الاتحاد الأوروبي على الغاز بشكل أساسي كمصدر للطاقة، حيث يأتي كثاني أهم المصادر المُستوردة من خارجه بعد النفط، كما يوضح الجدول التالي:

جدول 1: قيمة صادرات وواردات الغاز للاتحاد الأوروبي ومنه خلال ٢٠٢٠

ويتضح من الجدول أن واردات الغاز الأوروبية من كلا النوعين (المُسال، والمُستورد عبر الأنابيب) بلغت نحو ٤٠ مليار دولار، وذلك بنسبة ٢٣٪ من إجمالي الواردات من مُنتجات الطاقة، يأتي نحو ٤٣٪ من روسيا من النوعين، كما توضح الخريطة التالية:

شكل 2: يوضح أهم مُصدري الغاز للاتحاد الأوروبي في عام ٢٠٢٠

MapDescription automatically generated

ويصل الغاز الروسي أساسًا إلى أوروبا عبر ١٢ خطًا، ثلاثة منها تمُر للاتحاد الأوروبي مُباشرة عبر كُل من فنلندا وأستونيا ولاتفيا، وأربعة عبر بيلاروسيا، وأخيرًا ٥ عبر أوكرانيا، وكانت الصادرات عبر أوكرانيا مصدرًا كبيرًا لعدم استقرار العلاقة بين روسيا وأوروبا بسبب عدم انتظامها في الدفع مُقابل استخدامها الغاز الروسي، مما اضطر روسيا لقطع إمدادات الغاز مرتين لمُدد مُتفاوتة وصلت إلى ٢٠ يومًا في عام ٢٠٠٩، ويوضح الشكل التالي مسارات عبور أنابيب الغاز بين روسيا وأوروبا:

MapDescription automatically generated

لذلك قررت روسيا بناء خطي “نورد ستريم ٢” بسعة ٥٥ مليار م٣ من الغاز ليزدوج مع “نورد ستريم ١”، ويربط كذلك بين روسيا وألمانيا مُباشرة، حتى تقلل قدر الإمكان اعتمادها على أوكرانيا، ولكن أثناء البناء تعرض الخط للعقوبات الأمريكية في ظل إدارة “ترامب”، مما أخر الزمن المُستغرق ورفع التكلفة، ولكن مع وصول إدارة “بايدن” تغير الموقف الأمريكي، ورفع العقوبات عن الخط، فأتمت روسيا بناءه خلال شهر يوليو الماضي، وأملت في بدء بث الغاز خلاله، لكنها فوجئت بالعقبات التنظيمية الأوروبية، الأمر الذي جعل روسيا تبدأ في الضغط على أوروبا عبر خفض كميات الغاز المُرسلة إليها، في الوقت الذي ارتفع فيه الطلب بسبب إجراءات إعادة فتح الاقتصاد بعد كورونا، كما سبقت الإشارة، الأمر الذي ضغط على الأسعار بشدة لتصل إلى مُعدلاتها القياسية السابقة.

3.مآلات الأزمة:

لا يتوقف دور الغاز في الاقتصاد على توليد الطاقة من المحطات الكهربية، وإن كان ذلك أهم أدواره، فاستخدامات الغاز تتعدد ما بين صناعة الأسمدة، والبتروكيماويات، والمشروبات الغازية، والغازات الصناعية، وغيرها، الأمر الذي يجعل تأثيرات نقص الغاز واسعة الدوائر، لتبدأ من هلع المُستثمرين والسُكان، إلى التأثير على صناعة البتروكيماويات، وصولًا إلى رفع تكلفة الحاصلات الزراعية، وهو ما تُعاني منه أوروبا في الوقت الحالي، حيث يعتقد عدد كبير من المواطنين أنهم رُبما يشهدون ذات التأثيرات التي ضربت الاقتصاد الأوروبي إبان حرب أكتوبر مع ما اتخذته الدول العربية من مُقاطعة بترولية على الدول الداعمة لإسرائيل، خاصة بعدما أعلنت السُلطات الأوروبية عن انخفاض مخزونات الغاز لديها إلى مُستويات أدنى من ٣٠٪ خلال شهري أبريل ومايو ٢٠٢١، وهو ما يُقارب أدنى مُستوياتها في خمس سنوات، قبل أن يبدأ الوضع في التحسن من جديد ابتداء من يونيو، كما يوضح الشكل التالي:

شكل 3: يوضح مخزونات الغاز الأوروبية في عام ٢٠٢١، مُقارنة بعام ٢٠٢٠، ومتوسط السنوات الخمس من ٢٠١٦ – ٢٠٢٠

Little stopping the natural gas price rally

أشاع تراجع المخزونات الذي يوضحه الشكل، فوضى عارمة في بعض الدول الأوروبية وخاصة في المملكة المُتحدة التي بدأ المواطنون فيها تخزين احتياجاتهم من السلع الغذائية والمنزلية لفترات طويلة، مما أخلى الرفوف من هذه السلع، في ظل أزمة شحن يشهدها العالم، مما فاقم الأزمة إلى ذروتها، ودفع الحكومة البريطانية إلى التفكير في تأميم شركات الطاقة، حتى تتجنب إفلاسها أو كارثة اقتصادية من ناحية أخرى.

ثانيًا- الانعكاسات على مشروع مصر للتحول إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة:

تحفز أزمات الغاز أوروبا للبحث عن مصادر بديلة للطاقة بعيدًا عن روسيا، وقد حفز ذلك عددًا من المشروعات التي لم يُكتب لها النجاح سابقًا مثل خط غاز Nabucco الذي كان يستهدف نقل الغاز من إيران، العراق وأذربيجان عبر تُركيا إلى أوروبا، بتكلفة ١٣ مليار دولار وقت اقتراحه في عام ٢٠١٠، في أعقاب أزمة قطع الإمدادات الروسية خلال شتاء ٢٠٠٩ لمُدة أكثر من ٢٠ يومًا، لذلك نتوقع ذات السلوك الأوروبي، مع استعادة تُركيا التي تبدو الآن شريكًا لا يُمكن الوثوق فيه بقدر روسيا تمامًا، مع وجود بديل أثبت موثوقيته وإمكانية الاعتماد عليه سواء في مجال نقل الغاز أو الكهرباء لاحقًا إلى أوروبا، وذلك عبر تعزيز المحاور التالية:

1. تعزيز إمكانيات الغاز في حوض شرق البحر المتوسط:

أصبح حوض شرق البحر المتوسط في الوقت الحالي هو أكثر المناطق المُتاحة لتقديم بديل استراتيجي عن الغاز الروسي وقت الأزمات، سواء عن طريق تعزيز الكميات المُكتشفة من الغاز، أو زيادة قدرات التسييل المُتاحة لدى مصر، وذلك عبر النقاط التالية:

1.زيادة اكتشافات الغاز في البحر المتوسط:

قد تبدأ السُلطات الأوروبية مشروعًا لزيادة احتياطيات الغاز في حوض البحر المتوسط، خاصة في ظل وجود توقعات قوية من هيئة المسح الجيولوجي الأمريكي بوجود كميات ضخمة من الغاز تبلغ ٢٧٠ تريليون م٣ من الغاز، لم يُكتشف مُعظمها حتى الآن، مما قد يدفع الشركات الأوروبية لزيادة أنشطة البحث والتنقيب في الحوض لدى الدول الخمس المُتوقع وجوده داخل حدودها (وهي: مصر، لبنان، إسرائيل، قبرص، اليونان) مما يرفع الكميات المُتاحة للتصدير، سواء عن طريق الأنابيب مُباشرة في حالة اكتشافه داخل الحدود القبرصية أو اليونانية، أو عن طريق التسييل في حالة اكتشاف مزيد منه لدى مصر أو إسرائيل، وذلك بعد قدرات التسييل المصرية، كما توضح النقطة التالية.

2. رفع قُدرات التسييل المصرية:

تتفرد مصر بامتلاك مُنشأتي الإسالة الوحيدتين في حوض شرق البحر المُتوسط، وبما أن تكلفة إنشاء مُنشآت إسالة أخرى بذات القُدرة قد تُكلف مبالغ ما بين ٧ – ١٠ مليارات دولار في الوقت الحالي، فإن الخيار المُتاح هو رفع قدرات القائم في مصر، حيث:

مُنشأة إدكو:

هي الأضخم، إذ تضُم وحدتين لإسالة الغاز الطبيعي بطاقة استيعابية تصل إلى 4.1 ملايين طن سنويًا من الغاز لكل وحدة، بإجمالي 8.2 ملايين طن سنويًا، المصنع ملكية مُشتركة بين كل من الهيئة العامة للبترول 12%، وإيجاس 12%، شركة شل 35.5%، وشركة بتروناس الماليزية 35.5%، وشركة إنجي الفرنسية 5%. عملت الوحدة لأول مرة في 2005، وصدر خلال العام المالي 2018/2019 نحو 172.8 بليون قدم3 من خلال عدد 45 شحنة غاز مسال أو ما يُعادل 4.32 ملايين طُن مُكافئ. ومع نهاية 2020 وصل إنتاج المُنشأة إلى ذروته وذلك بنحو 8 ملايين طُن سنويًا. ويوضح الشكل التالي تطور صادرات الغاز المصرية في الفترة من 2008 وحتى 2019:

شكل 1: يوضح تطور صادرات الغاز المصرية عبر كُل المصادر

مُنشأة دمياط:

تبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 5 ملايين طُن سنويًا، من وحدة إسالة واحدة، بدأ الإنتاج منها في عام 2004، وقد توقف الإنتاج لمدة ثمانية أعوام نتيجة نزاع قانوني بين الشركاء وأهمهم ناتورجي فينوسا الإسبانية والحكومة المصرية، بعد رفع الشركة الإسبانية قضايا تحكيم ضد الحكومة المصرية، انتهت هذه القضايا إلى الاتفاق على تخارج ناتورجي، على أن تتوزع حصتها في مصنع دمياط بين إيني وإيجاس والهيئة العامة للبترول، وعادت المُنشأة للعمل، وارتفعت القُدرات المصرية في الوقت الحالي إلى 12 مليون طن في العام، أصبحت مُستغرقة بالكامل في تسييل الغاز الإسرائيلي والقبرصي.

2.زيادة قدرات الطاقة المصرية المنقولة إلى أوروبا:

ويُعتبر ذلك الحل الأكثر عملية وقدرة على تحقيق هدف تأمين قدرات دائمة من الطاقة، حيث تمتلك مصر في الوقت الحالي نحو ٢٦ جيجا وات من فائض القدرة، يُمكن تصدير نحو ٢٠ جيجا وات فورًا منها في حالة الربط بين الشبكتين الأوروبية والمصرية، ويجري العمل في الوقت الحالي على ربط الشبكة المصرية بالقبرصية ومن ثم اليونانية بخط بقُدرة ٣ جيجا وات، يُتوقع الانتهاء منه في عام ٢٠٢٣. كما يُمكن الربط بين الشبكتين المصرية واليونانية بخط آخر بذات القدرة بما يجعل القدرات المنقولة نحو ٦ جيجا وات.

من جهة أخرى، يُمكن زيادة فائض القدرة المصرية عبر ضخ مزيد من الاستثمارات في قطاع الطاقة المُتجددة المصري الواعد، والذي يتوقع منه إنتاج نحو ٩٠ جيجا وات بحلول ٢٠٣٥ أو نحو ٤٢٪ من إجمالي القدرة المصرية، ويُمكن زيادة هذا الحد بضخ مزيد من الاستثمارات. وأخيرًا يتوقع من أوروبا الدفع في اتجاه تسريع الربط بين الشبكتين المصرية والخليجية عبر البحر الأحمر، بما يجعل جزءًا مُعتبرًا من قدرات الشبكة الخليجية مُتاحًا لها عند الضرورة.

خلاصة القول -إذن- إن الأزمة الحالية تصب في صالح المشروع القومي المصري بالتحول إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة، حيث ستحفز مزيدًا من الاستثمارات الأوروبية والأمريكية في قطاع الطاقة المصري، لخفض الاعتماد على واردات الطاقة الروسية، خاصة بعدما قدمت مصر نفسها كمحور استقرار في المنطقة، وشريك يُمكن التعويل عليه.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة